:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, June 05, 2005

الشيخ المايسترو

بعد أن شاهدتُ القس الأمريكي الأسود تي دي جيكز يلقي بعضا من مواعظه على التلفزيون، استنتجتُ أن من الخطأ والتحامل أن نتهم مشايخنا وحدهم بممارسة الصراخ والانفعال في مواعظهم.
القس جيكز خطيب مفوّه وعندما يلقي مواعظه فإنه يمارس نوعا من التمثيل الدرامي الذي يندر أن نرى مثيلا له في الحماس والمبالغة والإمعان في تهييج مشاعر النظارة من المؤمنين الذين يحضرون دروسه الدينية بانتظام.
إيماءات عصبية بالرغم من ثقل جسم الواعظ، وصراخ تعلو نبرته وتهبط بحسب السياق، وعرق يتدفق بغزارة، ولعاب يتطاير ذات اليمين وذات الشمال.
والجمهور مندغم تماما مع حالة الواعظ ويعبر عن تأثره مما يسمع بالصراخ أحيانا وبالوقوف والهتاف أحيانا أخرى.
إذن فمشايخنا ليسوا وحدهم من تتلبسهم حالة الصراخ والهستيريا أثناء إلقائهم مواعظهم، فهناك من الوعاظ في الغرب من تتلبسهم مثل هذه الحالة العصبية وأكثر.
لكن القس جيكز عندما لا يخطب يتحول إلى إنسان وديع ومفكر من طراز خاص ونادر، يتحدث عن الماورائيات والتأمل الباطني والمفهوم الفلسفي للزمن وخطر الحروب والصراعات وينتقد بأدب المتهجمين على الفيلم الذي انتج مؤخرا عن حياة وموت المسيح.
لكن قبل يومين فوجئت به يمارس دور قائد الأوركسترا.
كان يقف أمام كورال ضخم من النساء والرجال وقد امسك بالعصا كما يفعل أي مايسترو موهوب ومحترف.
ثم علمت بأنه يكتب الشعر ويؤلف الترانيم ويكتب النوتة الموسيقية ويعزف على البيانو ويغني ويرسمالقس جيكز ألف مؤخرا كتابا يتحدث فيه عن ضرورة تنظيم الوقت واستغلال اللحظة الراهنة بما يعود على الإنسان بالسعادة والسلام الروحي.
هذا الكتاب احتل ولعدة اشهر رأس قائمة الكتب الأكثر مبيعا في الولايات المتحدة، ووجد فيه مجتمع الأعمال على وجه الخصوص كنزا ثمينا لا يقدر بمال.
تأملت مطولا حال هذا القس المتعدد المواهب والمتنوع الاهتمامات، ونسيت جعيره عندما اكتشفت عمق ثقافته وتوقه الواضح للفنون والموسيقى التي يطوعها لتخدم غايته النهائية في تهذيب الناس روحيا وأخلاقيا وإنسانيا.ومما يشفع له في حالة الجعير والصراخ التي تنتابه أحيانا انه لا يكفر أحدا ولا يتهجم على أديان ومعتقدات الآخرين.
وتساءلت: متى نرى عندنا نموذجا لرجل الدين قريبا من نموذج هذا القس المسالم والمحب للفنون والموسيقى والآداب والمعارف الإنسانية.
إننا نشهد الآن شيوع ما يسمى بنموذج "الواعظ المودرن" في العالم العربي، فهل سيتطور هذا النموذج مع مرور الأيام لنشهد ذات يوم ولادة الواعظ الفنان الذي يكتب الشعر ويلحن الأناشيد الدينية ويقود الفرقة الموسيقية على غرار ما يفعله جيكز وزملاؤه في الغرب، الأمر الذي سيقرب الناس من الدين اكثر بدل تنفيرهم منه وسيشكل قطيعة مع حالة الجفاف والرتابة والإملال التي يتسم بها أسلوب الوعظ الحالي؟!

No comments: