:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, July 02, 2005

صديقي وبنو قريظة

صديقي، المشاكس دائما والمتشكك أبدا، لا يتعب من مفاجأتي في كل حين بأسلته، الساذجة حينا والمستفزة أحيانا.
اليوم أتاني كعادته عابسا مكفهر الوجه زائغ النظرات .
سألته: خيرا؟
قال: أبدا.
قلت: ما الحكاية؟ أخشى أن تكون قد تشاجرت مع نفسك هذه المرة!
قال وهو يعدل من جلسته: هؤلاء الناس التعسون لا يخرجون من مصيبة إلا ويقعون في أخرى، مثل سيزيف وصخرته.
سألته: عمن تتحدث، ومن هو سيزيف هذا؟
قال: فرغتُ للتو من قراءة كتاب يتطرق فيه مؤلفه إلى معاناة اليهود عبر التاريخ. ولم اشعر إلا وأنا أتأمل حال هؤلاء الناس الذين تتربص بهم الأقدار وتتناوشهم الخطوب. من رحلة التيه إلى مذبحة المدينة. ومن كارثة اوشوفيتز إلى محرقة الهولوكوست!
قلت: أراك حشرت المدينة حشرا في كلامك. عن أي مذبحة تتحدث هدانا الله وإياك؟!
قال: وهل تجهل ما حصل لهؤلاء الناس؟ هل تنكر أن تسعمائة إنسان ذبحوا في ليلة واحدة كما تذبح النعاج، لا لذنب سوى انهم يهود؟!
قلت: أولا هذا الرقم مبالغ فيه بعض الشيء. ثانيا: أنت تتحدث عن واقعة حصلت قبل اكثر من ألف عام. وثالثا: أنت تعرف الحرب وظروفها وملابساتها. في الحرب يا صديقي لا قوانين ولا مثاليات ولا مدونات تضبط سلوك المتقاتلين!
قال: لكنهم كانوا أسرى. والأسرى حرام قتلهم في كافة الشرائع. لقد عرضوا على جيش المسلمين الاستسلام مقابل أن يتركوهم ليذهبوا في حالهم، وحتى دون أن يحملوا معهم شيئا من زاد أو متاع.
قلت: لقد نزل الرسول الكريم عند رغبتهم أخيرا. وهم الذين اختاروا زعيم الاوس كي يبت بأمرهم. وسعد بن معاذ، لا الرسول، هو من حكم بقتلهم. فما الذي يزعجك ويكدر خاطرك؟
قال: لكن بعض المصادر الإسلامية تشير صراحة إلى أن الرسول هو من اختار زعيم الاوس كمحكّم، وانه هو نفسه من اشرف على عمليات الذبح. الرجال قطعت رؤوسهم والنساء سيقوا سبايا والممتلكات قسمت على جند المسلمين كغنائم لحرب لم تقع أصلا.
قلت: طيب. وماذا في ذلك؟ هذه هي الحرب. "وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ!
ثم لا تنس أن جبريل زار الرسول قبل ذلك "ممتطيا بغلة عليها قطيفة من ديباج" كما يروي الزهري، واشار عليه بالمسير إلى بني قريظة واتمام المهمة "فإني عامد إليهم فمزلزل الأرض بهم" على نحو ما تذكره كتب السيرة. يعني المسالة كانت وحيا ولم تكن قرارا شخصيا اتخذه الرسول من تلقاء نفسه.
قال: اسمع. اعرف ألا فائدة من مناقشتك في هذه الجزئية. إذ كيف يأمر الله بقتل كل هذا العدد من الأسرى وان تسبى نساؤهم وتستحل أموالهم وممتلكاتهم مع انهم لم يقاتلوا الرسول وان كانوا قد تحالفوا مع قريش ضده؟! ثم كيف تسنى لبني قريظة أن يصمدوا خمسة وعشرين يوما بوجه الحصار وعلى الرغم من وعد جبريل بالزلزلة؟! ولا افهم كيف لانسان أن يتزوج امرأة قتل زوجها للتو واللحظة. حتى الرسول نفسه تزوج ريحانة زوجة أحد قتلى اليهود، وزوّج أصحابه بعض النساء الأخريات، كما يذكر بن اسحاق المؤرخ. فأين اعتبارات الرحمة والإنسانية في ما حدث؟
قلت: تلك هي الحرب يا صاح. غالب ومغلوب. والمنتصر هو الذي يفرض إرادته على المهزوم في النهاية. مثل هذا الأمر كان يحدث دائما. من الاسكندر المقدوني إلى جنكيز خان إلى تيمورلنك. ولا يجب أن ننسى أن الرسول الكريم كان يتصرف أحيانا من موقع رجل السياسة وليس وفق اعتبارات النبوة فحسب.
صمت صديقي للحظات ثم قال: قرأت في بعض المصادر أن امرأة من نساء بني قريظة كان زوجها قد قتل، اعترفت بقتلها مسلما ورفضت العفو عنها مفضلة الموت على السبي.
قلت: امرأة شجاعة ولا شك. لكن ما الشاهد في القصة؟
قال: انتظر، لم اكمل كلامي بعد. عندما سيقت تلك المرأة للقتل تقدمت إلى الحفرة وعلى وجهها ابتسامة غامضة. ويقال بان ذلك المشهد ظل يؤرق نوم السيدة عائشة زوجة الرسول حتى آخر يوم في حياتها.
قلت: يبدو انك متأثر بما كتبه بعض المستشرقين من قصص خيالية عن تلك الحادثة.
قال: يعني أنت لا تثق بروايات المؤرخين الغربيين الذين رووا تفاصيل المذبحة؟
قلت: ليس كلهم طبعا. هناك من سجل الحادثة بشيء من الحياد والموضوعية. مارغوليوث مثلا قال انه لم يكن من الحكمة نفي بني قريظة، أي إخراجهم من المدينة، لان ذلك لم يكن كافيا لاتقاء شرهم، وكان من الخطورة بمكان أن ُيسمح لهم بالبقاء فيها. لذا كان يجب أن يموتوا. وموتهم لا يجب أن يفاجئ أحدا. وإذا كانوا لم ينجحوا في إيذاء الرسول – والكلام ما يزال لمارغوليوث – فانهم كانوا عاقدي النية على إيذائه.
قال: المشكلة أن الجهاديين يستمدون من تلك الحادثة الإلهام والدافع لذبح من يسمونهم بالكفار، فلا يقبلون فدية ولا يقيمون حرمة لاسير أو امرأة أو طفل. انظر إلى ما يحدث في العراق والشيشان هذه الأيام.
قلت: الأصوليون يا عزيزي ليسوا بحاجة أصلا لاستلهام حادثة قديمة كتلك، فعندهم من الحجج والأسانيد الجاهزة ما يكفي ليبرروا به عمليات الذبح التي يرتكبونها. ومع ذلك لا أريد أن أذكرك بما فعله الصليبيون وغيرهم حتى لا تظن أنني أحاول تبرير أعمال القتل من هذا الجانب أو ذاك.
قال: لكنك بكلامك هذا تبرر من حيث لا تدري ما جرى لليهود العزل في سوق المدينة!
قلت: اعتقد أن ما حدث لبني قريظة كان أمرا مروّعا ومؤسفا. بيد أننا يجب أن نفهم ما حدث في سياق الظروف التي كانت سائدة في ذلك الوقت.
قال مقاطعا: الظروف .. الظروف. كلما ارتكبت مذبحة أو حرب إبادة وضعنا الحق على الظروف أو حمّلنا وزرها للشيطان!
قلت: حسنا اترك حكاية الظروف الآن. لكن لا تنس أن الحادثة كانت وما تزال محل جدل كبير حتى بين المؤرخين الغربيين أنفسهم، لدرجة أن مستشرقا بارزا مثل مكسيم رودنسون الفرنسي اليهودي كتب يقول إن قتل الرسول ليهود المدينة كان قرارا حكيما من وجهة النظر السياسية البحتة، لكن الحل الذي اختاره لم يكن افضل الحلول على الإطلاق.
قال: على العموم يحسن بنا اليوم ألا نتذكر ما حدث على سبيل التفاخر أو التأسي والحنين. هذا اقل ما ينبغي أن نفعله عندما نتذكر أحداث الماضي الأليمة.
شغلتُ نفسي لثوان في لملمة وترتيب بعض الأوراق التي أمامي ثم قلت وأنا أهم بالوقوف: لم يكن اليهود أول ولا آخر من عانى. ثم هم اليوم يضطهدون وينكلون بغيرهم وكأنهم لم يتجرعوا مرارة الظلم من قبل ولم يستفيدوا من دروس الماضي.

5 comments:

jalberto said...

You have a nice blog. I like it.
See you at internet.
Regards from Spain, ;-)

nazzal said...

To Prometheus with love !! :)

Prometheus said...

Hi Jaime,
Thanks for your nice words. I visited your beautiful blog last night, but though I do not speak Spanish, my initial impression is that It's really great with so many popular features and add-ons.
Grazias Jaime, and keep up the good work.

Nazzal,
Thanks a lot. It is a great privilege to have you here once again.

Prometheus said...
This comment has been removed by a blog administrator.
ألِف said...

التاريخ تاريخ. و تصرفات الأقدمين كان مبعثها عقلهم في زمانهم و لا ينبغي الحكم عليها سلبا أو إيجابا بشكل مطلق، و لا اتخاذها قانونا.

التعلم من التاريخ في رأيي يعني التأمل في كل التبعات و البدائل الممكنة انطلاقا من لحظة تاريخية معينة بحيث لا نكرر نفس الأخطاء، و لا ننسى الدروس القديمة.