:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, August 11, 2005

الثقافة وبيكاسو .. ورؤوس القطط

قد لا أكون زائرا منتظما لمعارض الكتاب التي ُتقام من حين لآخر، لكنني لاحظتُ خلال تجوالي مؤخرا في أحد هذه المعارض كثرة الكتب التي تبحث في مسائل الجن والسحر والشعوذة والشياطين. أحد هذه الكتب ألفه شيخ يزعم فيه اتّصاله بالعوالم السفلية والجان ويحكي فيه بالتفصيل قصص نجاحاته الكثيرة في طرد الأرواح والعفاريت من أجساد مرضاه.
مثل هذه النوعية من الكتب تلاقي رواجا عند بعض الفئات بل إن مبيعاتها كما سمعت تزداد باطراد!
وتبحث عن كتب لأسماء معروفة في ثقافتنا كالغذامي والحمد والقصيبي وغيرهم فلا تجد لمثل تلك الكتب أثرا، لا في المكتبات ولا في المعارض! لكنك تجد كتبا ومؤلفات من صنف آخر وأيا ما كانت الكمية التي تريدها، مع خصومات مغرية! كتاب عنوانه "الحداثة في ميزان الإسلام!" للشيخ فلان القرني وكتاب "حراسة الفضائل" للشيخ بكر بن زيد، بالإضافة إلى كتب أخرى تقرن الحداثة بالإلحاد والزندقة وتضع كتابا وشعراء كبارا مثل الغذامي وحجازي ودرويش والفيتوري في خانة "أهل العهر والفسق والضلال والمجون" والعياذ بالله!
وقد حكى لي صديق مؤخرا قصة ذات مغزى، فقد توجه إلى أحد معارض الكتاب باحثا عن كتاب يضم مجموعة من القصص القصيرة للكاتب والأديب التركي عزيز نسين.
وعندما سأل أحد مشرفي المعرض ما إذا كان الكتاب متوفرا لديهم رد قائلا: نعم هو موجود، لكننا متأسفون لأننا لا نستطيع بيعه لك! فلما سأل عن السبب أشار المسئول إلى شاب صغير ملتح وذي ثوب قصير يقف بالقرب منهما وأضاف: هذا الشيخ الذي تراه هناك منعنا من بيعه وحذرنا من أننا إن فعلنا فلا يجب أن نلوم إلا أنفسنا، والسبب انه رأى أن غلاف الكتاب يحتوي على صورة غير محتشمة.
يقول الصديق: ألقيتُ نظرة عجلى على الكتاب بداعي الفضول فرأيت على غلافه لوحة لبيكاسو على هيئة امرأة، وأنت تعرف طبيعة رسومات بيكاسو التي هي عبارة عن مكعبات وأشكال غريبة وأحاجي، وما رأيته لا يعدو كونه أشكالا هندسية متداخلة ظهرت في أعلاها دوائر سوداء هي اقرب إلى رؤوس القطط منها إلى أثداء النساء! ولم يكن في اللوحة ما يمكن أن يثير الغرائز أو يخدش الحياء!
وقد حاول الصديق عبثا ابتياع نسخة من ذلك الكتاب لكنه ووجه برفض قاطع من مسئول المعرض فيما كانت عينا "الشيخ" تتلمظان من بعيد استعدادا – ربما - للحظة الهجوم المباغت!
أنا اعرف أن مراقبة المطبوعات هي من مهام وزارة الإعلام في الأساس، ويفترض أنها، دون غيرها، المخولة بالبت في مصير الكتب التي ترى أنها لا تفي بالمعايير المتعلقة ببيع وتداول الكتب. فماذا يبقى من الثقافة إذا اصبح من حق كل شخص أن يفرض مزاجه الشخصي وان يملي على الناس ما يجب أن يقرؤوه وما لا يجب، مع أن كل مؤهلاته عبارة عن لحية صغيرة وثوب قصير؟! وماذا يبقى من الثقافة عندما يكون الأوصياء عليها أناسا محرومين أصلا من نعمة تذوّق الفن والجمال ويتبنون موقفا معاديا من حيث المبدأ لكل قيمة إبداعية أو حضارية ولا ينظرون إلى الشعر والرسم والتصوير والموسيقى والمسرح والتلفزيون إلا باعتبارها رجسا من عمل الشيطان ورديفا للشر والعهر والرذيلة؟!

No comments: