:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, August 22, 2005

أبواق جدّة

يثير الاهتمام أحيانا بعض ما يكتبه المغتربون عن الأوطان التي يعيشون فيها. وقد أصبحت المدوّنات الإلكترونية بمثابة المتنفّس للكثير من هؤلاء، حيث يكتبون فيها انطباعاتهم ويسجّلون خواطرهم عن أحوال وثقافات البلدان التي تستضيفهم.
وقد اطلعت مؤخرا على ما كتبه مواطن أمريكي عن انطباعاته عن الحياة في الصين والتي سجّلها في مدوّنته الشخصية بطريقة لا تخلو من الإثارة وأحيانا الطرافة.
أهميّة هذا النوع من الكتابات هي أنها تسلّط الضوء على بعض جوانب الحياة الخفيّة والتي قد لا يتبيّنها أهل البلاد الأصليون بحكم التعوّد والتكرار.
صديقي، Noel ، باشر هو الآخر كتابة بعض الخواطر الشخصية من وحي إقامته في مدينة جدّة الساحلية والتي امتدّت قرابة السنتين.
وفي ما يلي ترجمة لمقتطفات من موضوع كتبه مؤخّرا في مدوّنته تحت عنوان أبواق جدة. والعنوان مستوحى، على ما يبدو، من قصّة أبواق أريحا (Trumpets of Jericho) المذكورة في الأدبيات الإنجيلية القديمة.

أنا إنسان متسامح بطبيعتي، احترم الآخرين واعتزّ بكوني تربّيت في نيويورك التي علّمتني أن اقدّر التنوّع وأن أرى الجمال في جميع الناس وفي كافّة الأديان.
لكن اكبر اختبار للقيم التي أؤمن بها كان هنا في مدينة جدّة وتمثّل في احترامي لتقاليد الصلاة.
المسلمون يؤدّون الصلاة خمس مرّات في اليوم. وتتضمّن الطقوس نداء الصلاة الذي يرفعه المؤذّن والوضوء وسجّاد الصلاة ثم الاتجاه نحو مكّة. وكلّ صلاة تستغرق حوالي عشرين دقيقة.
ولد الإسلام وترعرع في الصحراء. والحقيقة أن المرء يمكنه أن يتخيّل جمال صوت الإنسان في الصحراء الواسعة وهو ينادي أبناء عشيرته للتوقّف لبعض الوقت كلّ يوم للثناء على الخالق. وطبعا بإمكان الجمال والماشية أن تنتظر بضع دقائق ريثما يتمّ إطعامها والعناية بها. في الصحراء كانت هناك بضعة مساجد ومنارات ولا أحد كان بوسعه أن يتدخّل بين الخالق وعبده. لكن جدّة مدينة حضرية كبيرة ومتعدّدة الثقافات.
في جدّة، ودون كثير مبالغة، هناك مسجد لكلّ خمسين شخصا. وهذا يعني أن المدينة متشبّعة بكثرة المساجد وهناك المزيد منها يُبنى حاليا. ويعلو كلّ مسجد منارة وميكروفون واحد على الأقل. فقد مضت الأيام الجميلة التي كان فيها صوت المؤذّن الطبيعي يدوي في الصحراء الشاسعة. واستُبدل كلّ ذلك بالأصوات الإليكترونية الصاخبة التي يتردّد صداها في مباني الخرسانة والاسفلت.
افترضوا أن عدد سكّان المدينة هو حوالي مليون ونصف المليون إنسان ثم اقسموا العدد على خمسين لتحصلوا على عدد مكبّرات الصوت التي تجأر بصخبها خمس مرّات في اليوم. هذا الهجوم الصوتي الكاسح يستمرّ دقيقتين أو ثلاثا قبل أن يخفّ ويتلاشى.وقد لاحظت خلال إقامتي الحالية أن الصلاة جميعها وليس الأذان فقط أصبحت تؤدى بالميكروفون وهو أمر لم يكن قائما أثناء زيارتي الأولى.
ولحسن حظي أنني أعيش في سكن عُزلت جدرانه عن التأثيرات الصوتية في الخارج. ولأنني أغلق الأبواب والنوافذ غالبا، فقد تخلّصت إلى حدّ كبير من الضوضاء والصخب.
خلال وقت الصلاة تقفل المحلات التجارية والبنوك والشركات والمطاعم أبوابها. وإذا حلّ وقت الصلاة وأنت ما تزال داخل أحد تلك المحلات فإن موظفيها يقومون بطردك إلى الخارج وإقفال المحل. وكلّ ما تستطيع فعله هو أن تتسكّع في الخارج لعشرين دقيقة إلى أن ينتهي وقت الصلاة. وبعض محلات السوبرماركت تغلق أبوابها فتمنع زبائنها من الدخول أو الخروج من المحلّ ريثما يفرغ الناس من أداء عبادتهم.
لكن حدث تطوّر ملحوظ مؤخّرا. فالزبائن غير المحظوظين الذين يظلّون داخل المحل وقت الصلاة أصبحوا يجدون أنفسهم ضحيّة لهدير يشبه، بلا مبالغة، هدير محرّك الطائرة بفضل المايكروفونات المركّبة في طول وعرض السقف ويصبح متعذّرا عليهم الهرب أو النجاة من تلك الأصوات المرعبة.
وبالنسبة اليّ، ثمّة شئ خطأ في كلّ ما يحدث. فقد سمعت مرارا الصوت الطبيعي لمؤذّن مدرّب جيّدا واكتشفت أن ذلك الصوت هو شكل من أشكال الفنّ بفضل جمال إلقائه. أقول هذا طبعا مع تنحية موضوع الدين بمعناه الواسع جانبا.
على أنني لا أستطيع أن اقرّر ما إذا كان الجمال هو الذي يوحي بالخشوع أو العكس. مع أنني اشعر أن الاثنين متلازمان على نحو يصعب فصله.
لقد أضافت الحضارة المعاصرة إلى الإسلام بعض عناصر التعقيد والأمور السلبية. فهو دين البساطة دون أدنى شك. وكما أن القرآن لا يمكن أن يترجم بإحكام إلى غير لغته التي جاء بها، فإن الإسلام لا يمكن فهمه إلا في نفس سياق الايقاعات الخاصّة بحياة سكّان القبائل البدوية في الصحراء.
إن الميكروفونات يمكن اعتبارها عرضا مرضيا لخوف ما وشعور بعدم الأمان ربّما جلبته مظاهر الحضارة والحداثة والإنبتات عن الجذور. ومثل الطفل الذي يصمّ أذنيه ويصرخ، قد تكون هذه الميكروفونات محاولة غير واعية لكبت الصخب الخارجي الذي يعتبر غير مرغوب فيه وبنفس الوقت الإبقاء على مشاعر المؤمنين مركّزة فقط على الأمور المرغوب فيها.
ومكبّرات الصوت هي، بمعنى ما، محاولة لصهر الدين بالمؤثّرات الحضرية وبسياقات العولمة والسياسات المتصلة بها والتي قد ترمز إلى الأزمة التي يواجهها الإسلام الحضري اليوم.
ومن يدري، قد تكون هناك علاقة مباشرة بين ما ترمز إليه الميكروفونات المزعجة وبين ما يحدث هذه الأيام في العراق المجاور. ففي أذهان معظم الأصوليين المسلمين، ترمز أمريكا وشركاؤها في التحالف للإلحاد والطمع وانعدام الأخلاق والقوة الغاشمة.
إنهم ، أي الأصوليين، يريدون تخليص الأرض من ذلك الدنس حتى لو تطلب الأمر "مستوى عاليا جدّا من أصوات العنف".
أما أمريكا فتقول إنها ماضية في نشر الديمقراطية وحكم القانون الضروريين للمواطنين العراقيين.
على أنني اعتقد أن أمد الصراع في العراق سيستغرق زمنا طويلا بحكم تناقض المصالح واختلاف الثقافات.
لكن الحقيقة هي أن الديمقراطية والإسلام التقليدي نقيضان لا يمكن جمعهما، لعدّة أسباب يطول شرحها..
إن الديمقراطية هي النقيض التامّ للإسلام، وقد بدأت أدرك أسباب هذا التوتّر بين العالم الإسلامي والغرب. ففي الديمقراطية يتمّ التركيز على الفرد الذي يُمنح قدرا من الحرّيات والحقوق والمميّزات و المسئوليات. وفي الديمقراطية فإن القانون هو الذي يُفرض على الناس كي يحمي حقوق وحرّيات الأفراد.
في الديمقراطية الأمريكية مثلا، الفرد هو الرقم الأهم، أما الله فيحتلّ مرتبة ثانوية. بمعنى أن الفرد هو الذي يختار المدى الذي يمكن اللجوء فيه إلى الله ليتدخّل في شئونه الدنيوية. أما في الإسلام فلا إله سوى الله ومحمد رسول الله. ومن ثمّ فحرّية المسلم لا تنبثق من سلطة قانون واضح ومحدّد وإنما من رضاه بالخضوع الكامل والتام لسلطة الله التي يختلف المسلمون في تفسيرها وتحديد نطاقها.
تلك هي بداية ونهاية القصة.
لكن مع رياح العولمة والإنترنت والانفجار المعلوماتي لا يبدو أن الإسلام التقليدي سيصمد طويلا. فهناك الآن مفاهيم الجندر والحرّية والكرامة الإنسانية والمساءلة. وكلّها أمور مطروحة للنقاش العام في العالم الإسلامي. مع أن من يناقشونها كثيرا ما يُقمعون بوحشية.
وفي هذه الأثناء تستمرّ الميكروفونات في صخبها لتردع "شرور الكفّار". لكن في نفس الوقت يستمرّ "الكفّار" الذين تقودهم أمريكا في ارتكاب الخطأ تلو الآخر، وهو أمر يعود بالفائدة ولا شك على من نصّبوا أنفسهم حرّاسا على الإسلام.
اكتب هذا الكلام وأنا على مقربة من الفوضى الحاصلة في العراق الآن. وأخشى أننا مقبلون هناك على المزيد من الكوارث. فالتحالف لا يمكن أن ينسحب من العراق الآن دون أن يترك وراءه عراقا يتّجه بسرعة نحو حافّة الحرب الأهلية. ومثل هذه الحرب إن وقعت ستجرّ في إثرها بلدانا أخرى في المنطقة مع ما يمكن أن يتبع ذلك من فوضى واضطراب.

4 comments:

Anonymous said...

Although it is a little bit of a stretch to link a side of Microphones in prayers and what is going on in Iraq, it is very interesting topic.
I really think that (we), and government or society should re-evaluate the use of new technology to prove our good faith in muslim cities.
My house is surrounded by three mosques right now, and during prayer times, you can barely listen to what the imam is reading in one mosque from the other. It is just plain noise from overlapping high volume sounds and voices.
Why can't they take turn in prayers (by days or time periods)or even tune down the prayer microphone to internal surroundings. I used to enjoy listening to quran during Ramadan from the near by mosque just from home, but not any more!!For God's sake, we have children, and sick people, that (sometimes) get annoyed by high sounds.
Just a point of view: An important value in Islam is the considerations for others,ya Allah.
Thanks, Ghadah

Prometheus said...

Thanks Ghadah.
I remember, almost 10 years ago, a university professor wrote an article about the same issue: prayers and microphones.
He suggested then that one prayer’s call be made for each neighborhood using microphone, no matter how many mosques may be there. And for the rest of prayer, no need for microphones and the Imam can recite Quran using no microphone, or at least microphones should be tuned down in away that would enable only those inside the mosque to hear.
Needless to say the man’s proposal was met with anger and denunciation.
I was in Malaysia 7 months ago, and to my surprise and those who were with me at the time, we never heard even one single call for prayer during our 20-day stay. Of course there are many mosques and many other houses of worship there, but no microphones were used. We were told that worshippers actually know when prayer time would start and therefore no need to use microphones, which would only disturb people and cause their discomfort for no logical reason or justification.
Thanks.

Arabian Princess said...

its simmiler in Oman .. we do hear the athan on the microphone but I think beside friday prayers they arent bordcasted through microphone.

I disagree though with him suggesting that with technology Islam wouldnt last, I am sure technology didnt come in one day and it started a process of eveloution .. and Islam would continue to go ahead with its principles at the same time getting the benefit technology offers.

Prometheus said...

I can’t disagree with what you said, though I think the situation in Oman is better and much more relaxed and flexible when it comes to the microphone thing.
Thanks Princess for your good remarks.