:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, December 18, 2005

تأمّلات وجودية

إن كان لا يحظـى برزقك عاقـل
وتـرزق مجنونـا وترزق أحمقـا

فلا ذنب يا ربّ السماء على امرئ
رأى منـك ما لا يشتهـي فتزندقا!
- أبو العلاء المعرّي

ترى ما الذي يدفع زيدا أو عمرا من الناس إلى اعتناق أفكار تنحو باتجاه التشكيك بالأديان وحتى نفي وجود خالق للكون؟
العامل الأول الذي يطرأ على البال تلقائيا هو عامل الشكّ بحدّ ذاته!
قد يشكّك إنسان ما في وجود خالق للكون، ليس كبرا ولا بحثا عن تميّز ولا حبّا في مخالفة السائد والمألوف، وليس طمعا في المتع والملذات كما يزعم البعض، وانما ببساطة لانه غير متأكّد من وجود الخالق أو عدم وجوده!
أي أن قناعته تتأرجح ما بين الشكّ واليقين.
ولعلّ هذا يشكّل مدخلا صغيرا للحديث عن فكرة الإله ذاتها.
الإله، كفكرة، موجودة منذ القدم، وهي جزء لا يتجزّأ من مسيرة التطوّر البشري نحو معرفة كنه الحياة وأصل الإنسان ونشأة الكون.
في المسيحية هناك التثليث الذي يقول بوجود ثلاثة أرباب، وعند الهندوس هناك اكثر من 330 مليون اله! وفي العهد القديم هناك إشارات كثيرة إلى يهوه الغاضب! ثم هناك آلهة الإغريق والرومان التي لا تعدّ ولا تحصى!
أما نحن – المسلمين – فنؤمن بوجود اله واحد "ليس كمثله شئ وهو العزيز الخبير" كما وصف نفسه في القرآن الكريم.
لكن من وجهة النظر الفلسفية والفيزيائية، ثمّة نظريات كثيرة ومتباينة عن الله والكون.
الفيلسوف والفيزيائي البريطاني ستيفن هوكنغ الذي يعتبر اليوم اشهر فيزيائيي العالم وثالث اعظم العلماء في مجال الطبيعة بعد نيوتن واينشتاين له كتاب مشهور عنوانه تاريخ موجز للزمن (A Brief History of Time).
في هذا الكتاب يحاول هوكنغ الإجابة على بعض الأسئلة المصيرية التي يسألها الناس اليوم: من أين أتى الكون، وكيف بدأ، وهل ستكون له نهاية؟!
ويتصدّى هوكنغ في الكتاب لعدد من القضايا الهامة مثل الجاذبية والثقوب السوداء والمادّة المظلمة والانفجار الكبير وطبيعة الزمن وسعي العلماء للبحث عن نظرية واحدة ومتماسكة عن هذا الكون.
لكن اللافت أن هوكنج لم يتطرّق في كتابه لسؤال الأسئلة، أي مسألة وجود خالق من عدمه، وعمد إلى ترك الإجابة عنه مفتوحة!
والحقيقة أن هذا الكون عبارة عن متاهة كبرى من الأسرار والظواهر الغامضة. إذ يحتار المرء كيف يمكن للذرّة أن تنطوي على تلك القوى الهائلة والكفيلة بتحويل المادة البالغة الضآلة إلى طاقة بحجم القنبلة التي قتلت مائة ألف إنسان من سكّان هيروشيما وناغازاكي!
وكيف يمكن للشيفرة الوراثية أن تخلق جميع الكائنات الحيّة من البكتيريا إلى الشجر والحيوان إلى هتلر وبيتهوفن وجنكيز خان وأديسون ونيرون وغاليليو!
وكيف يمكن للإلكترونات، التي تسكن جسد كل إنسان، أن تتشظى إلى حزم عنيفة من البرق عندما يتم فصلها عن بعضها البعض!
مارتن هيديغر الفيلسوف الألماني قال ذات مرّة: كلّ ما نعرفه هو أننا نوجد لبعض الوقت على هذا الكوكب ثم يكتب علينا الفناء دون أن نعرف سببا لوجودنا أو موتنا!
وايليا أبي ماضي الشاعر العربي كانت تؤرّقه هذه المسألة الوجودية وهو قال مثل كلام هيديغر في إحدى قصائده.
ونفس الفكرة تناولها فلاسفة آخرون مثل ديكارت الذي قال: أنا أفكر إذن أنا موجود I think, therefore I am ، وفولتير و ريتشارد دوكنز و بيرتراند راسل و ديفيد هيوم وغيرهم ممن ناقشوا مسألة وجود اله من عدمه ووصلت بهم استنتاجاتهم إما إلى الإيمان أو إلى الإلحاد الخالص atheism أو إلى الغنوصيّة agnosticism التي تضع معتنقها في منطقة وسطى بين الشكّ واليقين.
لكن الحقيقة هي أن هذا الكون بكلّ ما يحتويه من أسرار ونظم دقيقة وقوى غامضة ومجهولة لا يمكن أن يكون قد وجد بمحض الصدفة، بل لا بدّ من قوّة عظيمة وخارقة هي التي أوجدته وهي القادرة وحدها على تسييره وضبط إيقاعه.
ولا أحد يعلم كيف كانت هذه الحياة لتبدو لو أننا لا نؤمن بوجود الخالق وما يستتبع ذلك من إيمان بكتبه ورسله وإقرار بوجود الجنة والنار والحساب والعقاب والبعث والنشور الخ..
هناك من يقول إن الحياة كانت ستبدو كالغابة بلا قانون يسيّرها ولا أخلاق تنظم علاقات البشر وترشّد سلوكياتهم وتحضّهم على الفضيلة والمحبّة والتعايش مع بعضهم البعض بسلام..
لكن على الطرف الآخر ثمّة من يجادل بأن فكرة الضمير والأخلاق سابقة على وجود فكرة الدين نفسها مع ما يستلزمه "أي الدين" من إيمان بوجود قوّة غيبية فوق-طبيعية هي التي أوجدت هذا الكون الهائل وتسيّره وفق آليات وقوانين معينة.
والحقيقة أن العلاقة بين الدين والأخلاق كانت وما تزال موضوعا للكثير من الأخذ والرّد بين المفكّرين والفلاسفة. فبعضهم يؤكّد وجود هذه العلاقة والبعض الآخر ينفي وجود علاقة جدلية بين العنصرين، زاعمين أن المنظومة الأخلاقية المستندة إلى الدين تمنع الإنسان من تشكيل قيم أخلاقية ذاتية وحقيقية بعيدا عن ثنائية العقاب والثواب وتحرمه من القدرة على التكيّف مع المسائل التي تفرض تحدّيات أخلاقية جديدة وغير مألوفة. فبالنسبة للمؤمن، السرقة لا تجوز لانها خطيئة، ولحم الخنزير لا يجوز لانه خطيئة، وشرب الخمر لا يجوز لانه خطيئة، وهكذا. المطلوب هو الطاعة المطلقة وليس من حق الإنسان المؤمن أن يسأل عن السبب أو المبرّر العقلي في كون هذا الأمر أو ذاك خطأ أو صوابا.
وأيا ما كان الأمر، فالحقيقة التي لا بدّ من الاعتراف بها هي أن الأديان في الأصل تكرّس الجانب الخيّر عند الإنسان، والإيمان بالله يقوّي شعور الإنسان بالفضيلة وحسن معاملة الآخر والإحسان للغير، شريطة أن يكون الإيمان مقترنا ولو بالحد الأدنى من الإنسانية ونبذ الأنانية وإدراك حكمة الله التي اقتضت أن يخلق البشر في حال من التمايز والاختلاف في الأديان والصفات والمعتقدات.
الأديان جاءت في الأساس لتهذيب الإنسان وكبح نزعاته الشرّيرة، لكننا نعرف أن الدين تسبّب في قتل الملايين من البشر في حروب طائفية مدمّرة لم تشهد لها البشرية مثيلا حتى في أوج وثنيتها وبدائيتها، بعد أن سخّره أصحاب المصالح والأطماع ليصبح أداة للتسلط والعدوان والقتل والكراهية.
ملاحظة: هذا الموضوع سبق لي أن كتبته في منتدى ُطوى. وقد خطر بذهني أن أعيد نشره هنا مع بعض التعديل الذي يناسب السياق، وذلك بعد أن قرأت مؤخّرا في بعض منتديات النقاش العربية مواضيع يتناول فيها كتابها أفكارا وجودية من قبيل وجود الخالق من عدمه وارتباط ذلك بنشأة الحياة والكون. وما لفت انتباهي في تلك النقاشات هو صراحتها الكبيرة وجرأة بعض المعقبين في الجهر بآراء قد تفاجئ القارئ، أولا كونها – ربما - تعبيرا عن تنامي الأفكار اللادينية في بعض المجتمعات العربية، وثانيا لان تلك الآراء صادرة في الغالب عن شباب نشئوا في بيئات محافظة دينيا واجتماعيا بشكل عام.
ترى هل ما يدفع هؤلاء هو الشك، أم انهم يبحثون عن تميّز ما أم أن ما يكتبونه مجرّد رغبة في مخالفة المستقرّ والمألوف؟
وهل يمكن أن تكون هذه النزعة تعبيرا عن ضيق هؤلاء وتبرّمهم من طبيعة الدين السائد وإيغال رجال الدين والوعّاظ في التضييق على الناس والتعدّي على خصوصيّاتهم وكبت حريّاتهم وتكريس الاستبداد والطغيان والتخلف في المجتمعات العربية باسم الدين؟!

14 comments:

x~nezitiC said...

Very nice one. and Amazingly, I read it all!. About Stephen Hawking, He is an atheist that's why he didn't really go through The Question of Who created the universe. Your Arabic writing is 100Times better than mine which is actually bad :).

Salam--[x]

Raed said...

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته,

أما وصف ربنا في القرآن فإنه جاء متفرقاً على النحو الذي ذكرت فهو امتدح نفسه جل وعلى فقال مبينا:"ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"

أما عن التشكيك في وجود الله, فالعلم حين بدأ في دول أوربا كان الدافع له والمحرك : التفكر في خلق الله و عظمته. حتى نسى القوم, فأصبحوا يشككون في وجوده وهاهو العلم مرةً أخرى يصرح بوجود: المصمم الأعظم. لمك أن تقرأ كتاب Evolution Deceit للكاتب Haroun Yahya واعتقد أنه ترجم للعربية. كما أن تطور علم الجينات يثبت أن نظرية النشوء والإرتقاء غدت فلسفة عثا فيها الزمان.

أما بالنسبة للفلسفة فهل أبقى حجة الإسلام للمشككين منطقا حتى هدمه؟

تحيتي.

x~nezitiC said...

I think the reason Europe Scientists or The Scientific Revolution went to the extreme level of questioning existance that led to Atheist was the Church Era. People started to oppose Church and its abusive believes on people.

Salam--[x]

Prometheus said...

Dear x~nezitiC
Thanks for the excellent feedback. In fact this is the first time I know that Stephen Hawking is atheist.
I agree with what you said when you talked about the tyrannical nature of the Church in the medieval ages which led to the people becoming so skeptical about the clergy and the role of religion in general.
This in turn led to the emergence of the Renaissance and the European movement of Enlightenment and its leading figures such as Voltaire, Montesquieu and Jean Jacques Rousseau.


عزيزي رائد
شكرا جزيلا لك واتمنى أن اقرأ قريبا هذا الكتاب الذي تفضلت بالإشارة إليه. يبدو انه كتاب مهم بالفعل

تحياتي.

Abu-Joori said...

موضوع جميل .. جداً

بالنسبة لماذا نقرأ اليوم في المنتديات العربية و خصوصاً السعودية الكثير من الشباب المتشكك بأمور يعتبرها البعض شيئاً لا يمكن حتى التفكير فيه و ليس فقط مناقشته.. أعتقد أن محاولة الظهور و التميز قد تكون السبب .. لكن لا أعتقد أن ذلك الغالب .. بل قد يكون السبب في أحيان كثيرة أن هؤلاء الشباب يفكرون .. و لايجدون إجابات وافية .. و التفكير حق منحه الله لنا .. لكن أن نكون منطقيين أعتقد أنه خيار شخصي ..

كثر من هؤلاء الشباب مسلمون بالإسم .. لم يستعبوا هذا الدين ... لم يفكروا فيه و لم يساعدهم أحد من قبل على التفكير أو على مواجهة أفكار أساسية قد تمر على خاطر أي شخص .. كما أن عدم الإعتراف بالحرية كمفهوم إنساني لدينا خلق ضعف شديد لدينا حينما نواجه أفكار أو أشياء جديدة .. فنجد البعض منبهراً .. و نجد الأخر منعزلاً رافضاً!

أسف على الإطالة .. لكن في حالة أعرفها شخصياً.. كان هناك شخص والده من النوع المتشدد الذي يأخذه لقيام الليل في الصحراء وهو في سن صغيرة .. مع مرور الوقت و خروج هذا الشاب للعالم .. من خلال الجامعة تحول إلي شخص رافض للدين بصورة رهيبة .. بل و مؤسفة

Prometheus said...

أهلا بك عزيزي أبو جوري
توقفت عن حديثك عن الحرية وحق التفكير ووجدت أن ما ذكرته يضيف بعدا مهما للموضوع. وأنا متفق معك تماما في ما ذكرته خاصة قولك أن المنطق يحتم علينا أن نحفظ لكل إنسان حريته في الاقتناع بما يشاء. الحرية قيمة إنسانية عليا وللأسف أنها بعيدة جدا عن واقعنا الذي تهيمن عليه عقلية الوصاية والإقصاء.
القصة التي أوردتها في نهاية ردك الممتاز ذات مغزى وقد سمعت مثلها الكثير. وهي تدل على أن الكبت والإملاء وتغييب إرادة الفرد وعقله يمكن أن يتولد عنها مواقف عكسية تدفع الإنسان للتمرد ومن ثم انتهاج اكثر المواقف غلوا وتطرفا.
مودتي لك.

Abu-Joori said...

نسيت نقطة مهمة ..
أنت كنت من أعضاء منتدى طوى المقبور .. أو ممكن أقول المقتول ؟
من كنت ؟

أنا أيضاً كنت هناك

تحياتي لك

Prometheus said...

نعم وكنت اكتب باسم سارق النار، وهو نفس معرفي في اكثر من منتدى آخرها دار الندوة
سقى الله أيام طوى . كان صرحا كبيرا للحرية وميدانا رحبا للنقاش الذي لا تحده حدود
وطبعا ليس بالضرورة أن أكون متفقا مع كل ما كان يكتب هناك ولكن هذه هي طبيعة الحوار
تحياتي

Abu-Joori said...

نعم .. سارق النار ... عرفتك :)
مميز ماشاء الله عليك .. هنا و هناك

كنت هناك أيضاً ..
فعلاً طوى كان منتدى مميز جداً ..
لاأدري .. ربما يأتي يوم و نقرأ هنا أو في مكان أخر عن القصة الكاملة لطوى من البداية إلى النهاية

Prometheus said...

أهلا بك عزيزي أبو جوري
اتفق معك بما كتبته عن تفوّق طوى وتميزه. طوى كان منتدى مختلفا فعلا وما يزال الكثيرون يذكرونه بالخير ويحنّون إلى ايامه ويتأملون عودته لان مساحة الحرية التي كان يوفرها لم يكن لها مثيل ولم يفلح أي من المنتديات التي تزعم أنها الوريث الشرعي له ان يحل محله أو يملأ الفراغ الذي نتج عن غيابه.
أما قصة إغلاق طوى فقد كتب فيها وعنها الكثير، واعتقد أن السبب في اختفائه هو انه تعدى بعض الخطوط الحمراء كما أشيع في ذلك الوقت.
أسعدني كثيرا انك كنت تكتب أيضا في طوى ونسيت ان تشير الى اسمك أو معرفك هناك
طبعا إذا ما فيه إحراج
مودتي لك

Abu-Joori said...

بصراحة لم أنس أن أذكر معرفي في طوى ... لأنني أعتقد أنك لن تتذكره

كنت أكتب تخت إسم.. mralonesa
و في دار الندوة إسمي هو أحمد عمر .. مع إنني تقريباً لا أكتب هناك

Prometheus said...

اهلا ابو جوري
بالعكس، انا أتذكر
mralonesa
تماما وأنت بلا مجاملة كنت أحد الكتاب المتميزين في طوى. أتذكر مواضيعك ومداخلاتك الرائعة ولا انساها.
لكني للأسف لا أتذكر معرفك في دار الندوة، ربما يعود السبب الى كثرة الأعضاء هناك، وقد قرأت اليوم وامس ما يفيد بإغلاق دار الندوة نهائيا وهو خبر محزن لو صح ويدعو للاسف

مودتي لك

Anonymous said...

What a great site business business card cardinfo cd cd rom rom Paintballing in rushden Zoloft hammer driver Adipex cod shipping http://www.penisenlargement4.info/black-erect-penis.html Teens wet pants Wooden corner bookcase lipitor cheap Psychiatric times provigil cheap adipex Does oxycontin come in 65050 mg.

Haitham Al-Sheeshany said...

"...دون أن نعرف سببا لوجودنا أو موتنا"

الشك و/أو التشكيك هو ما يبقينا بشرًا. هذا ما أظنه.

ليس ذلك سهلًا ولا يتأتى بشكل سلس ولا من غير صعوبات جمّة ولكن هو مكون من سر وجودنا على هذا الكوكب

هذا ما أعتقده

ربما تقييم سر الحياة - الممات بمقاييس دنيوية هو ما يجعلنا غير مقتنعين بالكلية، وعلى الدوام، بوجود إله. الربوبية في مضمونها تشي بالتسليم وهذا صعب. التسليم المطلق صعب

هو محك وهو اختبار
ومكمن صعوبته هو معاملتنا له بمقياس دنيوي ، بمعيار نعرف ان نشكّله ونقيسه ونتعامل معه

شكرًا على التدوينة الممتازة

سعيد بكونها أول تدوينة أقرؤها في سعيي لقراءة ما فاتني من مدونتك