:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, February 16, 2006

حوار عن عاشوراء

منذ أيّام كنت جالسا أتابع قناة الأنوار الفضائية وهي تعرض برامج خاصّة عن يوم عاشوراء.
كانت هناك مسيرات ضخمة وحزينة، ومقابلات مع رجال دين كثر تحدّثوا فيها عن ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام ودلالات تلك الحادثة المفصلية في تاريخ الإسلام.
وفي المساء، عرضت القناة برنامجا ظهر فيه أشخاص يجهشون بالبكاء وتمتلئ أعينهم بالدموع وهم يستمعون إلى شخص كان يقف أمامهم منشدا أشعارا حزينة تحكي تفاصيل تلك الحادثة المأساوية.
في اليوم التالي أتاني زميل اعزّه واحترمه كثيرا، ودار بيننا حوار مقتضب بعد أن روى لي ما شاهده هو على بعض القنوات الفضائية التي غطّت المناسبة..
قال: كيف تفسّر هذا الحزن العميق وغير المنطقي على شخص مات منذ اكثر من ألف عام. ألا يبدو الأمر غريبا؟
قلت: الحزن شعور فطري كما تعرف، ومن حيث المبدأ، ليس من عادتي أن انتقص من أحد، خاصة إذا تعلق الأمر بقناعات الآخرين الدينية أو العقائدية. وأنت ماذا ترى؟
قال: أنا اعتقد أن مثل هذه الطقوس هي دليل آخر على تصادم الدين والعقل. الدين يجذب الناس إلى الماضي السحيق ويلهيهم عن التفكير في مشاكل الحاضر والمستقبل. ولا تنس أن التأكيد على مثل هذه الشعائر العاطفية واطالة أمدها وترسيخها في وجدان الناس يخدم أغراضا سياسية في نهاية الأمر.
قلت: كلامك ربما ينطبق على كافة الأديان بلا استثناء. الدين جرى ويجري استغلاله دائما من قبل فئات معينة من اجل تكريس السلطة وتعزيز النفوذ. وبالمناسبة، ما نراه في عاشوراء شهدت مثله المسيحية واليهودية في فترات متفرّقة من تاريخهما.
قال: بصراحة أتعجّب كيف يؤذي الإنسان نفسه بهذا الشكل البعيد عن كل عقل ومنطق. وقد رأيت صورا لاطفال صغار خضّبت رؤوسهم بالدم وبشكل مقزّز.
قلت: إيذاء الإنسان لنفسه هو الأساس الذي ترتكز عليه فكرة التطهير بمعناها الروحي والفلسفي. فالإنسان بإيذائه لجسده إنما يطهّرها مما يتصوّر انه خطيئة. وهو يريد أن يتألم كما تألم الشخص الرمز – المخلّص الذي يهدي إليه ألمه في نهاية الأمر. وبعض اتباع الفرق المسيحية كانوا يجرحون أنفسهم اقتفاء لاثر المسيح المخلّص الذي حمل صليبه وتحمّل الألم في سبيل خلاص اتباعه.
قال: لكنني عاجز حتى الآن في أن اقتنع بأن مثل هذا النوع من الألم، أو التطهير كما أسميته، يمكن أن يفيد الحسين أو المسيح أو غيرهما.
قلت: الناس في الغالب أسرى لنظم وقيم دينية وفكرية وأخلاقية شديدة التعقيد، ومحاولة الانفكاك من اسر تلك النظم مسألة شديدة الصعوبة كما أنها محفوفة بالمخاطر أحيانا، خاصة إن كانت قد ترسّخت وتعمّقت في وجدان الناس على مرّ قرون طويلة.
قال: لكن ما يحيّرني حقيقة هو أن الأجيال الجديدة من الشيعة تتبع خطى الأجيال القديمة ولا تتبنّى موقفا عقلانيا حيال ما يحدث من ممارسات غريبة تسئ للمذهب ولاتباعه.
قلت: الغالبية من علماء الشيعة لا يحبّذون التطبير أو إيذاء الجسد. وقد قرأت فتاوى لبعض المراجع الشيعية يحرّمون فيها إيذاء الإنسان لنفسه، ويقترحون بدلا من ذلك أن يتبرّع الإنسان بجزء من دمه لمريض أو محتاج لان ذلك افضل وأولى.
قال: لكنّ ما نشاهده في الفضائيات دليل على انه لا أحد يستمع لتلك الفتاوى.
قلت: السبب يعود – ربما جزئيا – إلى حقيقة أن ذلك النوع من الشعائر اصبح مع مرور الزمن ولظروف موضوعية جزءا لا يتجزّأ من الخصوصية أو الهوية المذهبية. وتعرف أن التأكيد على الهويات "تحت الوطنية" مردّه غالبا ضعف الإحساس بالانتماء الوطني كهويّة نهائية. وانعدام المساواة أو الشعور بالغبن أو الإقصاء أو التهميش في الوطن يدفع الجماعات أو الفئات المهمّشة إلى اللوذ بهويّة فئوية اصغر: طائفية أو مذهبية أو قبلية إلى آخره. ومثل هذا السلوك أراه أمرا طبيعيا لانه يحفظ لتلك الفئات كينونتها ويشعر أفرادها بشيء من التماسك والأمان والقدرة على الاستمرار والبقاء. وبالنتيجة، فإن ما يجري في عاشورء إنما هو مظهر من مظاهر التمسّك بالهوية خوفا عليها من التلاشي أو الذوبان.
قال: المنتديات السلفية لا حديث لها هذه الأيام سوى عن عاشوراء وما تفعله جماهير الشيعة في ذلك اليوم من أعمال خرافية ومنافية للعقل.
قلت: في كل مذهب نصيبه من الخرافات والأمور البعيدة عن العقل. لكن يجب أن ننأى بأنفسنا عن مثل هذه التراشقات المضحكة. وأرى أننا إذا لم نكن نؤمن بما يؤمن به الآخرون، فلا يجب أن نجعل كل همّنا أن ننال منهم ونحقّر معتقداتهم أو نحوّل شكوكنا وهواجسنا إلى نوع من التهجّم المستمر وغير المبرّر عليهم.
وبالمناسبة، السلفيون التكفيريون هم آخر من يتحدّث عن العقل والمنطق، فهم ينتحرون في العراق بالعشرات هذه الأيام ويحصدون أرواح المئات من الأبرياء هناك بذريعة الجهاد، وليس من مقارنة بين ما يرتكبونه من جرائم خسيسة وما يفعله بعض الشيعة من ممارسات قد لا نستسيغها أو نحبّذها لكن لا يترتّب عليها في النهاية أي إضرار بالآخرين كما أرى.

6 comments:

Aladdin said...

قرأت بعضا مما كتب عن الجدل الدائر بين "المجددين" و"المحافظين" من الشيعة حول احتفال عاشوراء.

يمكن النظر إلى الموضوع من خلال منظور آخر وهو أن شيعة العراق - تحديدا - قد تعرضوا لتهميش من قبل السلطات العراقية "البعثية" (ولا أقول "السنية") وكانوا يسمون "فُرْس العراق"!! لذلك تذكر الاحتفال بعاشوراء بعد الاحتلال الأمريكي للعراق مارس 2003 كان احتفالا كبيرا كانت الرسالة واضحة من ورائه، بينما لم يكن نقل الرسالة نفسها (عن طريق وسائل الإعلام "الغربية" خلواً من أي معنى أيضاً! لا أتردد كثيرا في اتهام وسائل الإعلام الغربية بالتحيز والانتقائية حتى يتم تصوير "الإسلام" (الغربي العادي لا يعرف الفرق بين الشيعي والسني) بأنه دين يدعو للعنف والقتل بل وأنه دين يدعو للمازوخية!!!

nazzal said...

وتبقى أستاذ بهذا الرقي العقلاني
أكره المديح
بس لو أعرفك ، كان بستك ، وسكت :)

x~nezitiC said...

What the infidilizers, I may call them[takfereeen], do these suicidal attacks are as reactions to something, they think it's a solution, it's not something in their Creed at all. They just claim it can be sort of Jihad.

But:

What those minority or majority shia do they believe it's part of their creed, and it's not really a reaction of something but it's more like they cope it from other religions such as christianity, like Godizing/symbolizing/iconzing someone to equal God somehow eventualy-indirectly.

I'm not for anyside but one of them is more wrong than the other religiously or politically.

Salam--[x]

Prometheus said...

العزيز علاء
اهلا وسهلا بك وشكرا جزيلا على ملاحظتك الممتازة التي اعتبرها اضافة قيمة للموضوع
مودتي لك

Prometheus said...

العزيز نزال
شكرا جزيلا لك على الحضور وعلى الكلمات الطيبة
خالص مودتي لك

Prometheus said...

Thanks Nez.
What you said was another opinion which I value and respect.