:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, March 08, 2006

الإصلاح والفكر الديني

بنبرته المألوفة، والتي لا تخلو من السخط والغضب، قال صاحبي:
يبدو أننا الآن في حالة ردّة جماعيّة إلى الماضي.
في العراق هناك هستيريا دينية مفجعة اختفى معها كلّ صوت سوى أصوات رجال الدين.
وفي السعودية حقّق المتشدّدون فوزا كاسحا في الانتخابات البلدية. وفي فلسطين فاز دراويش حماس برئاسة الحكومة، وهناك كلام الآن عن نيّتهم في تكييس النساء ومصادرة الحريّات الفردية، أي "طلبنة" المجتمع الفلسطيني.
قلت: ما حصل كان متوقّعا. الناس في أوقات الأزمات والشدائد تلوذ بالدين. واصرار المتديّنين على الحديث عن الأخطار التي تتهدّد الهوية يدفع العامّة غريزيا باتّجاه التمسّك اكثر بالدين والسير بشكل أعمى خلف كلّ من يرفع لواءه.
قال: لكن أين أصحاب الرشد والعقل من كلّ هذا الذي يجري؟
قلت: هؤلاء قليلون وعديمو الفاعلية نسبة إلى جحافل المتديّنين الذين يقودون خلفهم مجتمعات بأسرها تمّ تخديرها بشعارات من نوع أن الإسلام والهوية في خطر وان الحداثة والديمقراطية والإصلاح السياسي والاقتصادي كلها مؤامرات يحيكها الغرب الصليبي لتدمير الأمة وكسر "بيضة الدين"!
لذلك ليس بالمستغرب أن يكون لهؤلاء اليد الطولى في هذا الحراك وان يوصم بالخيانة والعمالة كل من ينادي بالتغيير والإصلاح. حتى فيصل القاسم مذيع الجزيرة درج في برنامجه على القول إن الإصلاح مخطط تآمري أمريكي وان الأصوليين هم الأجدر بمواجهته!
قال: على طاري التلفزيون، شاهدت منذ أيام برنامجا تسجيليا عما يسمّى بجرائم الشرف في المجتمعات الإسلامية، وصدمت عندما ظهر شيخ ملتح وهو يثني على شاب قتل شقيقته زاعما – أي الشيخ - انه فعل ما يوجبه عليه دينه ومروءته.
قلت: مرّة أخرى، ليس هذا بالأمر المستغرب. جرائم الشرف كانت موجودة قبل ظهور الإسلام واستمرّت بعده. وهذا الخلط الفادح بين الدين والتقاليد هو الذي يدفع ذلك الشيخ وامثاله للثناء على تلك الجرائم ونسبتها للإسلام والمروءة. وهذا المثال بالذات يمكن أن يفسّر لنا – جزئيا - مكانة المرأة المحتقرة اليوم في المجتمعات الإسلامية.
قال: المشكلة أن كل هذه المصائب تنسب للدين وللقرآن. على أنني بصراحة لم افهم حتى الآن كيف يمكن لكتاب ظهر قبل ألف عام أن يكون هو الدستور وان يتضمّن خلاصة القوانين جميعها من سياسة التعليم إلى نظم الاقتصاد والتجارة إلى العلاقات بين الدول.
قلت: أرى انك تقفز من موضوع لاخر بلا نظام. وعلى كل، فالقرآن الكريم هو دليل للهداية والإرشاد والرقي الروحي والأخلاقي. لكن ما يحدث هو أن الطامحين للسلطة يفسّرونه حسب أهوائهم وبالطريقة التي تخدم مصالحهم وتؤذي خصومهم.
وكل هذا التشدّد والغلو الذي نراه حولنا لا علاقة له في الحقيقة بالإسلام، إنما هو مجرّد قنطرة يستخدمها المتطرّفون من اجل القفز على السلطة والتحكّم في رقاب الناس.
قال: مع أن هؤلاء يزعمون انهم يدافعون عن الإسلام، فإنهم لا يستنكفون عن تفجير المساجد ودور العبادة وقطع رؤوس الأبرياء ونسف حفلات الزواج. حتى مواكب العزاء في العراق لم تسلم من شرّهم وهمجيّتهم.
قلت: انهم لا يتردّدون عن ارتكاب كافة الجرائم والموبقات في سبيل هدفهم المتمثل في الوصول إلى السلطة، فالغاية عندهم تبرّر الوسيلة.
قال: يعني اليس لهذا الجنون من نهاية؟
قلت: بالأمس فقط شاهدت الدكتور رضوان السيّد متحدّثا على التلفزيون، وقد شدّني كلامه عندما قال انه يتعيّن الآن الكفّ عن أي حديث عن إصلاح الفكر الديني عندنا، لان الاستحضار المكثّف والغوغائي هذه الأيام للحديث عن المؤامرات الخارجية وخطرها على الهوية يدفع الجموع المغيّبة والمنقادة بشكل أعمى للتماهي مع خطاب وأهداف الجماعات المتطرّفة، وان الاهتمام يجب أن ينصرف الآن إلى محاولة إحداث بعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية هنا وهناك.
قال: هناك شئ ما خطأ في ذهنيتنا. الأمم تتقدّم ونحن نتأخر.
الدين عند غيرنا وسيلة للتفاهم والتعايش والوئام بينما تحوّل عندنا إلى أداة للقتل والتعصّب والكراهية. لا غرابة إذن في أن عالمنا الإسلامي ما يزال منذ قرون المكان الأكثر تخلفا وفقرا في هذا العالم.
قلت: الأخطر من هذا أن المسلمين اصبح ُينظر إليهم هذه الأيام وعلى نطاق واسع باعتبارهم الخطر الأكبر الذي يهدّد الحضارة الإنسانية والعالم المتقدّم.

No comments: