:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, September 17, 2006

تصريحات البابا - 2

ما يزال الحديث عن تصريحات البابا الأخيرة والجدل الواسع الذي أثارته وما تزال تثيره.
اليوم سألت زميلا، كثيرا ما استفدت من فكره الثاقب ورؤيته الصائبة للأمور، سألته عن رأيه في مغزى الخطاب وتوقيته فقال:
إننا نخطئ عندما نظنّ أن البابا رجل مخرّف أو عبيط. البابا يا عزيزي رجل حادّ الذكاء، مثقّف، يفكّر ويزن الأمور جيّدا قبل أن يتفوّه أو يصرّح بأي كلام. ولو تمعّنت في الخطاب مليّا لعرفت كم أن فكر الرجل واسع ونظرته بعيدة.
قلت: قرأت الخطاب، واطلعت على نصّه الآخر الموجود على موقع الفاتيكان. كان كلامه في اللاهوت والفلسفة عموما وقد تحدّث عن صورة الله وصورة الإنسان وبنية الإيمان في الأديان كما تحدّث عن الله والعقل وأورد إشارات سريعة إلى أفكار ديكارت وابن الهيثم وغيرهما من الفلاسفة. لكن الانطباع الذي تشكّل لديّ هو أن البابا أقحم في خطابه، بشكل متعسّف ولغاية ما، قصّة الحوار بين الإمبراطور والسفير عن الإسلام.
قال: أنا لا أشاطرك الرأي، بل ازعم أن الرجل يعني ما يقوله تماما. البابا يدرك أن ثمّة حوارا على وشك أن يبدأ بين الإسلام والمسيحية وهو يريد من خلال ما قاله أن يفرض رؤيته وشروطه لذلك الحوار قبل بدئه. وقد يكون قصد ايضا بعث رسائل الى ايران وتركيا لها علاقة بملف الاولى النووي ومحاولات الثانية الانضمام الى الاتحاد الاوربي.
قلت: لكن لماذا الحديث عن تجاوزات مزعومة للإسلام بينما اغفل تماما الحديث عن أخطاء الكنيسة؟
قال: هذا تصوّر ليس في مكانه تماما. يجب أن نقرأ خطاب البابا وأن نفهمه من منظور معاصر، كما يجب ألا ننسى مثلا أن البابا الحالي كان عضوا مهما في لجنة محاكمة عصر التفتيش والجرائم التي ارتكبت آنذاك. ممارسات الكنيسة في الماضي معروفة لكن لم يتبقّ من آثارها اليوم شئ مع تجذّر القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم المسيحي. بينما العنف الذي يمارسه الاسلاميون الآن ليس وليد صدفة بل تمتدّ جذوره عميقا في تاريخ الإسلام. لا اعتقد أن أحدا يجادل في هذه الحقيقة. وهو عنف يصيب المسلمين ويصيب غيرهم. هذا ما أراد أن يقوله البابا بوضوح.
قلت: هل عند البابا اجندة معينة أو رسالة أراد أن ببعثها لطرف أو أطراف ما؟
قال: لا شكّ في أن لدى البابا اجندة محدّدة ترتكز على التبادلية في علاقة المسيحية مع الإسلام في مقابل التوافقية التي تبنّاها سلفه والتي يرى البابا الحالي أنها لم تفلح في كبح جماح العنف الإسلامي ولم تحقّق التقارب المنشود بين الفريقين.
وليس من قبيل المصادفة أن يتحدّث البابا في خطابه عن كون الدين، أيّ دين، ذا صلة وثيقة بالروح والنفس وليس بالجسد، ومن هنا أهمية عنصر الإقناع في العقيدة في مقابل الإجبار والقسر.
قلت: هل للوجود الإسلامي المتنامي في أوربا علاقة بكلام البابا؟
قال: البابا يدرك جيدا تزايد أعداد المسلمين في أوربا والعالم الغربي وما يستتبع ذلك من اشكالات دينية وثقافية. وهو يريد من هؤلاء أن يلتزموا بالقيم المسيحية المعاصرة مثل تقديس الحريات الفردية واحترام عقائد الآخرين والإيمان بحرية الفكر وان يبتعدوا عن ممارسة العنف والتفجير والقتل.
وعلى نطاق اوسع، كأن البابا أراد أن يقول إن على المسلمين إن أرادوا التعايش معنا أن يتعاملوا معنا بنفس قيمنا وأعرافنا، إذ لا يعقل أن نبني في بلداننا مساجد ومراكز ثقافية للمسلمين يمارسون فيها عباداتهم بحرية بينما تحرّم بعض الدول الإسلامية بناء كنيسة على أراضيها وتمنع المسيحيين المقيمين فيها من حقهم في ممارسة عباداتهم.
كما لا يعقل – بحسب رأي البابا الجديد طبعا – أن يتمتّع المواطن المسيحي في الغرب بكامل حرّيته في أن يترك المسيحية ويعتنق الإسلام باعتبار تغيير الديانة حقا من أهم حقوق الإنسان، في الوقت الذي يعاقب كلّ من يتحوّل إلى المسيحية في أوطان المسلمين بالقتل ويساق الناس إلى دور العبادة سوقا كالبهائم دون مراعاة لحقوق الإنسان أو اعتبار لحرياته الفردية.
ويضيف الزميل مختتما ملاحظاته: هذه هي التبادلية التي يريد البابا الجديد ومساعدوه ان تكون اساسا لعلاقة الفاتيكان المستقبلية بالعالم الاسلامي.

10 comments:

Abu-Joori said...

حواراتك مع صديقك هذه .. دائماً ما تكون قمة المتعه :)

فقط أود ن أعلق على نقطة صديقك بأن هناك في العالم المسيحي "تجذر" لقيم الديمقراطية و حقوق الإنسان..
و أقول له...
أجل من أين أتتنا كل رياح الجرائم الإسرائيلية ؟ و الأمريكية في أفغانستان و العراق .. إلخ!
لا تقل لي بأن هذه الأحداث لا تمثل المسيحية .. فتقريباً لا يمكن الفصل بين الإنسان و العقيدة السائدة في المنطقةالتي ينتمي إليها هذا الإنسان ... حتى حينما يكون ذات الإنسان ملحداً تمام الإلحاد .. فمكونات شخصيتها و معرفات ثقافته هى نتاج المجتمع الذي نشاء فيه الشخص.. و بالتالي .. في رأيي المتواضع أن هناك شئ من المسيحية في كل أوروبي .. كما أن هناك شئ من الثقافة العربية و الإسلامية في كل عربي و مسلم .. مهما إبتعد عن الإسلام

كما يجب أن نشير إلى أن عنصرية هتلر (التي تتواجد في أوروبا بصورة أو أخرى اليوم ) و الفاشية أيضاً هى نتاج أوروبي بحت .. و متأثره بمفكرين أوروبيين معروفين .. و قدمت للعالم دماراً هائلاً و حروباً عديدة ... و هى أمور لم تحدث من قرون ماضية (مثل الحروب الصليبية ) بل حدثت في فترة قريبة نسبياً

كما أضيف بأن العالم اليوم لا يشهد جنون الإرهاب الإسلامي .. فقط .. بل إن إرهاب الدولة موجود وهو بالتأكيد أشد و أنكى ... و أقصد هنا إرهاب الدولة الصهيوني.. المتمثل بدولة إسرائيل و نهجها الإرهابي الذي لم يتوقف للحظة منذ نشأة هذه الدولة ... بالإضافة للإرهاب الأمريكي المتمثل بالإدراة الأمريكية الحالية ذات التوجهات المسيحية المتعصبة و المعلنة في نفس الوقت .. و هى توجهات الملايين من أتباع اليمين المسيحي المتطرف في الولايات المتحدة .. و المعروفون بأنهم ينتظرون معركة الأرمجادن الكبرى التي يجب أن تحصل على الأرض المقدسة في فلسطين!

أليس هذان إرهابان ملكا عبر التاريخ بالأمس .. و في المستقبل مقداراً كبيراً من القوة التي يجب على البابا الواعي و المثقف و الذي يريد أن يضع أسساَ للحوار العالمي مع الديانات الأخرى و من ضمنها الإسلام أن ينبه لهما و يشير لهما .. و لو من طرف بعيد؟

قرأت النص العربي الكامل المترجم لكلام البابا عبر موقع شفاف الشرق الأوسط .. و أجد في كلامه محاولة لإلباس الديانة المسيحية ثوب العقل اليوناني .. و هى في رأيي تهمه أكثر منها صفة للتميز .. لأن ذلك يجرنا أيضاً إلى تأثيرات العقائد اليونانية القديمة على العقيدة المسيحية.. و هذا باب أخر لاداعي لفتحه هنا

أما إدخاله للحوار بين الأمبراطور البيزنطي و الفارسي المثقف في وسط كلامه .. بل و الإشارة الى الأيات المكية و المدنية .. فهى إما محاولة لكي يفرض على المسلمين كيف يقرأون كتابهم .. و ما هو مقبول .. و ما هو غير مقبول!! .. أو أن الرجل لا يملك من المعرفة ما يمكنه من الجمع بين الأيات القرانية المتشابهه .. و هو أمر ليس مطلوب منه .. و بالتالي كان يجب عليه أن لا يدخل فيه .. مادام الأمر ليس من تخصصه!

دمت بخير .. أنت و صديقك :)

Prometheus said...

هلا اخوي ابو جوري. كيف الحال.
الحقيقة انك اثرت في تعقيبك نقاطا غاية في الاهمية وتستحق ردا مفصلا، وارجو ان تصبر علي لبعض الوقت ريثما انتهي من بعض الالتزامات الطارئة وأعدك بأن اعود سريعا للتعقيب على ما تفضلت به من ملاحظات ونقاط مهمة.
مودتي لك

Prometheus said...

العزيز ابو جوري
اتفق معك على انه لا يمكن الفصل بين مكونات شخصية الفرد وعناصر الثقافة التي نشا عليها وتشربها وفي طليعتها عنصر الدين والقيم.
وانا مع الرأي القائل بأن السياسة هي المحرك لكل شئ بما في ذلك الدين نفسه. وأحد الانتقادات التي وجهت للبابا على تصريحاته الاخيرة هي انه تحدث كسياسي وليس كرجل لاهوت. سمعنا مثل هذا الكلام من رئيس وزراء تركيا ومن اخرين غيره. ومع ذلك لم افهم الى الان ردة فعل بعض المسلمين مثل رجل الدين الصومالي الغبي الذي دعا الى اغتيال البابا جزاء له على تصريحاته. وكأنه يقول انت اتهمتنا بالعنف لذا نحن ننوي قتلك! وبذا يثبت ذلك الاحمق ما استشهد به البابا من كون الاسلام دينا يميل الى العنف.
حديثك عن مظالم المسلمين ودعم الغرب لاسرائيل هو امر واقع للاسف وهو بلا شك يتصادم مع جوهر الديمقراطية وحقوق الانسان.
ارجو ان تمر على هذا الرابط لانه يقود الى مقال ممتاز كتبه مسلم استرالي اسمه وليد علي علق فيه على حديث البابا وعلى ردود الفعل التي اثارها:
http://www.theage.com.au/news/opinion/subtle-scholar-but-what-an-inept-politician/2006/09/17/1158431582819.html

تحياتي لك.

ابوخليل said...

اعتقد ان التضخيم والتهويل في مسأله كلام البابا وقبلها الرسوم هي اساسا تجارة من الاسلاميين الطامعين في الحكم و المتلهفين لكل ما يؤجج العداء للغرب ثم ماوراء الغرب من قيم المساواة والحرية والعدل والشفافيه والمساءلة. وهي قيم لاتناسب المشروع السياسي للحركات الاسلامية التي تريد ان تعلن الحروب الداخلية والخارجية. ويتبع الاسلاميين في ذلك مرغمين الحكام الانتهازيون الذين يدغدغون عواطف العامة والغوغائيين بقضايا حساسة تاريخيا وعاطفيا لدى الجماهير المحبطة..
اذا استمرينا نقول للعالم اننا اهل العقل و نردد ان ديننا دين عقلاني فان هذا لايعني اننا تحولنا تلقائيا الى مؤمنين عقلانيين، فحياتنا مليئة بكل ما يشير الى ضياع العقل. انظر الى الواقع الاسلامي اليوم لترى الانتحاريين المجانين والقتل الطائفي على الهوية والاستبداد السياسي والديني وانعدام العدل والحريات العامة. كل هذه الامور تقف شاهدة على ان واقع المسلمين بعيد عن العقل وقريب من الغرائز العدوانية. واذا كانت نصوص القرآن والحديث مليئة بشواهد العقل والعدل والحرية فان المرجع والحجة امام العالم هو واقع المسلمين اولا واخيرا وليس النصوص التي تتلى للعبادة والتبرك والترديد الببغائي. الشيء الاكيد ان المسلمين يمرون بأزمة ثقة واضحة. هناك دين اتباعه بمئات الملايين، ومع انهم منخرطون في تكفير بعضهم بعضا واضمار العداوة في ما بينهم، الا انهم يهتمون بتصريحات صادرة من شخص ليس له قيمة حقيقية بل رمزية وهي في تراجع. ونحن ليلا نهارا نشتم وندعو على المسيحيين بالدمار والموت والامراض والكوارث بل ان بعض رجال الدين عندنا يعتبرون لعن النصارى وسبهم من الامور العادية الغير مستنكرة ويقوم به الجميع من الاطفال الى الكبار رجالا ونساء. ولو اننا بدلا من شتم الاديان الاخرى او الغضب لرسوم في مكان ناء من العالم او تصريح غامض لشخصيه بلا سلطه حقيقية ولا اتباع حقيقين، لو اننا بدلا من ذلك نحقق العقل في واقعنا ونستفيد من رؤية ونقد الاخرين لنا لكان هذا ابلغ رد على من يتهم ديننا العظيم باللا عقلانيه .
وشكرا.

Prometheus said...

العزيز ابو خليل
احسنت كثيرا وليس عندي ما اضيفه الى كلامك الذي يدل على سعة افقك وكمال وعيك . هذا هو واقع حالنا للاسف.

الترجمة العربية الكاملة لخطاب البابا على هذا الرابط
http://pope.alamnesis.com/la.htm

Anonymous said...

عزيزي بروميثيوس
شكرا لك على الموضوع وبعيدا عن السجال الدائر حاليا بشان محاضرة البابا بنيديكتوس اسمح لي بان اعلق على كلام الاستاذ ابو جوري عندما كتب يقول ان المسيحية تاثرت اكثر ما تاثرت بالجوانب الوثنية للفكر الاغريقي. وهذا كلام صحيح الى حد كبير ، لكني اعتقد ان الجانب الوثني في الفكر المسيحي لم يات من اليونان كما يظن البعض بل اتى من امتزاج المسيحية في بداية الامر بالحضارات السلتية او الكلتية كما تسمى في بعض المصادر "اي الوثنيين الذين قطنوا اراضي غرب اوربا في العصور الغابرة" وامتزاجها كذلك بالثقافة الجرمانية وثقافة قبائل الفايكنغ في اقصى الشمال. لا تزال بعض هذه المؤثرات ماثلة للعيان في بعض الطقوس المسيحية واوضحها بعض ما يمارس في اعياد الميلاد من شعائر، اذ نجد لها اساسا عند السلتيين. وهناك نقطة اخرى لا تقل اهمية وهي ان المسيحية لم يكتب لها الانتشار على نطاق واسع في اوربا سوى على ايدي الاباطرة الرومانيين الذين بشروا برسالة المسيح واخذوها معهم في فتوحاتهم شرقا وشمالا وغربا بعد ان كانت محصورة في رقعة صغيرة من الارض حيث ولدت، اي في فلسطين وما جاورها من اقاليم. مع شكري الجزيل.

Fuzzy said...

صحيح البابا قبل منصب البابويه كاردينال مخضرم ويعي ما يقول وخطابه موجه لبعض الدول .. اعتقد ان المسيحيين العرب اقباط وغيرهم سوف يلعبون دور في المرحلة القادمة

Prometheus said...

Anonymous
شكرا جزيلا لك على المعلومات المفيدة
تحياتي

Prometheus said...

fuzzy
شكرا لك واتمنى ان يتحقق ما ذكرته
تحياتي

Anonymous said...

البابا كان وما زال من علماء الللاهوت (علم مقارنة الاديان) وهو يعلم جيدا المدى الذى يمكن ان يصل اليه تصريحه ،، وهو ليس تصريحا بالمعنى المفهوم ولكنه موقف سياسى ،، له خلفيات وستكون له عواقب ،، بالاضافة الى المواقف الاخرى ،، الامور اختلطت على ما يبدو ولكنها مرتبة ومنظمة وكل يقوم بدوره فيها ويعرفها جيدا خفافيش الظلا والاظلام والظلم