:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, December 12, 2006

كُن رفيق الشيخ

لا بدّ وأن الكثيرين تلقّوا على هواتفهم النقّالة نفس هذه الرسالة النصّية التي تقول: "كن رفيق الشيخ (...) واحصل يوميّا على رسالتين أعدّهما خصّيصا لك. رسوم الاشتراك النصف شهرية 12 ريالا فقط".
وكما هو واضح فإنّ مضمون الرسالة والطريقة التي صيغت بها تذكّرنا إلى حدّ كبير بإعلانات المحلات التجارية التي تدغدغ جيوب العملاء بإغرائهم بالجوائز الثمينة والحظ السعيد.
وعبارة "كن رفيق الشيخ" بحدّ ذاتها، وبما تنطوي عليه من جاذبية وسحر، تكفي لدغدغة مشاعر المتلقّي وإثارة حماسه، فالشيخ في الوعي الجمعي شخصية مقدّسة وطلب رفقته غاية سامية يهفو إليها الجميع، وبفضل بركته ينال الأتباع الغنيمة والفوز في الدنيا والآخرة مصداقا للقول الدارج "إجعل بينك وبين النار مطوّعا"!
إن لغة هذا الإعلان جذّابة وبارعة، وقد خطر ببالي أن من صاغه بهذه الطريقة الاختزالية التي لا تخلو من إعجاز، لا بدّ وأن يكون شخصا ملمّا بأصول واستراتيجيات الإعلان والتسويق التي تقتضي، من ضمن ما تقتضي، معرفة نفسيات الزبائن والقوى والعوامل التي تؤثّر في طباعهم وسلوكيّاتهم واتجاهاتهم.
وبما أن السلع في "السوق" كثيرة ومتنوّعة، فلا بدّ من لفت نظر كلّ زبون محتمل إلى أن السلعة - الرسالة "أعدّت خصّيصا له"، زيادة في إشعار جمهور السوق بأن المرسل مهتمّ بكلّ واحد منهم وواع باحتياجاته الفردية وشواغله الخاصّة.
من الواضح أن مهنة الوعظ، ككلّ المهن الأخرى تقريبا، تمرّ بتحوّلات وتغييرات مهمّة بحيث تنسجم في النهاية مع منطق السوق ومقتضيات البيزنس وحسابات الربح والخسارة.
لكن بالرّغم من هذا كلّه فإن واقع قطاعات كبيرة من السوق يقول شيئا آخر. فهناك من الشواهد ما يشير إلى أن سوق الوعّاظ في تراجع مستمر، يستوي في ذلك التقليديون منهم والتجديديون.
وربّما كان أهم مظاهر هذا التراجع إقبال الناس الكبير والمتزايد على شراء الكتب والمؤلّفات الحديثة التي تبحث في تطوير الذات وتحسين الملكات والمهارات الشخصية التي تعين الإنسان على أن يعيش حياته بأكبر قدر من السعادة وأقلّ عدد من المشاكل والمنغّصات.
وفي هذه الكتب ذات الرواج العالي لا نجد إشارات دينية إلا في ما ندر، كما انها لا تقول مباشرة لقارئها إفعل كذا ولا تفعل كذا أو قل هذا ولا تقل ذاك. كلّ ما نقرأه فيها هو عبارة عن نظريات وقصص ودروس مستوحاة من ثقافة الغرب وأعرافه وقيمه وتجاربه التي يعتبرها العقل الجمعي عندنا "منافية لتراثنا ولقيمنا الأصيلة".
مع أن العلاقات الانسانية في نهاية المطاف هي علاقات تأخذ طابع العمومية والمشاركة حتى وإن تلوّنت بالبعد الثقافي الخاص بمجتمع ما أو جماعة بشرية معيّنة.
أليس هذا دليلا على أن الوعّاظ عندنا فشلوا في تلبية متطلّبات الناس الذين أصبحوا يبحثون عن مصادر بديلة للنصح والإرشاد مستمدّة من نماذج ثقافية لشعوب استطاعت أن تحقّق مراكز متقدّمة في معارج النهوض والرّقي الإنساني والحضاري بينما ما زلنا كشعوب إسلامية نغطّ في نومنا وتخلفنا ونردّد كلام وعّاظنا الذين ثبت أن معظمهم منفصلون عن واقع الاجيال الجديدة ولا يتحدّثون لغة العصر ويفتقرون إلى مواهب خاصّة لعلّ من أهمّها الحبّ والتسامح؟

4 comments:

Aladdin said...

ذكّرني هذا البوست بإحدى حيل "الشيخ" الدنيئة (والعهدة ع الراوي) كما يقول المصريون! حيث عقد صفقة "تجارية" بينه وبين أحد سماسرة السياحة "الدينية" في مقابل أن يكون هناك حشد كبير في "رفقة الشيخ" المذكور!!

أنا لا ألوم الشيخ في أن أتباعه كُثُر، لكنني ألوم الناس الذين لو انفضوا من حوله وعرفوا أن الغث كثييييييير فيما يقال والسمين قليل، لما وصل حال الوعّاظ ورجال الدين (الإسلامي والمسيحي على حد سواء) في عالمنا العربي إلى هذا المنحدر السحيق الذي تردّى فيه!

في نقاش مع أخي الأصغر قلت إن "الشيخ" عمرو خالد قدّس الله سره يعتبر "مثقفاً" نموذجياً لو عرّفنا المثقف بأنه ذلك القائد الذي يلبي احتياجات الناس الأساسية في مجال ما من مجالات الحياة، وهنا ليس الذنب على الشيخ عمرو ولكن على الناس الذين انحط حالهم لدرجة أنهم أصبحوا لا يحتاجون لإشباع حياتهم الروحية إلا إلى أشباه المشايخ!

Prometheus said...

اهلا عماد.
كيف الحال
اعتقد ان كلامك صحيح، وقد سمعت مثله من صديق كان يتحدث عن هذه الظاهرة. عمرو خالد وسواه من الوعاظ اناس اذكياء عرفوا كيف يستثمرون في عواطف الناس واللوم بالتأكيد يقع على العوام الذين تخدرت عقولهم لكثرة ما ادمنوا سماع الغث من الكلام الذي يلقى عليهم، واتفق معك في ان الظاهرة عامة ولا تقتصر على دين دون اخر.
تحياتي لك عماد وبانتظار ما يجود به قلمك من افكار نيرة وتعليقات دسمة ومفيدة كما هي عادتك

gmailer said...

تحية طيبة..

من البدهي أن يكون الهدف الدنيوي للإنسان الطبيعي بلوغ السعادة، ومن الطبيعي أن يختلف الناس في تعريفهم لها وأيضا سبلهم ووسائلهم لتحقيقها.

لكن ليس من المقبول أن نحتقر الآخرين
لأنهم لا يشاركونا الرؤية والطريقة.

هناك من يجد السعادة في المسجد، كما أن هناك من يجدها في البعد عنه.
هناك من يستمتع لعمرو خالد، كما أن هناك من يستمتع لسماع غيره.

حالة خاصة:
المسلمون يؤمنون بقول الله (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا)، وعلينا أن نتفهم هذا الأمر ولو كنا لا نقبله.

-----

هامش:

لا أجد تفسير منطقي لكلام يمتدح الثقافة الغربية التي من أهم مظاهرها النضج في الإختلاف واحترام الآخر، وهو في نفس الوقت يناقض هذا المفهوم ويلصق الصفات الإزدرائية بمن يختلف معه.

تمنياتي لك بالتوفيق.

Prometheus said...

الاخ
gmailer
احترم رأيك كثيرا وأتفهمه
مودتي لك