:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, December 08, 2007

من صندوق البريد

لست ممن يتردّدون على هذه المدوّنة بانتظام. لكنّي أزورها من حين لآخر كلما سمح الوقت. أما الفنّ والرسم فلا أفقه فيه الشيء الكثير. أعرف أو سمعت شيئا عن دافنشي وبيكاسو وفان غوخ. لا أرتاح للثاني وأحبّ بعض لوحات الأخير واعتبر الأول مثالا لإبداع وعبقرية الإنسان.
أحيانا اقرأ بعض مواضيعك في المدوّنة الرئيسية وأحسّ بأنها تدغدغ مشاعري وتحرّك بعض الأفكار في داخلي.
أما الموسيقى التي تضعها هنا فلا تشدّني كثيرا. لكن سبق وان استمعت عندك إلى مطربة اسمها لورينا فأحببت صوتها. في الحقيقة سمعتها أكثر من مرّة. وكلمات أغانيها من النوع الذي يثيرني ويدفعني للتأمّل والرحيل بعيدا. يبدو أنها تختار لأغانيها أشعارا وقصائد متميّزة.
ودائما ما تتحدّث في أغنياتها عن القوافل والأنهار والنار والأفق المترامي والليل والجبال. وكل هذه المواضيع أحسّها جزءا لا ينفصل عن كياني وروحي. واللمسة الصوفية في غناء هذه المطربة العجيبة، أي لورينا، عذبة، صافية، وقريبة من الفؤاد والروح.
الجميل في الأمر أن الطبيعة ومظاهرها أصبحت موضوعا يتزايد اهتمام المغنّين بتوظيفه في موسيقاهم يوما بعد يوم. أتحدّث هنا عن الغناء الغربي طبعا. عندنا الأمر يختلف كثيرا. إذ ما يزال مطربونا قابعين في نفس الخيمة القديمة يجترّون أغاني الفراق والهيام وهجر الحبيب ولوم العوازل وغير ذلك من المواضيع المضحكة والمستهلكة.
وذات مرّة، سمعت في مدوّنتك التشكيلية مطربة غربية أخرى لم أعد أتذكّر اسمها تتحدّث عن النور في الأشجار والألق في الجبال. وقد خطرت ببالي في تلك اللحظة تساؤلات متأمّلة، هل للشجر ذاكرة؟ هل الجبال والأشجار تحسّ وتشعر مثلنا نحن البشر رغم أنها، ظاهريا، جماد؟
وتداعت في خاطري ذكريات وقصص قديمة. أذكر وأنا ما زلت صغيرا أنني كنت أتمشّى في الجبال وأخوض في مياه الجداول واستمتع بنشوة المشي حافي القدمين فوق الصخور اللامعة غير آبه بالجروح التي كانت تتركها حوافّ بعضها الخشنة في باطن قدميّ وساقي.
وعندما كبرت بعض الشيء أدركت أن جوهر الحجر يختلف عما يظنه معظم الناس. كنت أذهب في الصباح الباكر إلى الجبل فأحتضن الحجارة، ألثمها، أقبّلها، واشمّ فيها عبق المطر الذي مرّ عليها وغسلها ليلا. وكثيرا ما سيطر عليّ هاجس غريب بأنني أريد أن أعبد هذه الأحجار! وأتمنى أن أجرّب ولو مرّة واحدة كيف كان إحساس أسلافنا الأوائل وهم يقدّسونها ويجلونها.
وفي احد الأيام رأيت في وسط الوادي الذي كان منزلنا يقوم على احد أطرافه حجرا كبيرا. وفي أثر ذلك الحجر كان هناك طريق. كان الحجر قد تحرّك شيئا فشيئا على ارض مستوية حافرا لنفسه مسارا عبر الوادي. ولم يكن هناك احد يحرّكه أو يدفعه في ذلك الاتجاه كما اكتشفت وكما تأكّد لي.
ساعتها تعمّقت قناعتي بأن الحجر كائن حيّ يحسّ ويشعر ويتحرّك من تلقاء نفسه ويتفاعل مع غيره من الكائنات والموجودات.
وما أزال أتذكّر زيارتي وتجوالي في ريف إحدى عواصم الشرق الأقصى.
كنا قد تناولنا عشاءً ناعما تحت السماء المكشوفة وعلى ضوء الشموع ومنظر نافورة يتناثر من جوانبها بعض رذاذ الماء المعطّر.
كان المساء في تلك الليلة هادئا والجوّ مثقلا بالغيم وبشذى البخور الممزوج برائحة التوابل الآتية من مطعم صيني بالجوار.
وفي جوف الليل تناهت إلى أسماعنا نغمات وأصوات تشبه صوت مغنّيات الأوبرا. كان الصوت يعلو شيئا فشيئا إلى أن أصبح بالإمكان تحديد مصدره. وعندما سألت عن ماهية ذلك الغناء قيل لي أن ما كنا نسمعه كان مصدره الجبل القريب. وسألني احدهم: الم تسمع بالجبال التي تغنّي؟ إن الرياح الرطبة تدخل شقوق وتجاويف الصخر بعد ليلة ممطرة فيصدر عنها أنين مكتوم يشبه في رهافته وانثنائه صوت مغنية سوبرانو تحت التدريب.
وتعجبّت مما سمعت وقلت: حقا إن للحجارة ذاكرة. إنها ذاكرة التاريخ والتوق الروحي لكل ما هو سرمدي وخالد في هذا الكون.
إنني افترض انك شاهدت الفيلم الفانتازي سيّد الخواتم. في احد أجزاء ذلك الفيلم الجميل مقطع معبّر جدا، وفيه يظهر سكّان الأرض الذين يتهدّدهم خطر الغرباء وهم يتحدّثون إلى الأشجار ويناشدونها أن تدعمهم وتؤازرهم لصدّ العدو ودرء الخطر الوشيك.
وبالمناسبة كلّ شيء في الفيلم يتكلم؛ الشجر والحجر والبحيرات والأنهار والجبال والشلالات إلى آخره.
والأشجار تتجلى في هيئة مخلوقات تحسّ وتتفاعل وتؤثر وتتأثر. لكن زعيم الأشجار وحكيمها يبدي تحفظه في البداية على فكرة التضامن مع البشر بعد أن ثبت أنهم يهينون الأشجار ويعذّبونها ويمعنون في إظهار عدائهم لها وقسوتهم عليها.
إنني انظر إلى الجبال والصخور والحجارة فأتذكّر أرواح أسلافنا الراحلين الذين درجوا عليها وخبّأت في جنباتها حكاياتهم وأساطيرهم النائمة إلى الأبد.
بالمناسبة، سمعت في احد الأوقات أن "الطاويّة" تشبّه الإنسان في حالته المثالية بالحجر: تملؤه السكينة من الداخل ويحفّ به السلام من الخارج ويتوحّد مع الطبيعة من حوله ويتفاعل معها!
إنني يا صديقي كثيرا ما انظر إلى الحجر بقلبي لا بعيني فلا أرى فيه إلا صورة للبهاء المعتّق في أجلى صوره ولا أتصوّر إلا أن سلطان العالم نائم تحت هذه الحجارة المباركة المعلقة بها أرواح أسلافنا وأجدادنا الميامين العظام.
في الليل عندما يغيب القمر ويبسط الظلام رداءه على العالم، كنت أحدّق صامتا في الجبال القريبة من بيتنا وألمح فوق قممها ذلك الوميض الشفيف الغامض الذي يبعث في رأسي دوارا كالسحر.
لطالما فتنت بجلال تلك الجبال وهيبتها التي تشعّ في نفسي بردا وسلاما، وكنت دائما أتخيّل أنها الحارس الأمين الذي يمنحنا، نحن أهل الأرض، الإحساس بالأمان والراحة والسكينة.
إنني أؤمن أن هذه الجبال الرصينة الوقورة ليست في حقيقة الأمر سوى بوّابات تفضي إلى عوالم أخرى لا نحسّها ولا نراها نظرا لمحدودية إدراكنا وقصور حواسّنا كبشر. إنها بمعنى ما الوسيط الذي نتّصل من خلاله بأرواح أسلافنا وبعالم الخلود والأزل واللانهائية.
وعندما أفكّر بالجبال أتذكّر أن الآلهة في العصور الغابرة كانت تصوّر على هيئة أعمدة من حجارة، والحجارة بهذا المعنى رمز لكل ما هو إلهي ومقدّس. وفي كل الحضارات القديمة كانت قمم وسفوح الجبال المكان الذي تقام عليه المعابد والمزارات. وما من نبيّ أتاه الوحي واستقبل الرسالة إلا وهو جالس في الجبال يدرس ويشاهد ويتأمّل منتظرا برهان ربّه.
وكثيرا ما كنت اسمع عن غابات في أقصى أقاصي الأرض تجري فيها انهار لها صوت كإيقاع الموسيقى ويصدر عن أشجارها وأحجارها همس يشبه نجوى المحبّين لا يحيط بعلمه ولا يقف على أسراره الخفية سوى رهبان ونسّاك المعابد القصيّة ممن أوتوا قدرات خاصة في الشفافية والاستبطان وسبر غور الأشياء والظواهر.
وأتذكّر أن أبي اخبرني ذات مرّة أن عاملا كان يتولّى قطع الأشجار وتكسير الحجارة في واد قريب، وأن ذلك العامل اقسم له بأنه كان يسمع صوتا أشبه ما يكون بالأنين أو الحشرجة عندما كان يباشر قطع جذور بعض الأشجار أو يقوم بتكسير بعض الحجارة.
لا ادري كيف أخذني الحديث بعيدا عن الموضوع الأساسي. لقد كنت انوي التطرّق إلى مواضيع المدوّنة لكن مضمون بعض الأغاني والموسيقى هنا سرح بي بعيدا وجعلني اندفع في الكلام لاإراديا عن الحجر والشجر.
مع أنني افترض أن بعض مواضيعك واختياراتك الموسيقية هي، إلى درجة ما، صدى لبعض أفكارك وتصوّراتك. ومن هذه الناحية أجد أن بيننا الكثير من أوجه الشبه والتماثل.
أسعد الله أوقاتك والى لقاء قريب".

قرأت الرسالة أعلاه بكثير من الاهتمام والتمعّن. وقرّرت أن أضعها هنا مع بعض التعديلات اللغوية والأسلوبية البسيطة. وأريد أن أقول لكاتبها المجهول: شكرا جزيلا لك على ما كتبته. وأنت تستحق أن تسمّى عن جدارة بعاشق الحجر. بل إنني احسد الحجارة فعلا لان ما قلته فيها يرقى إلى اعتباره قصيدة غزل تفيض رقّة ونبلا.
الملاحظة الوحيدة التي أريد إبداءها على ما هو مكتوب فوق هو التنويه إلى أن المعنى الذي قصده الكاتب في حديثه عن عبادة الحجر ينصرف إلى خالق الحجر نفسه، لان الحجر بحدّ ذاته لا ينفع ولا يضرّ كما يعلم وكما نعلم جميعا.

2 comments:

Essam said...

أخي برومثيوس ..

بعثلك إيميل ولكنّك لم تردّ !

______________________________

Prometheus said...

عزيزي عصام:
بعثت لك رسالة على ايميلك وارجو ان تكون قد وصلتك.
والمعذرة مرة اخرى على التأخير.
تحياتي.