:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الأحد، يناير 04، 2009

قصص ملوّنة


فجوة في الجدار


كلّ ممنوع مرغوب. والنار تحرق أكثر إذا لم تُطفأ في الوقت المناسب.
تضع أذنها لصق الجدار. تصيخ السمع باهتمام. تتابع كلّ كلمة تأتيها من خلال الفجوة المحفورة في الحائط.
هو على الطرف الآخر منهمك في بثّ حبّه وشوقه لها.
هكذا هما دائما. منشغلان ببعضهما آناء الليل والنهار.
أصبحا قريبين من بعضهما بحكم الجوار. ومع الأيّام تطوّرت العلاقة إلى حبّ عميق وجارف.
لكنّ ذلك الحبّ لم يكن مقيّضا له أن يسير إلى نهايته. فقد اصطدم بعناد والديهما اللذين رفضا زواجهما برغم المحاولات الكثيرة والمتكرّرة.
غير أن الرفض لم يطفئ جذوة الحبّ في قلبي العاشقين، بل زادها توهّجا واشتعالا. لذا هما يقضيان ليلهما ونهارهما إلى جوار الجدار.. يتهامسان ويتناجيان.
اسمه بيراموس. كان أكثر الشباب وسامة في أرض بابل. واسمها تيسبي. كانت أجمل الفتيات فيها. حدثت قصّتهما أثناء حكم الملكة سميراميس.
مرّت الأيّام وهما على تلك الحال. الزواج غير ممكن. وكلّ محاولات الإقناع لم تفلح في ثني الأبوين عن رأيهما.
وذات يوم، ومثل ما يحدث عادة في هذا النوع من القصص، قرّرا الهرب. كانا قد تواعدا على اللقاء في غابة تقوم على أطرافها شجرة توت ضخمة.
سبقته هي إلى هناك. لكن عندما وصلت، لاح لها فجأة من بين الأشجار خيال أسد كاسر. حاولت الفرار. وأثناء محاولتها تلك، انزلق خمارها عن رأسها. انشغلت للحظات باستعادة الخمار. لكن الوحش كان قد أمسك بطرف ردائها. تعاركت معه وتمكّنت أخيرا من استنقاذ نفسها من براثنه. تركت الخمار في المكان ووجدت لنفسها ملاذا في أعماق الغابة.
عندما وصل بيراموس إلى المكان، وجد الخمار وعليه بعض بقع الدم. صدمه المنظر وحطّم قلبه. لم يساوره شكّ بأن تيسبي وقعت فريسة لأحد الوحوش الكثيرة هناك.
لم يتحمّل وقع المفاجأة. انتزع سيفه وطعن به نفسه ليموت في الحال.
عندما غادرت تيسبي مخبأها في الغابة، وجدت جثة بيراموس ملقاة تحت شجرة التوت. وتحت تأثير شعورها بالفجيعة، أخذت سيفه وألقت بنفسها فوقه. تقول الحكاية إن دم العاشقين امتزج وساح في أعماق الأرض.
وفي ما بعد، تحوّلت ثمار شجرة التوت إلى لون السواد حزنا وأسى على ما انتهى إليه مصير العاشقين البائسين.


القفص المُذهّب


هو جالس إلى الكرسي يحدّق في الفراغ.
نظراته متأمّلة ووجهه تعلوه مسحة من الحزن واليأس.
الكتاب الملقى على أرضية الغرفة يشير إلى طبيعة مزاجه في هذه اللحظة. يبدو مريضا عاجزا.
يعرف أن السنين تمضي بسرعة وأحلامه الكبيرة لا يبدو أن شيئا منها يتحقّق.
المرأة، زوجته، تقف قبالة النافذة.
تنظر إلى القفص الصغير في الزاوية، حيث يقبع طائر في قفصه الذهبي.
زجاج النافذة يكشف عن مجموعة من النساء والرجال المنهمكين في أداء رقصة في الهواء الطلق. المنظر يحرّك مشاعرها ويثير رغبات كامنة في نفسها.
"ما أجمل الحرّية"! تقول. "القفص في نهاية الأمر هو سجن، حتى لو كان من ذهب".
الجمع في الخارج يبدون في غاية المرح والانطلاق.
تستوقفها ملامح المرأة التي تضمّ طفلها إلى صدرها بحنان أمومي ظاهر.
لكم تمنّت هي أيضا أن تُرزق بصبيّ بعد كلّ هذه السنوات التي أعياها خلالها الانتظار والقلق.
في الخارج يبدو الجوّ مختلفا كثيرا. فيه انطلاق وعفوية وأمل.
تحدّق في القفص الذهبي بتلهّف وأسى.
تدرك في أعماقها أن الطائر السجين هو رمز لحرّيتها المفقودة.
تقارنه بالطائر الآخر الذي يحلّق في السماء بحرّية وكأنه مستمتع، هو أيضا، بمرح الحياة أسفل منه.
تتمنّى لو استعارت جناحيه لدقائق كي تُلبسها لأحلامها.
الزوج لا يبدو مكترثا بالمشهد في الخارج ولا يعنيه ما تفكّر به زوجته.
المجوهرات المتناثرة بإهمال على الأرضية لا تعنيها ولا تثير اهتمامها.
كانت دائما تؤمن أن قدر الإنسان أن يساير الظروف وأن يصبر ويتحمّل الألم. لكنها الآن تعرف في أعماق نفسها أنها هي من تمتلك قرارها وأن عليها أن تقبل المخاطرة كي تغيّر من واقعها.
تقول لنفسها: كيف لإنسان أن يضحّي بحرّيته طواعية مقابل أمان موقّت أو طمأنينة زائفة؟
لكن ما يزال في الوقت متّسع لأن تدرك أن الإنسان لا يعيش سوى مرّة واحدة. وأن نوعية الحياة التي نحياها هي نتيجة طبيعية لأفكارنا وأفعالنا.
وأن الحياة في ظلّ الألم والمعاناة إلى ما لا نهاية ليست قدرا محتوما إذا ما امتلك الإنسان من قوّة الإرادة والعزيمة ما يعينه على تجاوز الواقع وتحقيق الحلم.


حبّ مستحيل


كلّ ما تريده هو أن تحبّه.
هكذا ببساطة.
دون عقبات أو مظاهر أو طقوس درامية.
وكلّ ما يقف في طريقها هو تمنّعه.
إنه يبدو مثل حيوان ضلّ طريقه ويتعيّن استدراجه إلى حيث الأمان.
لذا، هي تجذبه إليها حتى وهو مصرّ على الابتعاد.
إنهما عالقان دائما في هذا الصراع العاطفي المضني.
وهنا تكمن السخرية القاسية.
فهذا آخر شيء تريده.
وفي رغبتها بأن تنمّي حبّه وترعاه، فإنها تقتل ذلك الحبّ.
إن حبّهما مجلّل بالخيبة والحزن. ومع ذلك، لا يبدو أن أيّا منهما راغب في أن يموت الحبّ مِيْتة طبيعية.


الخطوة الأولى


"لا أقصد إهانة أحد". تقول وهي تستدير مبتعدة.
"كلّ ما في الأمر انه لم يعد بإمكاني القيام بذلك بعد الآن. ولم يعد لديّ طاقة لأن أشرح نفسي لكم بأكثر مما فعلت".
ترتجف قليلا وهي تبدأ أولى خطواتها، مدركة أنها تتخذ أصعب خطوة لها على الإطلاق.
خطوة لن يقدّرها أحد. وأهميّتها أبعد من أن يفهموها أو يستوعبوها.
ولسوف يستمرّون في النظر إليها من خلال عيونهم التي تخيّم عليها ظلال تجاربهم الخاصّة.
إنها تدرك هذا. لكنها لم تعد تكترث به. أو بالأحرى لا تكترث له كثيرا.
لقد وصل بها اليأس إلى النقطة التي يتعيّن عليها أن تواجه الأمور بشجاعة وحسم.
لا يمكنك أن تستمرّ في موازنة قراراتك استنادا إلى ما سيفكّر به الآخرون أو ما سيقولونه أو تبعا لطبيعة ردود أفعالهم.
لا يمكنك أن تحتفظ بخططك وأحلامك سرّاً لمجرّد أن ردود فعلهم ستكون سلبية. هم سيظلون سلبيّين دائما حتى تثبت أنهم على خطأ.
لكن كيف يمكن أن تثبت أنهم مخطئون؟
تماما مثلما فعَلتْ: باتخاذ الخطوة الأولى الشجاعة.
ليس معنى الخطوة الأولى أن تواجههم أو أن تصرخ في وجوههم أو تحاول إيذاءهم. الخطوة الأولى لا علاقة لها بمثل هذه الأمور.
إنها مسألة اكتشاف من أنت تحت طبقات السلبية التي تغلّفك.
انظر إلى نفسك ككيان منفصل وكامل. تحمّل المسئولية. وعِشْ!
إنها تواصل خطواتها وسط همسات الغضب والحنق.
هي تعرف أنهم سيتكلّمون وسيلاحقونها بالقيل والقال.
غير أنها مستمرّة في طريقها.
من غير الواضح إلى أين هي ذاهبة. بيد أنها ذاهبة بثقة.


أزمة هويّة


تتساءل عن أيّ جانب من نفسها يعرفه الناس أكثر من غيره.
هل هو الجانب الذي تُظهِره دائما كي تغطّي به ضعفها؟
إنها تداري قلّة ذكائها بمفردات تصوغها بعناية وبأسلوب متحذلق.
وكثيرا ما تتحدّث عن عيوب الآخرين أملا في أنها بذلك تمنعهم من رؤية عيوبها.
لكن هل تعترف هي بعيوبها؟
أم أن تلك العيوب توارت تحت القناع الضبابي للشخصية التي اخترعتها لنفسها؟
الحقيقة أنها كانت تشعر دائما أنها غبيّة ومملّة.
فمحاولاتها في الحديث كثيرا ما تفشل.
وملامحها ليست مثل ملامح تلك الفتاة المذهلة التي تقطن في الجوار.
لذا خلقت جانبا آخر من شخصيّتها. وقد وجد الآن فرصته للظهور.
هذا الجانب الآخر أصبح يُحكِم قبضته على هيئة كائن أنثوي متوحّش ومن أسوأ نوع.
نسيَتْ من كانت أصلا: الفتاة الغبيّة المملّة، أم هذا الوحش الذي يريد تمزيق الآخرين كي لا يستطيع أحد آخر إخفاءه أو حجبه.
أفكارها مشوّشة، تائهة ومضطربة.
لا تعرف حتى ما الذي كان يزعجها من الأساس: ألأنها مملّة؟ لطيفة؟ جميلة بأكثر مما ينبغي؟
من الجيّد أنها باتت تفكّر في هذا الآن.
لو أنّها فقط تتذكّر ماذا كانت.
لو أنها تتوقّف عن رؤية هذه الصورة السلبية عن نفسها.
أصبح الأمر أشبه ما يكون بـ "نيغاتيف" صورة. فما كان بالأمس ابيض صار اليوم اسود. والغباء تحوّل إلى ذكاء. والطِيبة أصبحت الآن شرّاً.
لكنها مع ذلك تستطيع أن تجد طبيعتها الحقيقية مرّة أخرى إذا حاولت.
وإذا أحاطت نفسها بالكثير من البساطة والعفوية والمرح.


ظلال الماضي


هو منهمك في عزف لحنه الغرامي، بينما هي ترسل نظراتها بعيدا.
إنه يحسّ بالإطراء، ظنّاً منه أنها ضائعة في النغم.
في الحقيقة، هي لا تستطيع حتى أن تسمح لنفسها بالنظر في عينيه.
ذلك لأن أفكارها مع شخص آخر.
تذكّرتْ صوتا آخر في لحظة أخرى.
ذلك الصوت، تلك العينان، تلك النغمات ما تزال تسكن قلبها.
انه الحبّ الأقوى، لأنه لم يكن يطلب مقابلا.
والحبّ الأكثر جاذبية، لأنه لم يتحقّق!
لذا تقف بتصنّع.
تستمع إلى نغمة لا تستحقّها، ولن تقدّرها. لكنها لبقة ومجاملة بما يكفي لئلا تجعله يعرف أن أغنيته تتضاءل كثيراً أمام تلك التي ما تزال ترنّ في ذاكرتها.

Credits
victorianweb.org
wikipedia.org