:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, September 23, 2009

مراحل الحياة

في هذا العصر، ازداد متوسّط العمر المتوقّع للإنسان من الجنسين ليبلغ أحيانا السبعين عاما. وربّما لهذا السبب، فإننا لا نميل إلى التفكير كثيرا في الحياة والموت.
لكن عندما يقترب الإنسان من سنّ الأربعين، فإن مثل هذه الأفكار تصبح أكثر حضورا. طبعا من المستحسن، وبصرف النظر عن العمر، أن لا ندع مثل هذه الأفكار تهيمن على تفكيرنا أو تفسد علينا أوقات صفونا.
لكن قبل مائتي عام، أي عندما كان ابسط الأمراض يهدّد بوضع نهاية مبكّرة لحياة الإنسان مهما كان عمره، فإن هذه الأفكار التي تتناول هواجس الحياة والموت كانت أكثر شيوعا وانتشارا.
كان الناس وقتها يشعرون بأن لا سيطرة لهم على أمور صحّتهم وحياتهم. لذا كانوا يميلون إلى فلسفة الأمور ويناقشون مكان الحياة والموت في الخطّة الكبيرة التي وضعها الخالق للأشياء.
كان كاسبار ديفيد فريدريش رسّام طبيعة ألمانيّاً عاش في بدايات القرن التاسع عشر. ويبدو، من خلال طبيعة لوحاته، انه لم يكن يفكّر في شيء آخر غير الحياة والموت.
ولد فريدريش عام 1774 لأب كان يعمل في صنع الشموع. ورغم انه ولد في بوميرانيا على ساحل بحر البلطيق، إلا انه نشأ في دريسدن بألمانيا حيث تلقّى تربية بروتستانتية صارمة أفسدتها في بواكير حياته حادثة مأساوية تمثّلت في سقوطه في إحدى البحيرات الجليدية.
وقت الحادثة، هبّ شقيقه الأكبر لإنقاذه. غير أن الشقيق مات غرقا أثناء تلك المحاولة. وكان لموت شقيقه المفاجئ اثر عميق عليه لازمه حتى نهاية حياته. كان فريدريش شخصا مكتئبا وحزينا بعمق. وقد آثر حياة الوحدة إلى أن بلغ الأربعين من عمره عندما قرّر أن يتزوّج من فتاة تصغره باثنين وعشرين عاما حملت له في ما بعد بثلاثة أطفال.
قضى فريدريش حياته كلّها في ألمانيا ورسم فيها لوحاته عن الطبيعة ذات التفاصيل الدقيقة والمحمّلة بالرموز التي كان دافعها إدراكه العميق لحتمية الموت.
لوحته مراحل الحياة رسمها في العام 1835، أي قبل وفاته بخمس سنوات فقط. ورغم انه رسم جميع لوحاته من مخيّلته، إلا انه استند فيها على اسكتشات من مواقع فعلية.
في هذه اللوحة يرسم فريدريش شاطئ ميناء غرايفسفالد حيث ولد. وقد رسم خمس سفن تقف على مسافات مختلفة وتمثل مراحل الحياة.
ساري السفينة الوسطى التي تواجه الناظر يشكّل علامة الصليب الذي يرمز إلى الإيمان الديني العميق عند الفنّان. وعلى الشاطئ يقف رجل عجوز يتوكّأ على عصا وظهره إلينا. العجوز هو الرسام نفسه، وهو يمثل الشيخوخة. وعلى مقربة منه يقف شابّ يرتدي قبعة هو ابن أخيه الذي يمثّل مرحلة النضج.
وخلفهما يلهو مجموعة من الأطفال على الشاطئ بينهم فتاة شابة هي ابنته الكبرى، وتمثّل مرحلة الشباب. والى جوارها يظهر طفلان يلعبان بعلم هما طفلاه الأصغر سنّا، ويمثّلان مرحلة الطفولة.
اللوحة بسمائها الذهبية المضيئة والغيوم التي تأخذ لون أزهار الخزامى توفّر منظرا يثير الهدوء والسكينة.
ومع ذلك، عندما تتأمّل اللوحة أكثر لا بدّ وأن يساورك شعور بالحزن وأنت تراقب السفن التي ترمز إلى الحياة وهي تبحر بعيدا باتجاه الغروب. "مترجم".

No comments: