:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, October 29, 2009

ليلة مع بيكاسو


منذ أيّام قال لي صديق إنه فرغ للتوّ من بناء منزله الخاص بعد طول انتظار وانه منشغل هذه الأيام باختيار أثاث مناسب للمنزل الذي كان حلما ثم أصبح حقيقة.
طبعا فرحت للخبر كثيرا وباركت له هذا الانجاز الذي اعتبره انجازا تاريخيا عظيما. فامتلاك منزل عندنا أصبح الآن بالنسبة للكثيرين حلما بعيد المنال. بل إن بعض الناس توقفوا حتى عن الحلم بامتلاك منزل، بسبب مافيا العقار الذين أطلقت أيديهم للتحكّم بالسوق والذين يبدو أن لا همّ لهم سوى تدمير أحلام البسطاء وتنغيص حياتهم.
قال: أعرف ما ستقوله، وأعرف حرقة الكثيرين وخيبة أملهم من الواقع. لكن لا تنس أن البيت بالتقسيط، وأغلب الظنّ أنني سأستمرّ في دفع الأقساط لعشرين سنة قادمة.
قلت: يا عزيزي، استمتع باليوم الذي أنت فيه ولا تفكّر في ما سيأتي به الغد. عش فقط لحظتك الراهنة وحاول أن تكون سعيدا وأن تسعد من هم حولك ولا تثقل على عقلك بالتفكير في المستقبل، لأن الله وحده يعلم الغيب كما انه لا ينسى أحدا من عباده.
قال: ونعم بالله. لكني أريد رأيك في إضفاء بعض اللمسات الفنية والجمالية على غرف الجلوس والصالات وغرف النوم، خاصّة وأنا أعرف شغفك بالألوان والرسم. وأضاف: لا أخفيك أنني أحيانا أغمض عيني وأتخيّل هذه الجدران وقد تمدّدت فوقها اللوحات والرسومات التي تسرّ العين وتبهج الخاطر.
قلت وأنا اضحك: أخشى أن تكون قد اخترت الشخص الخطأ لهذه المهمّة. ومع ذلك فالمسألة تعتمد على ذوقك أنت في المقام الأول وعلى ما الذي تريد أن تراه في بيتك.
لكن لو كان لي أن اختار لاخترت بعض مناظر الطبيعة الصامتة، وفي السوق منها شيء كثير. عندك أيضا بعض لوحات بيكاسو وفان غوخ. ألوانهما جميلة وتشكيلاتهما مريحة للعين والأعصاب. وهناك نوع آخر من اللوحات وهو ذلك الذي يصوّر ملامح من الثقافة المحلية من تراث وبيوت وآثار قديمة وما إلى ذلك.
استرسلنا في الحديث طويلا وناقشنا عددا من البدائل. وفي النهاية اقترحت عليه أن يوفّر على نفسه الجهد والوقت ويستعين بخبير ديكور يفهم في هذه الأمور جيّدا ويتقاضى أجرا معقولا لقاء عمله.
وتذكّرت مقالا طريفا كنت قرأته منذ بعض الوقت عن المتعة البصرية التي يحققها الإنسان عندما يتعايش مع الفنّ جنبا إلى جنب في بيئته الخاصّة والحميمة.
وقد أشار الكاتب إلى أمثلة لأشخاص مهمّين من ملوك ونبلاء وأمراء كانوا يحتفظون في غرف نومهم بلوحات لا يمكن أن تخطر على بال احد، فضلا عن أن يتحمّل إنسان رؤيتها كلّ يوم.
احد النبلاء الأوربيين، مثلا، كان يحتفظ في غرفته نومه بـ لوحة كبيرة لفنّان عصر النهضة الايطالي باولو اوتشيللو يصوّر فيها جانبا من معركة تاريخية.
وآخر كان يعلّق في غرفة نومه النسخة الأصلية من لوحة تيرنر المشهورة التي يصوّر فيها عبيدا يلقي بهم ربّان إحدى السفن في البحر وهم أحياء.
طبيعة ذوق الإنسان ومزاجه هي التي تحدّد نوعية الفنّ الذي يريد وضعه في بيته أو مكان سكنه.
الطريف أن الشخص الذي كان يمتلك لوحة تيرنر عبّر في ما بعد عن انزعاجه من اللوحة وأمر ببيعها بعد أن عاش معها وألفها فترة من الزمن.
وهناك اليوم في العالم نوعية جديدة من الفنادق التي تتنافس على تزيين غرف نوم نزلائها بلوحات ورسومات حديثة توفّر لضيوفها، وهم في الغالب من المليارديرات ورجال الأعمال، فرصة النوم مع عمل فنّي يكون جزءا لا يتجزّأ من جوّ الديكور وطريقة الإضاءة ونوعية الأثاث والألوان.. إلى آخره. وبعض تلك الفنادق تحوّلت إلى ما يشبه المتاحف لكثرة ما تحتويه من أعمال وتحف فنية.
في جزيرة صقلية، مثلا، هناك فندق تاريخي يشبه القلعة الفخمة وكان مقصدا للعديد من مشاهير الموسيقى والأدب والفنّ الذين أقاموا فيه واستلهموا بين غرفه وردهاته المفروشة بالرخام بعض أشهر أعمالهم.
والذين زاروا هذا الفندق وأقاموا فيه ورأوا الجداريات التي تزيّنه يقولون إن المشي في ممرّاته وصالاته الرحبة يجعل الإنسان يتخيّل انه محاط بأشباح وأنفاس من سكنوا المكان في الماضي.
وبعض النقاد الآن يعتقدون أن الفنّ الحقيقي يمكن رؤيته في القصور التاريخية القديمة أكثر مما هو موجود في الصالات الحديثة التي تشعّ بالأضواء المبهرة والأصوات الصاخبة.
أحيانا افهم أن يدفع شخص ميسور الحال مبلغا كبيرا من المال لكي يقول لأصدقائه مفاخرا انه دفع مبلغ كذا وكذا كي ينام ليلة مع بيكاسو أو رينوار أو فان غوخ في الفندق أو المنتجع الفلاني.
لكن هناك نوعية خاصّة من الأعمال الفنية التي، على الرغم من قيمتها الإبداعية والتاريخية، يصعب وأحيانا يستحيل أن يفكّر احد بتعليقها أو نُسَخ منها في منزله وعلى مرأى من زوّاره وضيوفه.
تأمّل مثلا هذه اللوحات الثلاث!
واقع الحال يقول إن صالات المتاحف والغاليريهات العامّة هي المكان المناسب لمثل هذه الأعمال التي لا تجلب رؤيتها سوى الانزعاج والكدر.
في هذه الأيّام، يمكنك أن تجد الفنّ في كلّ مكان تقريبا. وما يضعه الإنسان في بيته أو مسكنه من أشكال الزينة والأعمال الفنية هو في النهاية انعكاس لنوعية مزاج الشخص وذوقه وطريقة تفكيره.

8 comments:

MuSe Sphere said...

i still can not swallow the idea that people pay millions of dollars for any kind of art while millions of people die everyday. sorry, seems like i'm ruining your piece, but i don't mean it.
maybe cuz i'm one of those who stop dreaming of owning a house ,i can not see the beauty of amazing pictures in the house, i guess when i have one then i would think of art.
btw, congratualtions to your friends :)

Prometheus said...

Muse,
In principle, I agree totally with you.
Please note that the friend I was talking about is a very simple person, just like us. He was not talking about original art pieces worth millions of dollars. He only wants reproductions which everybody can acquire from the market for no more than 300 riyals each.
Thanks again and happy birthday to you.

Omar said...

اتذكر وانا صغير لوحه في صدر مجلس احد الأقارب الميسورين الحال، كانت لوحه بسيطه جدا، مربع احمر في الركن السلفي من اللوحه ورسم بالفرشاه على شكل علامه (فاي) باللون الأرزق وكان كثيرا يحدثنا عن ان هذه اللوحه غالية الثمن رسمها فنان فرنسي مشهور وقد وصلت إليه كهديه من أحد الدبلوماسيين الفرنسيين في الرياض.
صحيح أننا لا نفهم في الفن كثيرا لكن تلك اللوحه لاتستحق حتى أن تكون دواسه أحذيه!!!
لا أزال أصر أن الفن ابن البيئه واجمل فن هو ما يشبه المكان الذي تنتمي له وفنجان قهوه مزخرف اجمل عندي من عدد كبير من اللوحات التي تتصدر الحيطان لذلك وصل تباريكي الحاره لصديقه بمناسبه منزله الجديد وقل له أن يزرع نخله على الأقل!!
تحياتي

Prometheus said...

أهلا عمر.
وشكرا لك على تعليقك الطريف.
أوافقك في كلامك عن ارتباط الفن بالبيئة المحلية. لكن حتى المواضيع المستمدّة من الواقع الخاص للفنان قد يعبّر عنه أحيانا بأساليب غير واقعية.
قبل أيام كنت اقلّب صفحات تقويم خاصّ بإحدى الشركات الخدمية طبعته ووزّعته كدعاية لها.
وقد رأيت فيه لوحات جميلة لرسّامين سعوديين يصوّرون فيها بعض سمات بيئتنا المحلية.
الغريب أن الأجانب المقيمين عندنا تستهويهم مثل تلك اللوحات كثيرا ويبحثون عنها ولا يتردّدون في شرائها بأسعار قد تبدو أحيانا مبالغا فيها.
تحيّاتي لك.

Anonymous said...

السلام عليكم
تحية محبة وتقدير
هناك لي ملاحظة حول لوحتين ورد ذكرهما في الموضوع
لوحة تيرنر ولوحة اوتشيللو ليس فيهما كما ارى ما يمنع م تعليقهما في غرفة النوم
لانه ليس فيهما ما يخيف. يبدو لي ان اللوحتين قدما تصويرا فولكلوريا اكثر من كونه واقعيا ومرعبا للمأساة وللحرب ومن هنا لا اظن ان فيهما ما يخيف وبالتالي ما يمنع من تعليقهما في البيت
لكني قد اتفق مع الرأي الذي يقول ان الموضوع بحد ذاته يكفي ليصرف الانسان عن التفكير في شراء اعمال فنية عن الموت او الكوارث والحروب
اليوم امتعنتني الموسيقى كثيرا برغم حزنها ومسحة المأساة التي تغطي صوت الكورس والموسيقى. اعتقد ان الموسيقى تتناسب كثيرا مع موضوع جزيرة الموت
اشكرك يا صديقي على كل هذه المتعة والفائدة

سلااااااام

ابو سنان

Arpy Asmar said...

مكنك أن تجد الفنّ في كلّ مكان تقريبا. وما يضعه الإنسان في بيته أو مسكنه من أشكال الزينة والأعمال الفنية هو في النهاية انعكاس لنوعية مزاج الشخص وذوقه وطريقة تفكيره.

بالضبط

شكرا لك
أربي اسمر

Prometheus said...

ابو سنان
شكرا جزيلا لك على المشاركة الجميلة وعذرا لأنها فاتتني في حينه. أهلا وسهلا بك دائما.

Prometheus said...

اربي
صحيح تماما ما كتبته. فكر الإنسان ورؤيته عن الحياة والناس ونظرته لوظيفة الفن هي التي تحكم اختياراته وذوقه الفني في نهاية الأمر. تحياتي لك.