:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, November 23, 2009

ألعابنا حروب وحروبنا ألعاب

تابعت جانبا من التراشق الإعلامي بين كلّ من مصر والجزائر بعد مباراة فريقيهما الأخيرة في الخرطوم.
وما سمعته ورأيته على شاشات التلفزيون من صنوف السباب والشتائم جعلني اشعر بالخزي والخجل من كوني عربيّا. وتساءلت: هل هذه هي فعلا الشعوب العربية التي يُعوّل عليها في بناء أوطانها والإسهام في رفعة أمّتها، إلى غير ذلك من الكليشيهات التي نردّدها صباح مساء في أحاديثنا اليومية؟
شيء غريب حقّا أن تتحوّل مباراة تافهة في كرة القدم إلى قضية وطنية تُحشد لها الجموع المغيّبة ويُجنّد من اجلها الساسة والمسئولون ورجال الدين وتذيع لها محطّات التلفزة والإذاعات أغاني وطنية لم يعد احد يسمعها منذ السبعينات، وذلك من اجل شحن الجماهير وتهيئتها لملاقاة العدوّ في هذه المعركة المصيرية الكبرى؟!
المفارقة الهزلية أن الجانبين منخرطان في هذا النزاع حتى وهما يعلمان انه ما من فريق عربي وصل إلى كأس العالم إلا وكان نصيبه ركلة في مؤخّرته يخرج على إثرها من المنافسة ومن أوّل مباراة. فما الداعي لكلّ هذه الفوضى والشوشرة؟!
هذه الجماهير الحاشدة من الهمج والغوغاء نسيت جميع همومها ومشاكلها وانطلقت تحت تأثير الإعلام الموتور والمنوّم لتكشف عن نزعاتها البدائية وغرائزها الشوفينية، في حين أنها لا تحرّك ساكنا في قضايا أهمّ وأولى، بل ولا تجرؤ على أن تحتجّ أو تتظاهر للمطالبة بأبسط حقوقها المحرومة منها في أوطانها.
لقد ثبت أن الكرة ليست أكثر من مخدّر، مثلها مثل الدين والافيون والإرهاب، تستخدمه السلطة من اجل ترحيل أزماتها الداخلية إلى الخارج ولكي تصرف الناس عن همومهم الأساسية وتستمرّ هي في احتكارها للسلطة والثروة.
الكتّاب وأصحاب الأقلام الصفراء من الجانبين نزلوا إلى ساحة المعركة كي يصبّوا المزيد من الزيت على النار ويؤجّجوا نيران الحقد والكراهية لأجل مباراة كرة كان يمكن أن تمرّ وينساها الناس مثل غيرها، لولا الشحن السياسي والإعلامي المبرمج الذي يهدف إلى تزييف وعي الناس وتغييب عقولهم.
حرب البسوس الكروية تسبّبت أيضا في وقوع مآسٍ إنسانية مؤلمة مثل قصّة المواطنة المصرية التي طلّقت زوجها الجزائري لأن تحليله للمباراة لم يكن حياديا ولا منصفا، ولأنه شكّك في قدرات لاعبي مصر ومهاراتهم العالية.
منتديات النقاش الاليكتروني العربية تناولت بدورها الحدث من زوايا مختلفة ومتباينة.
احد المعلّقين قال: أحمد الله انه ليس بين الجزائر ومصر حدود مشتركة وإلا لوجدنا أنفسنا اليوم في أتون حرب حقيقية، ليس ضدّ إسرائيل وإنّما بين بلدين عربيين شقيقين".
وقال آخر: ما حدث اثبت مرّة أخرى أن العرب شوفينيّون حتى النخاع ومولعون بقطرياتهم الضّيقة وما يزالون يعيشون خارج منطق العصر".
وكتب ثالث يقول: من المحزن أن الوطن صار يُختزل في انتصارات الكرة الوهمية التي يجري تسييسها من قبل نخب سياسية ديكتاتورية ومتخلّفة لا تملك ما تعطيه للحضارة الإنسانية غير التطرّف الديني والهوَس الكروي".
وشبّه آخر ما حدث بحفلة الزار الجماعية التي ستستمرّ إلى أن يخرج عفريت الخلافات من الجسد العربي".
وبعض التعليقات لم تخلُ من طرافة رغم كونها مؤسفة. احد المصريين قال مخاطبا الجزائريين قبل المباراة: إن لم تكونوا قد سمعتم بلعنة الفراعنة فسنريها لكم في الملعب. وبعدها يمكنكم أن تذهبوا لتتفرّجوا على الأهرامات".
وردّ عليه جزائري مهدّدا ومتوعّدا بقوله: لقد سبق لـ شاشناق ملك البربر أن هزم الفرعون رمسيس لعنه الله. ويظهر أن التاريخ يعيد نفسه".
وقال مصري آخر: الجزائريون أناس عنيفون بطبيعتهم. والكثير من الجرائم التي تحدث في أوربا يرتكبها مواطنون جزائريون".
وكتب مواطن جزائري يقول: لقد تمّ تحطيم خرطوم مصر في الخرطوم وبخرطوم الجزائريين"!
وفي غمرة هذا الخلاف الدونكيشوتي المضحك والمؤسف معا، ظهرت بعض التعليقات العاقلة والرصينة التي تصف ما يجري محاولةً وضعه في إطاره الطبيعي والصحيح.
كاتب مصري كتب يقول: من المؤكّد أن الإنسان العربي يعاني من الشحن والكبت. وهو يريد انجازا يستطيع أن يفاخر به بعيدا عن حكمة الرؤساء ونظرياتهم".
وقال آخر: هذه المظاهرات قد تكون في حقيقتها تعبيرا عن تعطّش الناس إلى الحرّية وتوقهم للخلاص من الاستبداد. وقد يكون ما رأيناه مجرّد بروفة تحضيرية لمظاهرة اكبر لم يحن أوانها بعد".
وكتب ثالث: إن أغرب ما نجحت هذه الحرب الإعلامية الضروس في إخفائه هو حقيقة أن المصريين لا يعرفون شيئا عن الجزائر، كما أن الجزائريين لا يحملون تجاه المصريين أيّ مشاعر خاصة. ونحن أمام حالتين، بلد منشغل بفقره وبلد آخر غارق في عنفه الداخلي. لكنهما يشتركان في الفساد وفي غياب الديمقراطية وانعدام الحرّيات السياسية والحقوق الإنسانية".
غير أن أفضل ما قرأته في وصف هذه الحالة هو ما قاله احد الصحافيين المصريين عندما كتب يقول: من المؤسف أننا، نحن العرب، ننفرد من بين شعوب العالم كافّة بخاصّية فريدة، وهي أننا نحوّل ألعابنا إلى حروب وحروبنا إلى العاب. وإلا كيف يمكن للإنسان أن يفسّر أن بضعة آلاف من المهووسين والمجانين والغوغاء يمكنهم أن يثيروا كلّ هذه المشاكل ويتسبّبوا في إحداث كلّ هذا الخراب الذي نراه هذه الأيّام؟!
وقائع هذه الحرب السفيهة والتافهة ما تزال مستمرّة على شاشات التلفزيون رغم انقضاء أيّام على المباراة. ومن أعجب الأشياء التي سمعتها أن يطالَب رجال الدين بالتدخّل لإصلاح ذات البين وتهدئة النفوس، في الوقت الذي تواصل فيه كتيبة كاملة من أكثر من عشر محطات تلفزيونية إذكاء وتأجيج نار الخلاف والكراهية.
رجال الدين ممّن يُسمّون بـ "الدعاة المودرن" كان لهم حضور واضح في هذه المعمعة. احدهم قيل انه كان يزور اللاعبين يوميا قبل المباراة كي يشحذ هممهم ويبثّ الحماس في قلوبهم مذكّرا إيّاهم بمعجزات بدر وأحد. وبعد الهزيمة ظهر نفس الشيخ على التلفزيون محاولا تهدئة الجماهير وليبشّرها بما اسماه ثواب الصابرين!
بعد هذه الأحداث الغريبة والمؤسفة، أخشى انه سيأتي يوم يتعيّن فيه إقامة مباريات الكرة بين الفرق العربية على ارض القطب الشمالي أو في بلد ناءٍ يتعذّر على هذه الجماهير الجاهلة والغبيّة بلوغه أو السفر إليه. وبذا يرتاحون ويريحون الآخرين من حماقاتهم وشرورهم.



7 comments:

MuSe said...

قلتها و ساقولها مرارا , بعد المهزلة التى حدثت بسبب المصيبة الكبيرة-معليش اقصد المباراة- فلن اتساءل يوما لماذا تقوم الحروب!! كم نحن جهلة و متعصبون اعمياء

ولكن شيء واحد جميل ظهر من هذه الازمة و هو سقوط الشعارات الزائفة التي كنا و مازلنا متعلقين بها, الم يقول العراقيون انهم يذبحون العلوج وصدقهم الجميع بينما كان العلوج على الابواب

Anonymous said...

سلام عليكم ورحمة الله
انا مثلك احس بالالم والحزن على ما حدث في السودان
لكن ماذا تنتظر من هؤلاء الطراطير غير ما فعلوه
يا اخي طول عمري وانا اقول ان لاعبي الكورة هم حثالة البشر وخلاصة الجهل والتخلف والفشل في أي مجتمع
وترى الجماهير مثلهم تماما يعني ليسوا اكثر من جماعة من الصيع والخايبين والبلطجية
واحب ازيدك من الشعر بيت ترى بعضهم أي الجمهور مجرمين حقيقيين واصحاب سوابق بدليل ما يفعلونه اثناء وبعد المباريات الكروية
الجزائر ومصر بلدان شقيقان لكن مصر يمكن ان تكون اقرب لنا عاطفيا ووجدانيا بحكم العامل الجغرافي بس يا اخي لو اخواننا المصريين يتخلون قليلا عن شعورهم بالفوقية على باقي العرب
الان هناك عواصم عربية فيها اعلام وفكر وحركة نشر وكتب احسن من مما هو موجود في مصر
ونحن الان في عصر مختلف عن فترة الستينات والثقافة انتقلت الى الاطراف ولم تعد مرتكزة في الوسط مثل السابق وهذه حقيقة يجب ان ينتبه اليها احبابنا في مصر
وبعدين ماذا يعني ان تنهزم مصر في مباراة كورة اذا البرازيل اللي اطلق من لحاهم عشر مرات وافضل منهم في اللعب مئة مرة انهزمت مرارا وتكرارا وما شفنا من البرازيليين كل هاللطم والنياحة التي نشاهدها اليوم في القنوات المصرية
صحيح ليس هناك من يتفق مع اعتداءت الجزائريين على المصريين لكن اتمنى عليك ان تشاهد هذا الرابط لتعرف كيف تنامى غضب الجزائريين وكبر واشتد وتراكم مع مرور الايام
هذا الفيديو يبين لاعب مصري بلطجي واهبل اسمه حسام حسن نازل في ملعب جزائري بعد مباراة للفريقين انهزم فيها المصريين وهات يا بصق وسب وتكسير ولكم في وجوه الجزائريين الذين هو عندهم ضيف ثم ختم المدعو حسام سفالته بعمل حركة داعرة وبذيئة من يده تجاه الجمهور الجزائري
انظر هنا واحكم بنفسك
http://www.youtube.com/watch?v=D2SX2OwzX8k
صحيح ان اخواننا الجزائريين عنيفين خلقة يمكن ما شذ منهم الا احلام مستغانمي
لا تنس انهم دخلوا ثورات كثيرة وفي الخمس سنوات الاخيرة كانوا يذبحون بعضهم في الجبال مثل الغنم وسالت دماء كثيرة عندهم كالانهار
انا حقيقة مندهش لماذا بعض القنوات التي يملكها سعوديون اصبحت مرتعا لعمر اديب وشلته يستخدمونها للتهجم على الاخوان الجزائريين ونعتهم بشتى الاوصاف المبتذلة والمنحطة
والله هالشيء محيرني فعلا ما علاقتنا بهذه الهوشة اذا كان الجزائريون والمصريون يريدون يضربون في بعض طيب خلهم يتهاوشون على راحتهم وعلى قولة الشوام والفلسطينيين فخار يكسر بعضه لكن خلونا بعيد ومحايدين لانه لا ناقة لنا ولا جمل في الموضوع او كما قيل لا الحصان حصاننا ولا السرج سرجنا
سلااااام

ابو سنان

Prometheus said...

Muse
معك حق، للأسف كلّنا حمقى ومتعصّبون إلا من رحم ربي.
وربّك يزيّن الحال.
تحيّاتي.

Prometheus said...

ابو سنان
استطيع أن أتفهّم الكثير مما كتبته والتمس لك العذر في كونك غاضبا وحزينا.
شاهدت الرابط وتأسّفت كثيرا على تصرّف اللاعب المستهجن و اللامسئول. الغريب انه لم يسلم منه حتى رجال الشرطة ومع ذلك تركوه يمارس التكسير والتخريب والإهانة.
اعتقد انك تقصد قناة الاوربت، وقد سمعت فيها كلاما يندى له الجبين واحد المتحدّثين صدر عنه تحريض صريح بقتل الجزائريين في مصر. واتصور أن مثل هذه التصرّفات تمنعها القوانين ويجرّم أصحابها. لكن لا ادري، ربما الأمور في العالم العربي مختلفة عن بقية العالم.
تحيّاتي.

سالم العازمي said...

صحيح نحول العابنا الى حروب وحروبنا الى العاب.
والله حرام وعيب كل هذا بسبب لعبه حولوها لقضية راي عام
ذكروني بفلم لورنس العرب

Prometheus said...

الأخ سالم العازمي
شكرا جزيلا لك على اضافتك. وكل عام وانت بخير..
تحياتي.

Anonymous said...

المصريون مسكونون بجنون العظمة..
والجزائريون مسكونون بهاجس العنف..
والكرة تحمل في أحشائها بذور الصراع وشياطينه ..