:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, November 29, 2009

سونامي جدّة

قبل كارثة الأمطار بيوم أو يومين، داهمني شعور غريب لم أستطع فهمه أو تفسيره. حالة من التشوّش الغامض والمربك للحواسّ. كنت كمن يفتقر إلى هواء نظيف ومنعش يبدّد حالة التشتّت ويجدّد في العقل والنفس النشاط والعزيمة. وبعد سماعي لأخبار السيول في جدّة ربطت لا إراديا بين الخبر المفجع وبين ذلك الإحساس الغريب الذي لازمني.
ثم تذكّرت قصّة الشاعر البدوي القديم الذي زار جدّة فلم تعجبه ولم يطب له المقام فيها فأنشد فيها شعرا يعكس فيه سليقة البدويّ وبساطته وعفويّته عندما قال:
"جِعْل الحيا ما يجي جدة لو ربّعت كل الاوطاني. ديرة مجانين ومصدّة ما هي للاجواد مسكاني"!
لكن ما الذي يمكن أن يقوله الإنسان عن الحادثة بعد كلّ ما قيل وكُتب عنها في الصحف والمنتديات والمجالس؟ المشكلة أن التدوين في الشأن المحلي أصبح أمرا صعبا هذه الأيّام بل ومحفوفا بالمشاكل كما سمعت. لذا سأكتفي في تعليقي على مأساة جدّة بما سمعته من أفواه الناس ممّا قد لا يعكس رأيي الشخصي بالضرورة.
وبداية انوّه إلى أن الفساد والإهمال في جدّة أمر يعرفه القاصي والداني وهو لم يعد سرّا من الأسرار الخطيرة على كلّ حال.
لكنّ الجديد في الأمر، وهو ما لم نكن نعرفه قبل هذه المأساة، هو أن الفساد لا يعطّل التنمية ولا يصادر أحلام الناس فحسب، بل انه يمكن أيضا أن يتسبّب في قتل البشر وإزهاق الكثير من الأرواح المسالمة والبريئة.
إن من الأمور التي نعرفها جميعا أن الدولة لم تقصّر أبدا في دعم مشاريع البنية التحتية في كلّ مدن المملكة.
وجدّة، خاصّة، تستأثر بنصيب الأسد من المبالغ الهائلة المخصّصة لتنمية مرافقها وتجهيزاتها المختلفة. لكن المواطن لا يرى أثرا لذلك. وحال المدينة يسير من سيّء إلى أسوأ. فالشوارع مهلهلة، والطرق مكسّرة، وبعض الأحياء تظلّ بلا ماء لأسابيع، وشبكة الصرف الصحّي التي صُرف عليها المليارات تلو المليارات ما تزال لغزا يكتنفه الغموض.
إذن أين المشكلة؟ الانطباع السائد عند معظم الناس هو أن المشكلة تكمن في أن المليارات لا تُصرف في الوجوه التي رُصدت لها وإنما تذهب إلى جيوب حفنة من ضعاف النفوس الذين يستمتعون بأكل المال الحرام ويعتاشون على بؤس الناس ومعاناتهم.
في مطار جدّة، كان علينا أن ننتظر وصول الطائرة لأكثر من خمس عشرة ساعة. فجميع الرحلات إمّا تأجّلت أو ألغيت والكمبيوتر أصبح خارج الخدمة بعد أن غمرت السيول مبنى الحجز المركزي. وتكدّس المسافرون في صالة السفر الداخلي وشكّل بعضهم حلقات ودوائر صغيرة. وقد وجد البعض في هذه الحالة من الفوضى والارتباك مناسبة للاستظراف، فانتهزوا غياب موظّفي الخطوط حتى في مثل هذه الحالات الطارئة وفتحوا المايكروفونات الملحقة بطاولاتهم واستبدلوا إعلانات إقلاع وهبوط الرحلات ببثّ أغاني وأهازيج شعبية من خلال أجهزة هواتفهم النقّالة. بعض من كانوا موجودين استحسنوا ذلك التصرّف الغريب، بينما تعامل معه آخرون باستنكار واستهجان واضحَين. وقد أكبرت في إخواننا رجال الأمن ذكاءهم وحسّهم الحضاري وحسن تعاملهم مع ما حدث عندما نجحوا في إعادة النظام والانضباط إلى الصالة دون كثير جهد.
قسم آخر من المسافرين وجدوا في هذا الوضع فرصة للكلام والفضفضة. وطبعا كانت أخبار المطر والسيول والضحايا هي قضيّة الساعة وشغل الناس الشاغل. وقد سمعت احدهم يقول إن أوان إصلاح مشاكل جدّة ربّما يكون قد فات وأن المدينة التي مرّت بتجربة موت بطيء ومؤلم طيلة عقود قد تكون على موعد قريب مع حدث أكثر خطورة ومأساوية؛ مع سونامي من نوع آخر قد يرسم لها مصيرا لا يختلف عن مصير غيرها من المدن التي دمّرها الطوفان وابتلعتها الأرض. وأضاف: غير أن موت جدّة النهائي سيكون على أيدي بعض أبنائها العاقّين من أصحاب الضمائر الفاسدة والنفوس المنحطّة".
في البداية لم آخذ كلام الرجل على محمل الجدّ وظننته يبالغ ثم دعوت الله في سرّي أن لا تتحقّق نبوءته المشئومة وأن يشملنا الربّ بلطفه ورحمته. لكنّي تذكّرت ما سمعته من الكثيرين عن البحيرة الضخمة التي تتحفّز فوق احد الجبال مثل غول مفترس لا يمنعه من الانقضاض على المدينة سوى حاجز يزعم مسئولو البلدية والأمانة انه يكفي لمنع أيّ انهيار أو تسريب محتمل للبحيرة التي يتهدّد خطرها السكّان والبيئة بأفدح العواقب ممّا تحدّث عنه أساتذة الجامعات وخبراء الجيولوجيا في أكثر من مناسبة.
وقال آخر: جدّة مقامة على بحيرة سبخة ولو حفرت أرضها لما وجدت سوى الماء والملح. والكثير من المباني المنشأة حديثا طفح فيها الماء وانجرفت التربة حتى قبل أن ينزل المطر بسبب ضعف الأرض وسوء التخطيط. وأضاف: جدّة تكفيها مشاكلها الكامنة في طبيعة أرضها وليست بحاجة إلى الفساد وإقطاعيي الأراضي وشريطية العقار كي يأتوا على البقيّة الباقية منها".
ترى هل سيُحاكَم المسئولون عن كارثة السيول ممّن حوّلوا عيد أهالي جدّة إلى مأتم؟ هل نتعلّم من الأخطاء؟ هل يكون عندنا قريبا مجلس نيابي منتخب بأنياب ومخالب كي يحاسب ويستجوب ويسائل كلّ من سرق أو نهب أو خان الأمانة؟
هذه هي بعض الأسئلة التي تردّدت على ألسنة الناس في الأيام القليلة الماضية وفي أذهانهم الصور المروّعة للكارثة. وكلّ صورة من تلك الصور تصلح لأن تكون شهادة حيّة على ما يمكن أن يجلبه الفساد والتسيّب والإهمال من مصائب وأهوال.
وأخيرا، دعاء من القلب بأن يحفظ الله وطننا من كلّ مكروه وأن يتقبّل الشهداء في واسع رحمته وأن يلهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان.

مقالات عن الكارثة: محمّد الرطيّان، عبد الرحمن اللاحم، تركي الدخيل



6 comments:

Anonymous said...

دعاء من القلب بأن يحفظ الله وطننا من كلّ مكروه وأن يتقبّل الشهداء في واسع رحمته وأن يلهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان.
كل عام وانت بخير

MuSe said...

لن ينفع الموت الان التباكي عليهم, ماسينفعهم و ينفع الاحياء الا يمر الموضوع مرور الكرام, يجب ان تتم محاسبة المسؤولين كبيرهم قبل صغيرهم, والا تكون محاسبة شكلية لاسكات غضب الناس فقط
دعاء من القلب بأن يحفظ الله وطننا من كلّ مكروه وأن يتقبّل الشهداء في واسع رحمته وأن يلهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان.
آمين

Anonymous said...

السلام عليكم ورحمة الله
وعيد سعيد على الجميع
انا مثلك حزين ومغتاظ مما جرى لجدة
والذي يحزني اكثر انني استبعد أي محاسبة للفاسدين المفسدين
لن يتغير شيء صدقني وريمة ستعود الى عاداتها القديمة
يعني سرق ومسراقة وعلى المتضررين يضربون روسهم في اقرب جدار
بقيت بحيرة المجاري المسماة هزلا بحيرة المسك والتي ذكرتها فينهاية كلامك
هل تعلم اني فعلا قلق من احتمال انفجار البحيرة على رؤوس الناس
انا الى الان لم اسمع بان مدينة غرقت في فضلات اهلها
لكن من يدري يمكن جدة تعملها وتدخل كتاب موسوعة غينيس للارقام القياسية كأول مدينة في التاريخ تنال مثل هذا الشرف
والله مع وجود مثل هذه النوعية من مسئولين الامانة والبلدية من معدومي الحياء وموتى الضمائر والقلوب اصبحت لا استبعد حصول أي شيء
سلااااام
ابو سنان

Prometheus said...

Anonymous
آمين. شكرا جزيلا لك.

Prometheus said...

Muse
اللهم آمين. يبدو ان هناك مؤشّرات تدلّ فعلا على أن الفاسدين سيحاسبون. الأمر المطمئن هو القرارات الحكيمة التي أصدرها مؤخّرا الملك عبدالله والتي خفّفت من غضب الكثير من المواطنين على ما جرى ويجري والتي يتمنى الجميع ان تجد طريقها إلى التنفيذ وبالسرعة المطلوبة.
تحيّاتي ومودّتي.

Prometheus said...

أبو سنان
شكرا جزيلا لك.
التطوّرات التي حصلت مؤخّرا تشير إلى ان الأمور ستأخذ مسارا جديدا ومختلفا عن السابق بدليل القرارات الشجاعة والحازمة التي اتخذها أبو متعب حفظه الله مؤخّرا.
المهم أن تنفذ القرارات بسرعة لان الأمور لم تعد تحتمل الصبر أو الانتظار أو مجاملة طفيليات الفساد من الإقطاعيين والبيروقراطيين خاصّة بعد ما حصل من خسائر لا تقدّر بثمن في الأرواح والممتلكات نتيجة الإمطار الأخيرة.
تحياتي لك.