:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, April 29, 2010

مجتمع الآخرة

قال وقد علت وجهه علامات التعجّب والحيرة: شيء غير معقول هذا الذي يحدث.
قلت: خيرا؟ أعرفك، لا يعجبك شيء ولا تتوّقف عن الانتقاد والشكوى.
قال: تصوّر، لا يفتح احدهم جوّاله إلا وتنطلق منه نفس الأصوات المحشرجة التي تحاصرنا آناء الليل وأطراف النهار. مقطع من خطبة مخيفة يهدّد صاحبها الناس بعذاب النار وسوء العاقبة، أو جزء من محاضرة لآخر يبعث صوته المتهدّج الباكي القشعريرة في النفس وهو يحرّض الناس على حبّ الموت وكراهية الحياة.
قلت: يا عزيزي، الناس أحرار في ما يريدون أن يسمعوه في هواتفهم. فلماذا تضيّق واسعا وتسرف في لوم الآخرين. وعلى كلّ حال، هذا مجتمعك وعليك أن تقبله بحسنه وقبيحه.
ردّ قائلا: لكن الأمر لا يقتصر على الهواتف النقّالة. قبل كم يوم كنت في احد المستشفيات ودخلت غرفة اخذ العيّنات. ولأن رئيس المناوبين رجل متديّن كما يبدو من مظهره "لحية وزبيبة" فقد رأى أن من المناسب أن يشغّل القرآن وأن يرفع الصوت إلى آخره غير آبه بحقيقة أن من يعمل معه بعضهم من غير المسلمين وأن سماع القرآن ليس هذا مكانه ولا أوانه. المكان مخصّص للعمل، والقرآن مكانه المسجد أو البيت. أليس كذلك؟
قلت: ليس في ما تقوله شيء جديد. الكثير من مستشفياتنا تشغّل القرآن الكريم بدلا من الموسيقى الهادئة والخفيفة، بل وتضع على جدرانها آيات وأحاديث تحذّر من التودّد للكفار وحتى التعامل معهم، مع أن جزءا كبيرا ممن يعملون بتلك المستشفيات هم من غير المسلمين. ومن حسن الحظ أن أكثر الوافدين إلى بلدنا لا يقرءون العربية وبالتالي لا يفهمون تلك اللافتات.
قال: ما يحيّرني هو الطريقة التي تحوّلنا بها إلى مجتمع يزحف أفراده على رُكَبهم زحفا ويتنافسون بالمناكب للوصول إلى الآخرة. مظاهر الدروشة تحاصرنا في كل مكان وتزهّدنا في الدنيا مع أننا لم نذق من متع الحياة سوى النزر اليسير. نريد أوّلا أبسط حقوقنا كبشر أحياء. نريد أن نستمتع بحياتنا مثل الآخرين دون شوشرة أو منغّصات. ثم بعد ذلك ليتحدّثوا عن الموت والقبر وعذاب الآخرة ما شاء لهم الحديث.
قلت: أتفهّم كلامك جيّدا. وبالنسبة للجوّال ضع موسيقى في هاتفك أو أيّ شيء آخر يروق لك. أنت حرّ ولا احد سيعترض على اختياراتك. لكن لا تلزم الآخرين بأن يفكّروا مثل ما تفكّر. حريّتك الشخصية مصانة، شرط ألا تحجر على حرّيات الآخرين أو تصادر قناعاتهم.
قال: المجتمع هو من يصادر حرّيتي ويريدني أن أكون نسخة منه، بينما أنا أريد أن أكون نفسي وأن أتصرّف وفق قناعاتي وأفكاري. إسمع، يُخيّل لي أحيانا انك لا تعيش معنا. ذات مرّة وضعت نغمات عود في جوّالي. وعندما رنّ جرس الهاتف وعلا صوت الموسيقى نظر إليّ بعض من بالمكان نظرة استهجان بينما رمقني آخرون باحتقار وكأنّني شخص قليل التربية وناقص المروءة.
قلت: فلينظروا إليك بالطريقة التي يريدون. المهم كيف تنظر أنت إلى نفسك. لا تجعل ردود أفعال الآخرين وأفكارهم الخاصّة تتحكّم في أفعالك وقناعاتك. ما دمت مقتنعا بشيء فافعله ولا تعوّل على ما يقوله الآخرون أو ما يفكّرون به. لأنك إن وضعت في اعتبارك رضاهم أو سخطهم، فلن تفعل شيئا على الإطلاق.
قال: أنت تعرف أن التديّن عندنا لا يجاوز المظاهر والشكليات. وأعرف أشخاصا يرتكبون ما الله به عليم من صنوف العظائم والموبقات. لكنهم يدارون ذلك بمظاهر التقى الخادعة. وما أن يرنّ جوّال احد هؤلاء حتى ينطلق منه صوت السديس وهو يبكي أو تنبعث منه آيات قرآنية تحذّر من عذاب النار وسوء عقبى الخاطئين والأشرار. هذه المظاهر الدينية المزيّفة أصبحت تربّي في الناس صفات رديئة كالخداع والازدواجية والانتهازية والنفاق. يكفي أن يراك المجتمع وأنت ترتدي لبوس الصالحين والأخيار حتّى يحكموا عليك بالتقى والصلاح ويشهدوا لك بالجنّة حتى لو كنت مثالا في الإجرام والضلال.
قلت: كلامك فيه الكثير من الحقيقة. وأنا أرى انك شغلت نفسك أكثر مما ينبغي بمشكلة الجوّال مع أنها بنظري مسألة تافهة وبسيطة قياسا إلى مشاكل اكبر وأهمّ. الازدواجية مستشرية حتى بين من يدّعون وصايتهم على المجتمع وحرصهم على الفضيلة. احد المشايخ الذين يحرّمون الاختلاط بل وأيّد الفتوى السوداء للبرّاك بقتل كل من يروّج للاختلاط ذهب إلى الكويت منذ أيّام وألقى محاضرة في قاعة كان الحضور فيها جميعهم من النساء. وقيل انه مازح النساء هناك وتبسّط معهن وحوّل محاضرته إلى جلسة وناسة. وعندما عاد من رحلته استمرّ يحذّر الناس هنا من أخطار وشرور الاختلاط. ولا تنسَ الذين حرّموا ولا زالوا قيادة المرأة للسيّارة لكنهم أجازوا لها الاختلاء بالسائق الأجنبي. ولا الذين حرّموا عمل النساء في المحلات التي تبيع الملابس النسائية الداخلية وأجازوا أن يقوم الرجال الأجانب بهذا العمل. هم يزعمون أنهم حماة الفضيلة لكن أفكارهم وتصرّفاتهم وفتاواهم تؤكد عكّس ما يزعمون أنهم يدعون إليه.
قال: مجتمعنا كلّه عبارة عن كتلة من التناقضات والأمراض المستعصية. زد على ذلك بلاوي الهيئة وأخطائها الشنيعة وحمّى الفتاوى الشاطحة والغريبة، من الدعوة إلى قتل ميكي ماوس إلى تحريم تربية الحمام إلى تحريم الانترنت للنساء دون وجود محرم، وغيرها كثير. ويظهر انه لم يكن ينقصنا سوى فتوى ذلك المعتوه الذي أفتى بهدم المسجد الحرام منعا للاختلاط. ترى أليس لهذا الجنون من آخر؟
قلت: لا، الهوس الديني يفعل مثل هذا وأكثر. وسيستمرّ الحال على ما هو عليه، بل قد نسمع قريبا عن فتاوى أشدّ وأنكى. هذا كلّه نتاج أكثر من ثلاثين عاما من التطرّف الديني الذي أنتج الإرهاب وكرّس الأفكار المتشدّدة وتبنّى مواقف معادية للحضارة والمدنية وأخذ معه المجتمع سنوات طويلة إلى الوراء. وهذا كلّه لن ينتهي إلا بإعادة تربية المجتمع على أسس جديدة كي يصبحوا بشرا أسوياء مثل كلّ المجتمعات الإنسانية السليمة والمعافاة. بالنسبة لما تقوله عن الخداع والكذب، أنا لا ألوم المخادعين والكذّابين. اللوم يقع على المجتمع وحده الذي سمح بشيوع مثل هذه الأفكار والتصوّرات وجعل ميزان الصلاح والجدارة مرتبطا بالقشور والمظهريات الكاذبة فسهّل على المضلّلين أن يمارسوا تضليلهم وكذبهم تحت رداء التديّن المغشوش والتقى المزيّف.
قال: تعرف، أكثر ما يحيّرني في فتوى الاختلاط كيف لشيخ بلغ من العمر أرذله أن يكون لفتواه مثل هذا التأثير الكبير في المجتمع بحيث يستقبلها الناس بكلّ هذا الاهتمام وتثير كل هذا النقاش الصاخب مع أن هذا الرجل قد يكون دخل مرحلة الخرف العقلي وفقد أيّ اتصال له بالواقع.
قلت: السؤال الأهم هو ما الحاجة أصلا لكلّ هذه الفتاوى؟ ولماذا يقحم هؤلاء أنفسهم في كلّ صغيرة وكبيرة من حياة الناس؟ والمصيبة الأكبر كيف يقصدهم الناس ليسألوهم رأيهم في كلّ شاردة وواردة.
قال: مع مرور الوقت وصلت إلى قناعة انه كلّما كثرت مظاهر التديّن في مجتمع، كلّما ازداد توحّشا وبعدا عن القيم الإنسانية الجامعة كالحبّ والتسامح والتعاطف.
قلت وأنا أحاول لملمة الموضوع وإنهاء الحديث: المشكلة ليست في التديّن بحدّ ذاته. المشكلة الحقيقية هي في تسييس الدين وتوظيفه لأغراض حزبية وفئوية تبتغي الاستمرار في إحكام السيطرة وفرض الوصاية على المجتمع بالقوّة. والذين يثيرون مثل هذا الغبار إنما يجنون على المجتمع ويسهمون في إبقائه في حفرة الجمود والتخلّف لأنهم يصرفون اهتمام الناس عن قضايا ومشاكل أولى وأهمّ. لكن يجب أن نتفاءل بالمستقبل. هناك مناطق ضوء مقدّر لها أن تنتشر ويقوى تأثيرها في مكافحة التعصّب وتبديد الظلمة: جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا، فتاوى بعض رجال الدين المتنوّرين عن عدم حرمة الاختلاط وعدم إلزامية الحجاب وعن عبثية إغلاق المحلات في أوقات الصلاة.
قال: أنا أشاطرك هذه النبرة المتفائلة، لكنْ بحذر. وأعتقد أن المسألة بحاجة إلى وقت كي يستوعب المجتمع المتغيّرات الجديدة ويتكيّف معها بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود اختطف خلالها المتشدّدون الدين، فغسلوا أدمغة الناس بطريقة ممنهجة وزيّفوا وعيهم وأفسدوا حياتهم بفتاواهم الضالّة وأفكارهم المغالية واخترعوا من عند أنفسهم دينا لا علاقة له بالدين الذي يعرفه عامّة المسلمين.



8 comments:

Anonymous said...

حوار هادئ ومنطقي يصف كل ماحولنا من متناقضات ... شكرا برووووم على هذا الجهد الراااائع

Souma said...

couldn't have said it any better myself! thank you!

سارة said...

رائع يابرومو ..تعلم بأنني فعلاً أفكر في هذا التناقض العجيب حيث أنني طالبة بجامعة الملك عبد العزيز ولك أن تتخيل عندما أدخل للمكتبة المركزية كيف تعلوا أصوات القرآن من مكبرات وأؤكد لك مكبرات صوت تحت مكتب المسؤلة بقسم التزويد ومكتب المسؤلة بقسم كتب الآداب وقسم رسائل الماجستر والدكتوراة,عموما اغلب اقسام المكتبة واقعه تحت تأثير الاسلام السياسي , لم يكن الحال من قبل هكذا ابدا لكن الموظفات الجدد هن شابات ومتأثرات جدا يبدو بالقشور .مع أني وجهت خطاب لإدارة المكتبة لتلتفت لهذا الخلل لكني أجزم بأنهم دعوا لي بالهداية, للأسف الكل يرتدي قناع .شكرا على طرحك الراقي .
سارة (:

Prometheus said...

Anonymous
شكرا جزيلا لك أنت أيضا وأهلا وسهلا بك.

Prometheus said...

Souma
Thanks so much for your nice words.

Prometheus said...

سارة:
ملاحظتك في مكانها. وقد رأيت نفس هذه الظاهرة في أكثر من مكان. ما نراه أشبه ما يكون بالدروشة الجماعية والتمسّك بالقشور والأمور المظهرية. المشكلة أن كثيرا ممن يمارسون هذه السلوكيات هم ابعد ما يكون عن جوهر الدين فهم لا يستنكفون عن الكذب والرياء والغش والغيبة والنميمة والإهمال في تأدية واجباتهم العملية والوظيفية، يستوي في ذلك الرجال والنساء. اعتقد أن القرآن يلزمه جو هادئ وقلب مطمئن لتدبّر آياته وفهم معانيها وهذا لا يتوفر في الأماكن العامة وبيئات العمل. وتشغيل التسجيلات الدينية في المكاتب وبطريقة مزعجة هو نوع من النفاق والدجل وفي أحسن الأحوال سذاجة وقلّة عقل.
تحيّاتي لك.

Wafa' said...

المشكلة اننا امه دعينا لتعمير الارض
وليس الاستعداد للاخرة فقط

لكني متفائلة نوعا ما, فبالرغم من اخطائنا نحن و سكوتنا , بدات بعض الاصوات بالارتفاع و لو بشكل خجول

Prometheus said...

وفاء:
أتمنى مثلك أن نستفيد من أخطائنا وان نتطلع للمستقبل بثقة وأمل.
تحياتي ومودتي لك.