:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, April 30, 2010

مَشاهد من لندن

لفتتني بحيويّتها وابتسامتها وأناقتها وبجسدها النحيل الذي يشبه قوام راقصات الباليه. لباسها أنيق ومتقشّف يغطّي بالكاد ركبتيها. ملامحها الشرقية لا تخطئها العين. قالت: من أين؟ قلت: من السعودية. بادلتها نفس السؤال وأنا أتوقّع الإجابة مسبقا: وأنت؟ قالت. إيرانية. قلت على الفور: آه، هو الجمال الفارسي إذن يكشف عن نفسه ثانية. انفجرت ضاحكة وقد علا وجهها الخجل. قالت: اسمي أتوسا. قلت: تشرّفنا. وماذا يعني؟ قالت: مجرّد اسم، وإن شئت الدقّة فهو اسم لإحدى أميرات الساسانيين. لم تمض دقائق حتى ازدحم المحلّ بجموع المتسوّقين والزوّار. قالت وهي تخطو مبتعدة في خفّة البجعة: إن احتجت إلى مساعدة فستجدني هناك. وأشارت بيدها إلى زاوية بعيدة من زوايا المتجر الكبير.
أتوسا هي واحدة من عشرات الآلاف الذين تمتلئ بهم هذه المدينة المضيافة التي تحتضن أخلاطا شتّى من البشر الذين ينتمون إلى مختلف الأعراق والديانات والجنسيات. وقد وجدوا في هذه المدينة ملاذا آمنا يوفّر لهم فرص العيش الرغيد والحياة الحرّة والكريمة. وفي الانتخابات الحالية، بإمكان المرء أن يلمس تأثير البريطانيين المتجنّسين والجاليات الوافدة على الحياة السياسية في بريطانيا من خلال محاولات المرشّحين الثلاثة خطب ودّ هذه الجماعات وإحاطة أنفسهم بمتحدّثين ومستشارين من الباكستانيين والهنود والعرب والأفارقة وغيرهم.
في زيارتي هذه المرّة، ذهبت إلى الشمال حيث هدوء الريف وجمال الطبيعة وبساطة الناس. وكنت قد خططت للإقامة في فندق أثري يقع على ناصية شارع تقوم على احد طرفيه عدد من المراكز التجارية والسكنية. الفندق يتميّز بهدوئه وبجمال تصميمه وأناقة ديكوره الداخلي. وهو يحتوي على صالة رئيسية تزيّن جدرانها تماثيل صغيرة منحوتة من خشب السنديان. والصالة مخصّصة للقراءة وفيها جهاز تلفزيون ضخم وطاولة كبيرة ومجموعة من الكنب والمقاعد. وفي الجوار مكتبة تحتوي على عدد من الكتب والمؤلّفات الكلاسيكية. وباختصار، كان الفندق مكانا مثاليا يوفّر للإنسان فرصة أن يختلي بنفسه وأن يقرأ ويشاهد التلفزيون ويستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية ويبتعد لبعض الوقت عن صخب ومشاكل العالم في الخارج.
في إحدى الليالي، قصدت حيّ سوهو لتناول العشاء في مطعم تايلندي. فكرة الأكل في ذلك المطعم متميّزة بل ونادرة. تخيّل نفسك تجلس حول طاولة كبيرة يشاركك فيها عدد من الرجال والنساء الذين لا تعرفهم ولا يعرفونك ولم يسبق لك الالتقاء بهم من قبل. بدت لي الفكرة حميمية وخاصّة وخُيّل إليّ أنها تعكس طبيعة المجتمع اللندني الذي يتّسم بالتنوّع الثقافي وتعدّد الأجناس والبشر. على تلك الطاولة، كان يجلس فرنسي وزوجته وصيني وصديقاه الانجليزيان وشابّ أفريقي بصحبة امرأة بيضاء، بالإضافة إلى شخص كان يتحدّث مع رفيقته بالانجليزية لكن ملامحه تدلّ على انه إمّا إيراني أو أفغاني.
وكان في برنامج الزيارة أيضا أن اذهب إلى التيت غاليري. وصلنا المكان صباحا بعد أن تجوّلنا في هارودز وشربنا القهوة في مقهى قريب. التيت غاليري لا يقلّ أهمّية عن الناشيونال غاليري من حيث انه يضمّ بين جنباته عددا من أشهر الأعمال الفنية العالمية. في بهو الغاليري لفت انتباهي وجود احد تماثيل هنري مور الضخمة وهو تمثال يصوّر امرأة مستلقية. وقد علمت أن الغاليري يقيم هذه الأيام معرضا تذكاريا للنحّات البريطاني المشهور يدوم حتى أغسطس. ولهذه الغاية تمّت طباعة كتاب جميل يحتوي على مجموعة أعماله النحتية. وقفت أتأمل التمثال الضخم الموضوع عند المدخل وتذكّرت أوّل مرّة رأيت فيها نسخا لبعض منحوتات هنري مور. كان ذلك منذ سنوات وبالتحديد في مدينة جدّة. وقد تصادف أن رأيت تلك القطع مرّة أخرى منذ حوالي الشهرين ولاحظت كمّية الإهمال والخراب التي لحقت بها وبغيرها من الأعمال النحتية التي أقيمت لتزيين الواجهة البحرية وأصبح حالها اليوم شاهدا على مستوى الإهمال والفساد والتخلّف الذي طال الكثير من مرافق المدينة وتجهيزاتها.
كان من عادة هنري مور أن يعمد إلى تبسيط وتنعيم الحوافّ الحادّة لمنحوتاته كي يضفي على الإنسان فيها سمة عالمية وخالدة. وبعض النقّاد لاحظوا كثرة الثقوب التي تتخلّل شخوصه الأنثوية وفسّروا ذلك على انه رمز لعنف النظرة الذكورية والهجوم العدائي على جسد الأنثى. ولعلّ بعضنا يتذكّر ذلك الخبر الغريب الذي نشرته الصحف منذ حوالي خمس سنوات، عندما تمّت سرقة احد تماثيل مور من داخل مؤسّسته الفنّية بـ لندن في واحدة من أكثر عمليات السطو الفنّي جرأة وإثارة. وقد قام اللصوص وقتها بتفكيك وتهريب التمثال الذي يزن أكثر من طنّين وتقدّر قيمته بأكثر من ستّة ملايين دولار. ويُعتقد اليوم أن التمثال قد تمّ صهره قبل أن يُشحن إلى خارج انجلترا لاستخدامه كحديد خردة.
في التيت غاليري، كما أسلفت، مجموعة من أفضل اللوحات والمنحوتات في العالم والتي يُقدّر عددها بحوالي سبعمائة عمل. هناك، مثلا، تمثال رودان بعنوان القبلة، بالإضافة إلى لوحات لكبار الرسّامين الذين ينتمون إلى عصور ومدارس فنية مختلفة مثل جون سنغر وجوزيف تيرنر ومارك روثكو وبيكاسو وبيرن جونز وكونستابل ولوسيان فرويد وجوشوا رينولدز ودانتي غابرييل روزيتي وروبنز ومونيه وغيرهم. لكن أكثر الأعمال الفنية اجتذابا للزوار كانت سيّدة جزيرة شالوت لـ وليام ووتر هاوس وأوفيليا لـ جون ميليه وسحر مارلين لـ ادوارد بيرن جونز. اللوحتان الأوليان بالذات نالتا اهتماما خاصّا من لدن الجمهور ومعظمهم كانوا من الأجانب. وكنت أظنّ قبل رؤيتي للوحتين أنهما لا بدّ وأن تكونا اكبر حجما ممّا رأيته. وخطر لي أن جزءا مهمّا من قيمتهما الفنية يعود إلى ارتباطهما بالأدب والشعر والأساطير الآرثرية.
مكتبة الغاليري هي الأخرى تلفت الانتباه. وهي تضمّ كتبا متنوّعة تتناول حياة كبار الفنانين وأعمالهم. وهناك نسخ مطبوعة بمقاس كبير لعدد من لوحات الغاليري مطروحة للبيع بأسعار معقولة لكلّ من يرغب باقتنائها. المهم، كانت الزيارة ممتعة للغاية وكان جوّ المكان نفسه موحيا بالهدوء والصفاء الذهني.

9 comments:

Wafa' said...

متى يصبح لدينا متاحف نفتخر بها و تكون منبع ثقافي و تعليمي
متى يكون الفن لدينا حاجة وليست ترفا
متى يكون شيء نفتخر به بدلا من دفع الالاف لاقتناء شيء لانفهمه
.

يبدوا انها كانت زيارة ممتعة
:)

White Freedom said...

امنية حياتي أن ازور مثل هذه المتاحف

Ameerov said...

جميل يا بروميثيوس
من بين بلدان العالم تبدو بريطانيا مختلفة تماما بعبقها التاريخى و زخمها البشرى و الثقافى.. مدينين نحن لها بالكثير صراحة
من بين فنانى العالم أجدنى مشدودا هكذا بغموض لفنانى ما قبل الرفائيلية و لا ادرى لاى سبب تحديدا.. ربما حنينا الى تلك اليوتوبيا الجمالية
- -
ثمة تساؤل دار بذهنى عندما كنت أشاهد الفيلم المميز Children of men
و قبله الفيلم الرائع V for vendetta و فيلم اخر لا اذكره
و تساءلت لماذا هذه النوعية من الأفلام ( المتقنة) تختار بريطانيا مكانا للأحداث.. مجرد مصادفة؟! أم أن له دلالة و علاقة بهذه الصورة النمطية لبريطانيا.. لا أعرف
- -
مقالتك مبدعة كعادتك يا بروميثيوس

تحيتى البيضاء الخالصة
و دمت بكل ود

Prometheus said...

وفاء:
وأنا أيضا اطرح نفس التساؤل. المتاحف والمسارح والسينما كلها من عناوين تحضر الأمم وتطورها. وأتمنى ان يتغير الحال إلى الأفضل قريبا.
شكرا جزيلا لك.

Prometheus said...

الحرية البيضاء:
اتمنى ان تتحقق أمنيتك قريبا.
تحياتي.

Prometheus said...

الحرية البيضاء:
اتمنى ان تتحقق أمنيتك قريبا.
تحياتي.

Prometheus said...

اميروف:
شكرا لك يا عزيزي. افهم افتتانك برسامي الحقبة ما قبل الرافائيلية. وهناك الكثيرون ممن يشاركونك هذا الشعور. صحيح، قد يكون ذلك انعكاسا لحنين الإنسان إلى الماضي. للاسف لا اعرف شيئا عن الفيلمين. لكن قد يكون الحق معك في ربطك بين مضمون الفيلمين والصورة النمطية الشائعة عن بريطانيا.
تحياتي ومودتي لك.

waxless911 said...

اخي العزيز

أريد منك فضلاً لا أمرًا أن تعلمني بصاحب هذه الرسمة ما أمكنك ذلك

ولك جزيل الشكر والتحية


[url=http://m7ml.com/][img]http://m7ml.com/uploads6/876eb5f430.jpg[/img][/url]



[url=http://m7ml.com/uploads6/876eb5f430.jpg][img]http://m7ml.com//thumbs/876eb5f430.jpg[/img][/url]

Prometheus said...

waxless911
للاسف ليس عندي اي فكرة عن اللوحة ولم يسبق لي أن رأيتها من قبل.
ارجو ان تقبل اعتذاري
مع خالص تحياتي لك.