:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, August 19, 2010

سيرة عقل

من حين لآخر، يجود الزمان بأفراد نادرين وذوي ضمير إنساني عال، يحملون شعلة التنوير وينذرون أنفسهم لخدمة مجتمعاتهم وأوطانهم. وسيحفظ تاريخ بلدنا أن الدكتور غازي القصيبي كان من أكثر الناس كفاءة وشجاعة وتميّزا في كلّ المهامّ والمسئوليات التي أسندت إليه وقام بها خير قيام. وقد اثبت ذلك في جميع التحدّيات والمعارك التي واجهها وخاض غمارها متسلّحا بعزيمة لا تلين وشجاعة تقصر عنها قامات الرجال أولي الهمّة والعزيمة.
سيرة حياة غازي القصيبي هي بمعنى ما قصّة عقل كبير متعدّد المواهب والاهتمامات. كان يتطلّع دوما إلى المستقبل ويدرك أن الحلم بغد أفضل مشروط بمواجهة كلّ مظاهر الجمود والتخلّف برغم ما قد يعترض الطريق من مخاطر وتحدّيات.
وفاة الدكتور القصيبي مطلع الأسبوع الحالي شكّلت مفاجأة صدمت الكثيرين ودلّلت على حجم الوفاء والعرفان الذي يدين به الناس لرجل كان ملء السمع والبصر بما عُرف عنه من وطنية نادرة وخصال إنسانية عالية.
رحيل القصيبي المحزن والمفاجئ كان موضوعا للكثير من المقالات والتعليقات التي ظهرت في العديد من الصحف المحلية ومنتديات الحوار الاليكتروني.
ففي مقال استعرض فيه تأثير آراء ومواقف القصيبي التنويرية ومواجهاته المتعدّدة مع رموز التيّار الديني المتشدّد، كتب المحامي عبدالرحمن اللاحم يقول: على الرغم من كل المصدّات التي نصبها مشايخ الصحوة من أجل التصدّي لسهام غازي القصيبي، إلا أنَّ كلماته استطاعت أن تخترق حصونهم المشيّدة وتتسلّل إلى أرضهم وتعبث بعقول مريديهم. لقد أحدثت كتب القصيبي ومقالاته زلزلة عميقة في معسكرات التمرّد الصحوي في أوائل التسعينيات وخلخلت تلك التنظيمات التي خافت على مريديها من أن يتخطّفهم القصيبي بقلمه. لذا أقاموا الدروس والمحاضرات من اجل التحذير منه ومن قراءة مقالاته وكتبه حتى لا يقع الشابّ في الفتن ما ظهر منها وما بطن".
وأضاف الكاتب: لقد اثبت القصيبي أن الكلمة قادرة على هزم التطرّف والغلوّ. لذا تلجأ جموع الغلاة والمتطرّفين إلى المطالبة بتكميم الأفواه وكسر أقلام المثقفين والكُتَّاب والاستماتة في إسقاطهم اجتماعياً من خلال فتاوى التكفير والتفسيق من أجل ألا تتسرّب آراؤهم إلى الناس. ولا زلتُ إلى هذه اللحظة أتعجّب كلّما تذكّرت تلك الفترة السوداء كيف أنَّ قلماً واحداً استطاع أن يجابه حناجر ملتهبة ومنابر ثائرة وجموعا مؤدلجة وتنظيمات مُحْكَمة".
وفي احد منتديات النقاش على الانترنت تحدّث احد الكتّاب عن المعنى الرمزي لردود الفعل الشعبية الواسعة التي أحدثها رحيل القصيبي بقوله: هناك تعطّش جماهيري لخلق رموز وطنية. وهذا أصبح ممكنا في حالة غازي القصيبي الذي تمّ تأبينه على المستويين الصحفي والشعبي. تلك المشاعر التي كُتبت في الصحف والتي نسمعها في المجالس بين عامّة الناس جاءت كاحتجاج "لا واعٍ" على عدم وجود رموز شعبية".
ومضى الكاتب يقول: الظاهر والحقيقي أن الاحتفاء بـ غازي القصيبي جاء لتعدّد المجالات التي خاضها وأبدع فيها، بالإضافة إلى ما يقال كإشارات عابرة أن غازي الوزير تميّز بكونه "نظيف اليد" وما يُستبطن من هذا الوصف من معان وإشارات. إن الاحتفاء بـ غازي القصيبي رحمه الله، بقدر ما يعبّر عن مشاعر جميلة تجاه رجل يستحقّ، إنما يعبّر في الوقت نفسه عن أزمة مجتمع لم يتعرّف على نفسه بعد ولا يعرف واقعه أو مصيره".
وفي منتدى آخر كتب احد الأعضاء معلّقا على الموضوع: خسارة أن يموت غازي القصيبي ويعيش فقهاء الظلام! خسارة أن يموت مبدع حقيقي وفنّان مرهف وشاعر وروائي متميّز، بينما في الجانب الآخر يعيش أناس لم يجلبوا لمجتمعهم سوى الضرر والتخلّف والمعاناة. وكلّ "إبداعهم" عبارة عن مزيد من تصعيب الحياة ومزيد من العقبات في وجه المواطن ومزيد من المشاكل اليومية الحياتية".
ويضيف الكاتب قائلا: رحم الله غازي القصيبي، الإنسان الثائر على التقاليد في بيئة تقدّس التقليد وتحارب الإبداع. لقد حاول القصيبي أن يزرع مجموعة من القيم الجديدة في بيئة صعبة وقاسية. فكانت مظاهر الفشل في هذه المرحلة أكثر من مظاهر النجاح لأن جبل التخلّف كبير، ودفع الرجل الثمن من ضميره وقلبه".
كاتب آخر تناول الموضوع من زاوية مختلفة عندما كتب يقول: القصيبي كان رجلا ناجحا عاش حياته بالطول والعرض. لقد جمع ما لم يجمعه الآخرون: أضواء، سياسة، إدارة، أدب، تجارة وثقافة. كان عاشقا للمتنبّي وصديقا للقلم. كما كان قدوة صالحة لشباب هذا الوطن. لكنّ تاج جماله كلّه هو نظافة يده ونزاهته. كان بإمكانه أن يكون أحد أباطرة المال في بلد يمكن للمتنفّذ فيه أن يجمع الثروات الهائلة بكلّ سهولة. ومع ذلك ظلّ دائما مثالا في النزاهة وعفّة النفس ونظافة الضمير. سمعت من شخص محلّ ثقة أن غازي لم يكن يأخذ رواتب الدولة لنفسه. كان مستغنيا بما وهبهم الله من ثروة. فهو سليل عائلة تعمل في التجارة منذ زمن طويل".
ومضى الكاتب قائلا: هذا العملاق يشرّف الألقاب ولا تشرّفه. حتى الموت اسقط غازي منه هذه الهيبة وأفقده أعظم أسلحته المرعبة والرهيبة. كأنّي بالوطنية والنزاهة والعفّة والطهارة تقول بعد أن غيّبتك الأقدار عن الوطن: ذهب الذين يُعاش في أكنافهم، وبقيت في خَلف كجلد الأجربِ"!

4 comments:

Anonymous said...

اخي العزيز بروم
كتبت مايستحقه هذا الرجل العملاق في فكره والشجاع في كلمته والامين في مايبذله من جهود في خدمة وطنه رحمه الله واسكنه فسيح جناته..واعان الله اهله وذويه على فراقه.
شكرا لك
وتقبل تحياتي

Prometheus said...

Anonymous
اللهم آمين.
شكرا جزيلا لك على مشاعرك الطيّبة.
وكل عام وأنت بخير.

Anonymous said...

رحم الله ابو يارا..كم احترمته كثيرا منذ اول معرفتى به قبل سنوات طويلة فى لندن...إيناس

Prometheus said...

اللهم آمين. رحمه الله رحمة واسعة وأجزل له الثواب والمغفرة.
شكرا لك إيناس وكلّ عام وأنت بخير.