:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, August 31, 2010

الحوار المذهبي

المستقلّة قناة لا مثيل لها بين القنوات الفضائية. على هذه القناة فقط، يمكنك أن ترى بعض المتحاورين وهم يتصلون بجوّالاتهم ويتلقّون اتصالات ورسائل من معارفهم وأصدقائهم على الهواء مباشرة. وأحيانا يبلغ التبسّط والعفوية مداهما عندما يخبر احد ضيوف القناة زملاءه الآخرين، وهو يبتسم، عن تفاصيل المكالمة أو الرسالة التي تلقاها للتوّ.
وعلى هذه القناة فقط، يمكنك أن ترى المذيع وهو يترك كرسيّه فجأة ويتّجه نحو الزاوية البعيدة عن الكاميرا كي يتحدّث إلى المخرج أو يطلب من المصوّر وقف التصوير. وعلى المستقلة فقط، تتحوّل الحوارات إلى اتهامات وصياح وصخب وشوشرة وأشياء لا يمكن أن تخطر على البال. وعلى هذه القناة فقط، يمكنك أن ترى المتحاورين في أوقات صفوهم وهدوئهم وهم يتناولون العنب والفاكهة بينما يناقشون الأمور الدينية والمذهبية.
المستقلّة قناة فريدة بين القنوات من حيث أنها لا تهتمّ كثيرا بالقواعد المهنية التي تلتزم بها غيرها من القنوات الفضائية. فكلّ شيء وارد وممكن "والبساط أحمدي" كما يقال، والحوارات تأتي من القلب لتدخل القلب على حدّ تعبير صاحبها الدكتور محمد الهاشمي الحامدي.
وقد وجدت نفسي مرغما على متابعة جانب من الحوارات المذهبية التي تبثّها المستقلة هذه الأيّام. ومن خلال ما شاهدته تأكّد لي مرّة أخرى عبثية مثل هذه النقاشات ولا جدواها. فكلّ فريق يدّعي أن الحقّ معه وحده وانه أكثر اعتدالا من الآخرين. بينما الجميع، بمن فيهم مقدّم البرنامج نفسه، متعصّبون ولا يهمّهم إلا أن تزداد حظوتهم ومكانتهم في أوساط طوائفهم ورعاتهم وداعميهم.
الشخص الوحيد الذي يمكن وصفه بالاعتدال والعقلانية في حوارات المستقلّة هذا العام هو السيّد علي الأمين. وممّا يُحسب له انه أظهر جرأة منقطعة النظير عندما جاهر بأفكاره التي خالف فيها قناعات الوسط الشيعي الذي ينتمي إليه. وقد فعل هذا وهو يعلم مسبقا أن مواقفه يمكن أن تكلّفه الكثير وتفقده بعضا من مكانته داخل طائفته.
غير أن المشكلة هي أن تسامح هذا الرجل وواقعيته واعتداله استُغلّ استغلالا سيّئا بحيث صُوّر في البرنامج وكأنه منشقّ على جماعته. وبعض من امتدحوه على الطرف الآخر إنما فعلوا ذلك لاعتقادهم انه انتقل فعلا إلى معسكرهم وأصبح محسوبا عليهم. والبعض الآخر تعاملوا مع كلامه ومواقفه على طريقة "وشهد شاهد من أهلها". وفي ابسط الأحوال، قد ينظر البعض إلى ما قاله على انه من قبيل المجاملة أو التقية.
السيّد الأمين ينطبق عليه المثل اللبناني الذي يقول "لا مع سيدي بخير ولا مع ستّي بخير". فآراؤه المعتدلة جلبت عليه غضب بعض أتباعه، وفي نفس الوقت لم تكسبه الرضا الكامل للطرف السنّي، والسلفي تحديدا. فقد سمعت اتصالا من شيخ سلفي شكر فيه السيّد الأمين على آرائه المعتدلة، لكنّه ذكّر المتحاورين بأن الأمين ما يزال رغم ما قاله متمسّكا بالمذهب الإثني عشري وأنه لهذا السبب لا يجوز وصفه بالمنقذ أو المخلّص.
هذا التعليق البليغ يلخّص نظرة المتشدّدين من كلا الفرقتين لمفهوم الحوار ووظيفته. فرضاهم عن الآخر المختلف مشروط بتخلّيه النهائي والناجز عن أفكاره وتبنّي قناعاتهم ومواقفهم بالكامل ودون قيد أو شرط.
في هذه الحوارات سمع الناس أشياءً عجيبة ومتناقضة. الشيخ البحريني حسن الحسيني، مثلا، دعا الجمهور السنّي إلى ألا يمارسوا تمييزا ضدّ إخوانهم الشيعة في الجامعات والمدارس وأماكن العمل وأن يحرصوا على أن يعاملوهم بالعدل والإنصاف. لكنه بعد لحظات من هذا الكلام العظيم استلّ من كنانته بضع صفحات من كتب قديمة وقرأ منها استشهادات وأقوالا مستفزّة منسوبة لبعض مشايخ الشيعة القدامى.
الحسيني، خرّيج جامعة الإمام، بدا موقفه غريبا ومتناقضا. فهو من ناحية يدعو إلى الأخوّة ونبذ الكراهية، لكنه في نفس الوقت لا يتردّد عن إثارة مشاعر العوامّ عندما يستشهد بكلام الكتب الصفراء التي لا تعمل إلا على تعميق الخصومة وتأجيج الأحقاد والكراهية.
وقد تذكّرت لا إراديا ما كتبه الدكتور فؤاد زكريا عن ظاهرة التعصّب وسمات المتعصّبين عندما قال إن التعصّب ليس موقفا تختاره بنفسك، بل موقف تجد نفسك فيه. كما أن المتعصّب لا يحسّ بنفسه إلا من حيث هو جزء من جماعته الخاصّة. ولو كان يؤكّد نفسه بوصفه فردا له شخصيّته المميّزة لما أصبح متعصّبا". وهذا الكلام طبعا ينطبق على الحسيني وعلى سواه.
المتحاورون ناقشوا أيضا قضايا أخرى مختلفة. تحدّثوا مثلا عمّا أسموه بالولاية التكوينية. وتأكّد لي انطباع قديم بأن الفقهاء شطّار في صياغة مثل هذه المصطلحات الفخمة والغريبة. العالم وصل إلى ابعد نقطة في الكون ونحن ما نزال نناقش الولاية التكوينية!
ثم انتقل السجال إلى عصمة الأئمّة وما يقال عن علمهم للغيب. ولم يخفّف من سخونة النقاش سوى بعض التخاريف الطريفة التي رواها الشيخ عبدالحميد المهاجر والتي يستعصي على العقل تصديقها أو التسليم بها.
غير أن إصرار الهاشمي الحامدي على إعادة بثّ فيديو المهاجر على جمهور المشاهدين كان تصرّفا غير مهني بل وغير مسئول. فالانترنت مليئة بمثل هذه التسجيلات الشاطحة وكلّ طرف عنده منها خير كثير.
في كلّ مرّة أشاهد مثل هذه الحوارات المضحكة أتخيّل جيوشا جرّارة ممّن يسمّون بالمشايخة و"طلبة العلم" وهم يمارسون خلف الكواليس عمليات تحشيد وتعبئة للأتباع والمؤيّدين وتوزيع للأدوار في ما بينهم. وما يحدث يشبه، بلا مبالغة، عمليات الإسناد والدعم اللوجستي التي تباشرها الجيوش في أوقات الحروب والصراعات المسلّحة. وبعض هؤلاء يعتقدون أن مهمّتهم الأسمى في هذه الحياة هي النبش في الكتب المتربة والمهترئة بحثا عن كلّ ما يمكن أن يدين الخصوم ويكبتهم ويبطل حججهم. وفي عرف هؤلاء، لا بأس أن يضحّي الإنسان بصحّته وراحته ما دام الله قد اختاره واصطفاه دونا عن العالمين لمثل هذه المهمّة السامية والجليلة!
لست ممّن يهتمّون بمتابعة السجالات المذهبية التي تعرضها هذه القناة وغيرها من الفضائيات. يخيّل إليّ أن انشغال الإنسان بمثل هذه الأمور يدلّ على ضحالة الفكر وتقاصر الهمّة. وقد تكوّنت لديّ قناعة بأن مثل هذه الحوارات لا تفيد، بل إن ضررها أحيانا أكثر من نفعها. كما أصبحت مقتنعا بأن التقريب بين هذه المذاهب المتناحرة والمتخاصمة دوما أمر لا يمكن بلوغه أو تحقيقه. بل إن التقريب في حدّ ذاته غير مطلوب وغير ضروري. وأفضل منه أن يحترم أتباع كلّ مذهب أصحاب المذاهب الأخرى وأن يقتنع الجميع بأن "كل من على دينه الله يعينه"، أي أن كلّ إنسان يتحمّل ثواب أو وزر ما يؤمن به أو ما يفعله والله في النهاية هو الذي يتولّى الناس ويحكم بينهم بالحقّ.
عندما تتوفّر هذه القناعة وتتكرّس في عقول وضمائر الناس، فإنهم يصبحون أكثر إنسانية واستنارة وتسامحا. وبالتالي تتقلّص مساحة الخلاف وينصرف الناس لحلّ مشاكل الواقع الأكثر إلحاحا وأهمّية.

7 comments:

Wafa' said...

لولا ان باقي القنوات العربية ذات تمويل حكومي-بالخفاء- او اصحابها لهم نفوذ سياسي او يطمحوا له لوجدنا العجب العجاب منها. لا يوجد مهنية ولا امانه و لااخلاق في تلفزيوناتنا العربية للاسف , طبعا الاغلب و ليس الكل, و يلوموننا عندما نترك مشاهدة التلفزيون العربي.

زمان كنت اتابع هذه المواضيع و افرأ فيها و بكثرة و اعتقدت اني ربما ساصل للحقيقة يوما ما, و لكن الان مقتنعة انها مواضيع لاتقدم و لاتؤخر و لكل انسان الحرية فيما اعتنق و حب او كره. الا استطيع ان احب الناس بغض النظر عن دينهم و مذاهبهم!! نعم استطيع
:)

White Freedom said...

موضوع اكثر من رائع
لا أحب هذه الحوارات فكما قلت انت فلا فائدة منها غير انها تزيد الفتن والكراهية !!

ويالتالي يأتون أجيال يتدارسون الكراهية من آبائهم ويبدأون بالسب واللعن عنما يعرفون ان شخصا من هذا المذهب ؟!!! وهذا ناتج من التربية
لا احب ان اصنف نفسي بين المذاهب ولذلك اقول لنفسي دائما انا مسلمة فقط
لا أحب اكون من هذه الطائفة او تلك الطائفة لأن كلا الطائفتين سوف يتقاتلان بالكلام الجارح الحاد

ولذلك قناة المستقلة قد قمت بحذفها منذ زمن طويل جدا...

وبشكل عام عندما امر على اي قناة اخبارية او غيرها ولديها برنامج يتحدث عن مثل هذه الامور اتجاهلها او اغلق التلفاز

ومالفائدة من هذه البرامج ؟ وان كانوا على مذهب آخر عليهم ان يحترموا بعضهم بعضا

وكما تفضلت اخي الكريم فهذا يدل على ضحالة الفكر

هل تصدق انني في العام الماضي بينما كنت اتصفح الانترنت لشيء لا اذكره بالتحديد , كنت اتصفح ولا اعلم كيف دخلت على موضوع في منتدى ( اقسم بالله انني لم اصدق ما رأيته ) شخص من الشرقية قد عمل كشف بأسماء المحلات والمراكز في الأحساء التي يديرها اشخاص من المذهب الشيعي ويقول في اخر الموضوع : وانا الى الان ابحث عن محلات لهذا المذهب الشيعي حتى نعمل مقاطعة تامه لهم !!!!!!!!!
وحتى ان القائمة طويلة جدا جداً ..

في البداية كنت مصدومة !؟! أليسوا مسلمين مثلهم ؟ وحتى الردود عليه يقولون له جزاك الله خيرا
جزاك الله خيرا
وكأنه قد حرر فلسطين !!

انهم بشر يريدون ان يجدوا لقمة العيش قبل ان يكون مسلمين ومن مذهب شيعي

في ذلك الوقت قلت لنفسي لو انه استغل وقته في عمل مفيد( بدلاً ) من أن يقود سيارته من شارع لآخر والكره قد ملأ قلبه باحثا عن محلات المذهب الآخر لكان قد نفع نفسه واهله

لا احب هذه الحوارات ابدا ابدا لانها تدعوا الى الكراهية والبغض

White Freedom said...
This comment has been removed by the author.
White Freedom said...
This comment has been removed by the author.
Prometheus said...

أهلا وفاء.
الأمانة والحياد في التلفزيونات العربية لا وجود لهما وكلامك يصف واقع تلك الفضائيات بدقّة. معظمها للأسف يديرها حزبيون وحركيون ومؤدلجون وهذا ليس سرّا وليس بالشيء الجديد.
صحيح، الانشغال بمثل هذه السجالات الغبيّة والتافهة يدلّ على قلّة العقل وضحالة التفكير.
تحيّاتي لك.

Prometheus said...

White Freedom
شكرا لك يا عزيزتي.
كلامك عين العقل ومنتهى الوعي وقد كتبت ووفيت.
أكثر الله من أمثالك وبارك فيك.
تحيّاتي لك.

Ali Xander said...

والدي عنده ادمان لهذه القناة
انا عن نفسي ارى انها قناة فاشلة
والمذيع في الغالب متحيز بامتياز
اما اذا تابعت النقاشات السياسية
فسترى العجب العجاب

انا مثلك اعتقد ان التقريب بين المذاهب ما هو الا غباء واضاعة وقت
الافضل ان نسعى لتنقيح وتطوير الدين