:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, December 31, 2010

قضايا محليّة



حفِل الأسبوع المنصرم بالعديد من النقاشات التي تناولتها الصحف المحليّة وتطرّقت إلى مواضيع بعضها مكرّر ومألوف من نوع: تهنئة المسيحيين بأعيادهم، هل هي حلال أم حرام؟! والرياضية النسائية، تجوز أم لا تجوز؟! وقيادة المرأة للسيّارة، حلال أم حرام؟! والحلال والحرام في الاختلاط وعمل المرأة. بينما ركّز بعض كتّاب الصحف على مواضيع أخرى من قبيل تجاوزات وأخطاء هيئة الأمر بالمعروف والسجال الدائر بين المتشدّدين والليبراليين بالإضافة إلى قضايا التنمية وغلاء الأسعار ومخالفات نظام ساهر وأزمة السكن والفساد وغياب المساءلة. جريدة الحياة نشرت تحقيقا عن جلسات الحوار الوطني المنعقد هذه الأيّام وتطرّقت إلى بعض مداخلات الحضور في ندوة تناولت موضوع التصنيفات الفكرية وأثرها على الوحدة الوطنية. وقد لفت الانتباه بشكل خاصّ ما قاله الكاتب محمّد زايد الألمعي خلال الندوة. وقد نقلت عنه جريدة الحياة قوله: إن المشكلة الأساسية تتمثّل في وجود طبقة تحتكر الأفكار وتصف من ينتج أفكاراً أخرى بأنه خارج عن الوطن والدين. وهؤلاء يدافعون عن موقع وليس فكرة، وهم لا يترافعون عن أفكارهم بقدر ما يحاولون حماية مؤسّستهم التاريخية الراسخة والشمولية التي تصل في لحظة إلى الفاشية".
وأضاف الكاتب قائلا: هؤلاء يعتقدون أننا نقتحم هذه الامتيازات، وأننا أصبحنا منافسين لهم على ذهنية العامّة الذين يسيطرون عليهم من خلال منبر المسجد والفتيا وعبر الوجدان الديني نفسه. فهم يريدون أن يحتكروا هذه المؤسّسة على حساب المثقّف، أي أن النخبة لديهم نخبة دينية فقط". وقال الألمعي أيضا: إننا لا نجلس لكي نتصالح ونتوافق بل نجلس لأن بيننا خلافا ونعمل على ترسيخ هذه الآلية، إذ إن التنوع قوّتنا ومن خلاله سنمحو مرحلة من الشمولية والأحادية والمركزية لصالح التعدّدية والليبرالية والديموقراطية الحقيقية في التفكير والمعطيات والمشاريع".
وعن اختلاف مفهوم الوطنية والدين الذي كان واضحاً في مشاركات المتحاورين قال الألمعي: إن الدين لله والوطن للجميع. الدين هو أديان بعددنا، وبعدد أفكارنا وتوجّهاتنا، لكلّ منّا تأويلاته وفهمه للدين وفق خصوصيته الفكرية".
جريدة المدينة نشرت مقالا للكاتب انس زاهد تطرّق فيه إلى موضوع الفساد وغياب المساءلة فقال: الذي تسبّب في كارثة الأسهم فأضاع مدّخراتنا وأغرقنا في بحر عميق من الديون هو نفسه الذي تسبّب في كارثة جدّة وأغرقنا في شبر ماء العام الماضي. والذي تسبّب في هاتين الكارثتين هو نفسه المسئول عن كارثتي تفشّي الفقر وارتفاع نسبة البطالة، بالإضافة إلى تدنّي مستوى الخدمات والمرافق العامّة، والحالة المزرية التي وصلت إليها بنيتنا التحتية". وأضاف الكاتب: إن جميع هذه القضايا لم تُسجّل ضدّ مجهول كما يعتقد الكثيرون. فالفاعل معروف وقد تمّت تسميته وإدانته غيابيا أكثر من مرّة، لكن دون أن يستطيع أحد العثور على مكانه. إنه الفساد الذي لا يزال يواصل هروبه الناجح من وجه العدالة".
وختم الكاتب مقاله بالقول: الفساد ليس له أب، لأن الجميع يتنصّلون من إعلان أيّ صلة رسمية به. الفساد له عدد مهول من الأبناء الذين يحترفون التخريب. ولا يمكن استئصال سلالة الفساد دون معرفة الأصل الذي انحدر منه كلّ هذا الكم من المفسدين".
بعض الصحف نقلت أجزاءً من محاضرة ألقاها الدكتور مرزوق بن صنيتان بن تنباك بداية هذا الأسبوع وتنبّأ فيها بأن دول الخليج ستتحوّل خلال السنوات السبع القادمة إلى الحديث باللغة الإنجليزية، بالنظر إلى أن 80 بالمائة من سكّان الخليج لا ينطقون بالعربية. وقد حذّر بن تنباك في المحاضرة من أن منطقة الخليج العربية ستصبح خلال السنوات السبع القادمة خليطاً غير منتمٍ إلى لغة بعينها، وسيلجأ سكّانه متعدّدو الجنسيات والثقافات إلى لغة وسيطة للتواصل بينهم وهي الإنجليزية".
كما تناولت الصحف محاضرة أخرى ألقاها الناقد الدكتور عبدالله الغذّامي ووصف فيها الليبرالية السعودية بأنها "عاجزة وضعيفة وبلا هدف". وقد أثار كلام الغذّامي ردود فعل كثيرة ومتباينة. اللافت أن تعليقات بعض الكتّاب الليبراليين على كلام الغذامي كانت عنيفة وقاسية. فقد أعاد بعضهم إلى الأذهان ما قاله الشاعر ادونيس منذ سنوات عندما وصف الغذّامي بأنه لا يقدّم خطاباً ثقافياً يستحقّ المتابعة وهو ليس أكثر من "إمام مسجد" لا يزال يعيش في الإطار التقليدي للتفكير. ورأى كتّاب آخرون أن الغذّامي بكلامه تحوّل بقدرة قادر إلى شخص يستمتع بهتافات الحركيين الصحويين من خلفه بعد محاضرته عن الليبرالية.
وخلال هذه الأسبوع أيضا انشغلت الصحف بقصّة المدرسة التي قام مسئولوها بتغيير اسمها من "مدرسة حاتم الطائي" إلى "مدرسة حاتم" فقط، على أساس أن حاتم الطائي كان جاهليا وكافرا! وعلّق مقال افتتاحي بجريدة الوطن على الموضوع بالقول: القضية اليوم ليست قضية مدرسة فقط أو إدارة تربية وتعليم في منطقة ما. القضية قضية هويّة وتاريخ وثقافة يريد البعض طمسها بحجج واهية. وهؤلاء ينطلقون من منطلق ديني محرّف ومشوّه وتلاقي دعواتهم وادعاءاتهم تجاوباً من البسطاء سواءً في وزارة التربية أو غيرها من الوزارات". وأضافت الصحيفة: إن الأيديولوجيا تعمي أصحابها عن كلّ ما هو أصيل وجميل وتنسف في طرفة عين ثقافة وهويّة ترسّخت على مرّ القرون. ومن المؤسف حقّا أن تحوي أروقة التربية أشخاصا يحملون مثل هذا الفكر. ومؤسف أيضا ألا يُكشف إلى الآن المتسبّب الحقيقي في مثل هذا التعدّي الواضح على تاريخ منطقة".
هيئة الأمر بالمعروف كانت هي الأخرى حاضرة بقوّة في تعليقات الصحف هذا الأسبوع من خلال واقعتين: الأولى إقدام احد منسوبي الهيئة على طعن مواطن في احد الأسواق ومخاطبته بألفاظ تخدش الحياء أمام الناس أثناء تسوّقه برفقة زوجته بحجّة أن الزوجة لا تغطّي عينيها! وعندما عُرضت القضية على احد القضاة حكم على الشابّ بالجلد 30 جلدة بعد أن وجّه إليه تهمة مضايقة النساء في مكان عام. والقضية الثانية تتعلّق باتهام مواطن ووالدته موظفين في الهيئة بإهانتهما والتلفّظ عليهما لأن الشابّ قام بتقبيل يد أمّه ورأسها في سيّارته. وفي التفاصيل التي رواها الشابّ انه فوجئ بخمسة من موظفي الهيئة يمسكون به أمام الناس ويوجّهون له تهمة الدعارة! ورغم انه حاول مرارا إفهامهم أنها والدته إلا أنهم رفضوا الإصغاء وأدخلوا والدته السيّارة وانهالوا عليه وعليها بالأسئلة. وبعد أن تأكّدوا من هويّتهما قاموا بإخلاء سبيلهما. وأكّد الشابّ انه سيقدّم شكوى رسمية إلى هيئة حقوق الإنسان لفتح تحقيق في الواقعة.
وخلال الأسبوع الحالي نشرت جريدة الحياة لقاءً مطوّلا مع الكاتب الدكتور عبدالله الفوزان تطرّق فيه إلى عدد من القضايا التي تهمّ الشأن المحلي. ومن أهمّ ما قاله الكاتب أن المرأة كانت المتضرّر الأكبر من منهج المحافظة الدينية في المجتمع السعودي. كما أن المجتمع بأسره تضرّر كثيرا من الأفكار المحافظة.
وفي جزء آخر من المقابلة قال الفوزان: إن أحكامنا تبدو قاسية على خيارات الآخرين، والسبب أننا نعتبر أنفسنا أنصاف آلهة. فلا يوجد في العالم مجتمع رشيد إلا نحن. ونحن وحدنا على الحقّ وغيرنا على ضلال. وبسبب "رشدنا العظيم" لا أحد يماثلنا، فمن المنطقي أن لا نجد مَنْ يتفق معنا. والنتيجة معروفة.
وأضاف الكاتب: إننا نسير مع أمم الدنيا، هذا لاشك فيه. ولكننا نتخلّف عنها بمسافات بعيدة. واقعنا الثقافي والفكري يعيش حالة تناقض كبير. ولا يمكن أن تنتصر تيّارات الدجل والشعوذة والجهل والظلام. إننا لن نتخلّص من الوصاية على المجتمع والتسلّط على خيارات الأفراد إلا بتفعيل قيم العدالة والمساواة والحرّية ووقف الدعم عن اليد الدينية التي تمارس تلك الوصاية وتسهم في تعظيم الدجل والخرافة". وقال: إن اكبر عيوب المؤسّسة الدينية هي أنها ما زالت تمثّلنا بذلك الوجه القديم البعيد عن مستجدّات العصر وتطوّراته. ولذلك نبدو لمختلف مجتمعات الدنيا وكأنّنا لا نمتّ لهذا العصر بصلة".
ثم تحدّث الفوزان عن بعض الهموم التنموية فقال: إن لدينا نموّا سكّانيا ربّما لا يماثله أيّ نموّ سكّاني حتى في الهند والصين. وليس لدينا مشاريع كبيرة منتجة يمكن الاستعانة بدخلها سوى مشاريع البتروكيماويات. ولكن هذه ستنتهي مع انتهاء عصر البترول. ولذا فإننا بسلوكنا الحالي نعد لأحفادنا مصيراً حالك السواد، كأننا الآن نصعد بهم إلى السماء بصاروخ عملاق سينتهي وقوده في منتصف الطريق. ولك أن تتخيّل ما سيحدث حين ينتهي وقود الصاروخ وأحفادنا في المركبة معلّقين بين الأرض والسماء.
وردّا على سؤال عن السبب في كون الصراع الفكري عندنا اشدّ منه في بقيّة دول الخليج قال الفوزان: السبب هو أن السحر والفتنة في دول الخليج تجاوزا عنق الزجاجة منذ زمن طويل واتجها للاقتصاد والإنتاج والإبداع، في حين أنه عندنا ما زال مختبئاً في عيون النساء". وختم الفوزان حديثه بالقول: إن الذين ينحّون العقل جانبا هم ضعاف العقول. ومن الطبيعي لضعيف العقل أن يركن إلى عقول الأسلاف في العصور القديمة التي لا تنيرها الكهرباء، في حين أننا الآن في عصور المصابيح المضيئة التي فجّرها العقل بتجليّاته الرائعة".

1 comment:

Anonymous said...

المطار ليس هدية

جميل محمد علي فارسي


عجيب أمرنا. قدم لنا الملك عبدالله حماه الله ألفاظا لم تتعود الأذن سماعها، الفاظاً من المستقبل وللمستقبل إلا أننا نأبى كل ذلك ونعود لقاموسنا القديم الخرب.

أثار لدى هذه الفكرة قول المعلق أن هذا المطار هدية من خادم الحرمين الشريفين. كيف تقول انه هدية ثم في اليوم التالي تتحدث عن سندات لتمويل المشروع؟ أهدية وندفع الثمن؟ وان كنت تقصد أنه كهدية حضرت في وقتها فهنا كذلك نقول لا بل تأخر كثيراً كثيراً. إذن هو ليس بهدية لا من حيث الثمن ولا من حيث الزمن.


نعم أؤكد انه ليس هدية. وإطلاق هذا الوصف يجعلني أقول أن خطابنا الداخلي لا يرتفع ابداً لمكانة وطننا. نحن لسنا وطناً طارئاً على التاريخ، نحو دولة. نعم نحن دولة من الدول المؤسسة للأمم المتحدة، دولة مؤسسة لجامعة الدول العربية، دولة قبل الحربين الكونيتين، دولة عندما كان نصف العالم العربي تحت الاستعمار.

إلا أننا مازلنا نصر أن نعامل بالهدية والمنحة والهبة والمكرمة وميزانية الخير. أحياناً يخيل لي أننا في عداء مع أنفسنا، كأننا نصر ونأبى أن نكون دولة. دولة مؤسسات عصرية حقيقية تتكون من أرض وشعب وحكومة "حكومة هي سلطة تنفيذية تتجاور مع سلطة قضائية وسلطة تشريعية رقابية"، ثم علاقات بينية واضحة المعالم تتضح منها الحقوق والواجبات وما هو لله وما هو لعباد الله وما هو لبعض عباد الله.


الكل يعلم أن لكل دولة ميزانية نقدية هي عبارة عن متحصلات الحكومة سواء من إيراد الأرض أو أنواع الدخل المختلفة تقابلها أوجه إنفاق مختلفة. هذه هي الميزانية لا أكثر. فكيف نحول بنودها إلى هبات وهدايا ومكارم؟ انستكثر على أنفسنا أن نكون شعباً ينفق عليه مما تنتج أرضه؟ والأعجب أننا مازلنا مع هذا ندندن حول العالم الأول، كأنما العالم الأول هو طرق ومباني وليس قيما ومبادئ.


هل نستخسر على أنفسنا أن نرفع الرأس قليلاً؟ ألا نعلم أي أثر سيئ ألذي نجنيه بذلك على أجيالنا القادمة التي أصبحت تطل من نافذة الإنترنت على كل العالم؟ بل ما إجابتنا أن سألنا أحد أبنائنا ببلاهة وهو يقرأ سورة الإسراء ما معنى قوله تعالي ولقد كرمنا بني آدم؟

ترى أي احترام سيقدمه لنا أبناؤنا وهذه حالنا؟ هل نقول لهم أن آباءهم استعذبوا أن يعيشوا على المكرمة والهبة والإحسان، وعلاجهم ليس على حساب الوطن بل هو علاج على حساب محسن كبير وزواجهم بتبرع من رجل سخي؟ أعلاج باسترحام ومقعد جامعة باستعطاف ووظيفة باستجداء؟ أهكذا تكون الحياة بكرامتها؟


بعض الأحداث والمناسبات لا تثير منا العقل بل تحرك منا اللسان فقط. في كل العالم يفرح الناس ويتزوجون وتمر عليهم المناسبات والذكريات. لكن إن تزوج أحدنا تفتحت شهية القول، وتفجرت الأعمدة بسيل مقالات مستمر، وانشقت السماء بقصيد منهمر. والعجيب حقاً أن معظم القول لم يكن مطلوباً أصلاً ولا ملامة على من لم يتبرع بالقول لكنه عنصر المبادرة فليت مبادراتنا في مكانها.


كم من مقالات وقصائد تزيد لقائلها من الدخل ولكنها تنقص له من الكرامة.

أقول ما قلت وأقول: لا يلام المحروم حين يستجدى بل يلام من جعله محروماً ومن جعله يستجدي.

عموماً بالنسبة لي بعد أن أموت أوصيكم أن لا اغُسل وفق تعليمات سديدة، ولا أٌكفن بتوجيهات مباشرة، ولا أحمل بنعش هدية أو مكرمة، ولا ادفن في أرض كانت منحة. وبالذات إن كانت كيلو في كيلو.



عن جريدة المدينة السعودية:

http://www.al-madina.com/node/284235