:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, May 29, 2011

الأبعاد الديموغرافية للثورات العربية

منذ أيّام، أجرت مجلّة دير شبيغل الألمانية حوارا مطوّلا مع عالم الاجتماع الفرنسي البارز ايمانويل تود، تحدّث فيه عن أسباب وآفاق الثورات العربية.
تود كان قد تنبّأ قبل أربع سنوات بحدوث الثورات في الشرق الأوسط. وعزا ذلك إلى عدّة أسباب أهمّها ازدياد مستويات التعليم خاصّة بين النساء، وانخفاض معدّلات المواليد والزواج بين الأقارب. وقال إن هذه المؤشّرات تدلّ على أن المجتمعات العربية تسير على طريق التحديث الثقافي والفكري الذي يصبح معه الفرد أكثر أهمّية كهويّة مستقلّة.
ايمانويل تود يصف نفسه بأنه "هيغلي تجريبي" معنيّ بدراسة المسار العالمي للتاريخ. وهو يفضّل المؤشّرات الإحصائية على التفسيرات السياسية والإيديولوجية للأحداث. لذا يرى أن بنية العائلة والسكّان والنظام التعليمي عوامل أكثر أهمّية من النظام الاقتصادي. من أهمّ دراساته "تحوّل المجتمعات الإسلامية حول العالم" و "انهيار الإمبراطورية السوفيتية".
في ما يلي ملخّص بأهم ما قاله في المقابلة.
"من الأفكار المغرية أن يتحوّل الأكاديمي إلى قارئ للحظ. وأنا فقط احلّل الأسباب قدر الإمكان. إن عملنا يشبه عمل عالم الجيولوجيا الذي يجمع العلامات الدالّة على زلزال أو انفجار بركاني وشيك. لكن متى يحدث الانفجار، وما هو شكله وقوّته؟ هذه التفاصيل لا يمكن التنبّؤ بها بشكل قاطع.
المحلّلون المثاليون يفسّرون ما يحدث في العالم العربي اليوم على انه رغبة العرب في الأفكار الديمقراطية. بينما الماديّون يلقون المسئولية في الثورات الحالية على الاقتصادات العربية، بما في ذلك التضخّم وارتفاع أسعار المواد الغذائية.
الثورة في العالم العربي قدر حتميّ. كان من الممكن أن تحدث كتطوّر تدريجي. الثورات الحالية ستنتهي بتحوّل الأنظمة السياسية. وقد نشهد اشتداد رياح الدمقرطة بحيث يتحوّل الرعايا في النهاية إلى مواطنين. ورغم أن هذا يتبع اتجاها عالميا، إلا انه يمكن أن يستغرق بعض الوقت.
إن الديمقراطية نظام هشّ ويتطلّب جذورا تاريخية عميقة. فقد لزم الفرنسيين حوالي مائة عام منذ نشوب الثورة الفرنسية كي ينتقلوا إلى الشكل الديمقراطي للحكم الذي جاءت به الجمهورية الثالثة.
هناك من يتحدّث عن نفوذ ما للإسلامويين في هذه الثورات. ولا يمكن استبعاد هذا، خاصّة عندما تكون السلطة مركّزة في الشارع. لكن لا اعتقد أن هؤلاء لعبوا دورا مهمّا في تونس أو في مصر. بل يبدو أن مسار الأحداث في مصر فاجأ الإخوان المسلمين وأخَذهم على حين غرّة. وهم يحاولون الآن تنظيم أنفسهم كحزب سياسي ضمن نظام تعدّدي. الثورات العربية نحّت جانباً الكليشيه الذي يتحدّث عن الخصوصية الثقافية والدينية التي تجعل الاسلامويين غير متوافقين مع الديمقراطية وتزعم بأن قدر المسلمين أن يُحكموا من قبل "مستبدّين عادلين".
إننا نشهد اليوم في العالم العربي نزع الطابع الاسلاموي عن المجتمعات العربية. وهذا سيستمرّ حتما مثلما نزع الغرب الطابع المسيحي عن المجتمعات الغربية.
طبقا لقوانين التاريخ، فإن التقدّم التعليمي ونقص معدّلات المواليد هما مؤشّران مهمّان على تنامي العقلانية والعلمانية. ويجب أن لا ننسى أن فكرة الأسلمة نفسها ما هي إلا ردّ دفاعي مؤقّت على صدمة الحداثة.
موت أسامة بن لادن حدث مهمّ ولا شك. لكن أشباحه ستظلّ تفتن الناس. والمعجبون به سيحاولون إبقاء شعلته متوقّدة. لكن التصرّف الوحشي الرهيب الذي ارتكبه الأمريكيون متمثّلا بطريقة قتله أتى في أسوأ لحظة. لقد ماتت القاعدة سياسيا قبل وقت طويل من مقتل بن لادن. القاعدة لم تكن أبدا منظمّة جماهيرية. كان وجودها في الأساس من خلال الدعاية لأعمالها، تماما مثل الجماعات الفوضوية في أوربّا في القرن التاسع عشر. بن لادن كان يشترك مع تلك الجماعات في البعد الرومانسي الذي يتحدّث عن البطل الأوحد الذي ينتقم لأجل المهمّشين والمظلومين. لقد فشل الرجل في الإطاحة بأيّ من الحكومات العربية. والحركات الشعبية التي نراها اليوم لا يجمعها رابط مع الأفكار الأسطورية من قبيل القومية أو الاسلاموية.
بطبيعة الحال، يمكن استرضاء الناس بالخبز والمال، لكن لفترة محدودة. الثورات تنشب خلال مراحل النموّ الثقافي والانهيار الاقتصادي. وبالنسبة إليّ كشخص يهتمّ بالديموغرافيا، لا اهتمّ بمستويات دخل الفرد بل بمعدّلات التعليم.
لقد هبطت معدّلات الولادة في العالم العربي بنسبة النصف في جيل واحد. نسبة المواليد في تونس اليوم، مثلا، مشابهة لتلك التي في فرنسا. ونصف سكّان العالم العربي اليوم أعمارهم تحت الخامسة والعشرين. في ليبيا ومصر والمغرب والجزائر، هبطت النسبة إلى ثلاثة أطفال وطفلين لكلّ امرأة. هذا يعني أن الشباب يمثّلون غالبية السكّان. وبخلاف آبائهم وأمّهاتهم، يستطيع الشباب أن يقرءوا وأن يكتبوا، لكنهم يعانون من البطالة ومن الإحباط الاجتماعي.
لم يكن مفاجئا أو مدهشا أن الاضطراب كان حتميا في هذا الجزء من العالم. وهذا هو السبب في أن الشباب الغاضبين يأخذون الثورة إلى الشارع، بينما هناك نقص في عدد المفكّرين والقادة الأكبر سنّا ممّن يتطلّعون إلى المستقبل. الشباب هم أيضا من قادوا الثورة في فرنسا وانجلترا. روبسبير كان في الثلاثين من عمره. وعندما سيق إلى المقصلة كان في السادسة والثلاثين. خصمه دانتون كان شابّا هو الآخر لم يتجاوز عمره الثلاثين. الشباب أيضا هم من واجهوا الدبّابات السوفيتية في بودابست عام 1956م. والتفسير واضح، الشباب أكثر قوّة وأكثر قدرةً على أن ينتصروا.
عصر الحداثة تأخّر كثيرا في الوصول إلى المجتمعات الإسلامية. السبب يكمن في طبيعة بنية العائلة التقليدية في تلك المجتمعات وفي تهميش دور النساء. الرسول محمّد أعطى النساء حقوقا أكثر بكثير مما تتمتّع به النساء اليوم في معظم المجتمعات العربية.
عندما يستطيع أكثر من تسعين بالمائة من الشباب أن يقرءوا وأن يكتبوا وأن ينالوا قسطا معقولا من التعليم، لا يجب أن نتوقّع أن يستمرّ نظام استبدادي تقليدي في الصمود طويلا. هل لاحظتم أعداد النساء اللاتي كنّ يتظاهرن في هذه الاحتجاجات؟ حتّى في اليمن، البلد الأقلّ تنمية في العالم العربي، كانت آلاف النساء يخرجن إلى الشوارع ويشاركن في المظاهرات.
العلاقة بين أولئك الذين في القمّة والذين في السفح تتغيّر هي الأخرى. عندما تبدأ سلطة الآباء في الوهن، فإن السلطة السياسية تبدأ في الانهيار هي الأخرى.
كبير العائلة، كرأس للدولة، يضع أبناءه وأقاربه من الذكور في مراكز السلطة. السلالات السياسية تتغيّر، مثلما هو الحال مع الأسد الأب والابن في سوريا. والفساد يزدهر، لأن العائلة تدير كلّ شيء لمصلحتها. والدولة يتمّ خصخصتها كشركة للعائلة. سلطة الانصياع تعتمد في استبدادها وفسادها على خليط من الولاء والقمع والاقتصاد السياسي.
يجب التزام الحذر عندما نفترض أن العالم العربي يدخل الآن عصر الحداثة أو انه سعيتنق تلقائيا القيم الغربية والعالمية مثل الحرّية والمساواة وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية. لاحظوا أن بوتين حظي بدعم غالبية الروس. ومع ذلك لا يمكننا القول بأن الديمقراطية في روسيا بلا عيوب".

No comments: