:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, January 28, 2011

جدّة تستيقظ على كارثة أخرى


من رأى بعض فصول كارثة جدّة أمس ليس كمن سمع أو قرأ عنها. الصدفة وحدها مكّنتني من رؤية، بل ومعايشة بعض مشاهد الجحيم الذي مرّ به سكّان جدّة أمس. تحوّلت هذه المدينة المنكوبة خلال ساعة من تساقط المطر إلى بحر هائج من الماء الذي اكتسح في طريقه كل شيء من بشر وبيوت وشجر ومركبات وحتى الحيوانات والجماد.
كارثة ثانية عاشتها جدّة أمس خلال اقلّ من ثلاثة عشر شهرا. واكتسح السيل الهادر في طريقه كلّ تصريحات المسئولين ووعودهم الهلامية بأن لا يتكرّر ما حدث في المرّة الأولى. إن ما رأيته في جدّة أمس من مناظر البؤس والمعاناة والألم يفوق أيّ وصف، بل لا أبالغ إن قلت إن قصّة سيل الأربعاء وما صاحبها من مواقف ومشاهد مؤلمة يصلح لأن يكون موضوعا لرواية ميلودرامية يمتزج فيها الواقع بالخيال.
سيّارات غارقة في الطرقات وبشر يشقّون طريقهم بيأس وسط الأمواج الهائجة بحثا عن مكان آمن يعصمهم من الغرق وآخرون محاصرون في الأبنية والبيوت وأماكن العمل لساعات طوال وشوارع تحوّلت إلى أنهار تنزّ منها الروائح الكريهة بعد امتزاجها بمياه الصرف الصحّي. باختصار كانت الفوضى تضرب أطنابها في كلّ مكان والرعب يطلّ من عيون الرجال والنساء والأطفال الذين تقطّعت بهم السبل وأخذتهم المفاجأة على حين غرّة. كان الناس قد ركنوا إلى تصريحات المسئولين الذين زعموا أن ما حدث قبل سنة لن يتكرّر ثانية وأن كلّ الاحتياطات قد اتخذت لمنع حصول كارثة أخرى.
ووسط هذه الفوضى الكبيرة كانت هناك مواقف تدلّ على إنسانية وشهامة الناس الذين لا يبينون عن معدنهم الأصيل سوى في الأزمات والملمّات. احدهم وهو شخص لا اعرفه ولم يسبق أن رأيته من قبل عرض عليّ استضافتي إلى الغد في بيته. شكرته فألحّ علي بأن اصعد معه إلى شقته لأستريح بضع ساعات ريثما يهدأ المطر وتصبح الطريق سالكة. وأشرت إلى شخص آخر كان قد حكى لي مأساته وكان برفقته في السيّارة زوجته وأطفاله. قلت: هذا الرجل أولى منّي بكرمك، فأهله معه وحالهم ادعى للعطف والرعاية. كان موقف ذلك الشخص وأشخاص كثيرين غيره غاية في المروءة والشهامة. ولا يقلّ عن ذلك موقف العديد من الأشخاص الذين وقفوا لساعات طوال ينظّمون السير عند الإشارات ويخلون السيّارات من العائلات المنكوبة وآخرين كانوا يوقفون سيّاراتهم ليحملوا أسرة منقطعة أو شخصا عاجزا إلى حيث الأمان. ولا أنسى أن أشيد برجال الدفاع المدني الذين بذلوا جهودا عظيمة وكان لهم ولغيرهم من المواطنين الفضل بعد الله في إنقاذ الكثير من الأرواح والممتلكات.
بعض من أطبقت عليهم السيول قضى ليلة البارحة في مكان وزوجته المعلّمة أو الموظّفة في مكان آخر، بينما أفراد آخرون من نفس العائلة موزّعون بين شرق المدينة وجنوبها بعد أن فاجأت الأمطار الجميع ظهرا وهم في أعمالهم ومدارسهم. وما ضاعف الإحساس بالقلق والخوف لدى الناس انقطاع شبكة الهاتف وتعذّر إمكانية التواصل بين الأشخاص العالقين وأسرهم المشغولة على سلامتهم.
وقد سمعت العديد من القصص الإنسانية المؤثّرة من بينها قصّة حكاها شاب عن فقدان شقيقته. فقد أخطرت إدارة الجامعة الطالبات وبشكل مفاجئ بإخلاء المباني وسط الأمطار الغزيرة. واضطرّت شقيقته لركوب إحدى الحافلات مع إحدى زميلاتها. غير أن الحافلة تعطّلت في عرض الشارع فجأة. وقام السائق بإخلائهما إلى أحد الفنادق. وقرّر الشابّ ووالده الذهاب لإنقاذ البنت. وعندما وصلا إلى الحيّ بعد ساعات من المعاناة فوجئا بأن المنطقة بأكملها مغمورة بالسيول والظلام نتيجة انقطاع التيّار الكهربائي. وما زاد الطين بلّة أن شبكة الجوّال كانت معطّلة هي الأخرى. وكانت هناك عشرات السيّارات المنقلبة ومئات من البشر الذين كانوا يصيحون ويمشون على غير هدى وهم يطلبون النجدة. وقد خاض الشخص ووالده العجوز في مياه السيول العميقة. ثم فوجئ بشيء يمسك به وينفضه. وأدرك من صياح الناس حوله أنه أصيب بصعق كهربائي، فتحامل على نفسه حتى خرج من الماء واستلقى على أحد الأرصفة. وبعد رحلة أخرى غاصا خلالها في الماء والأوحال، وصلا إلى حيث الفندق. كان زجاج الفندق الذي تكسّرت واجهته بفعل المطر يغطّي الأرضية. وبحثا عن باب الفندق فلم يوفّقا في العثور عليه. ثم وصل إلى المكان عجوز باكستاني قادهما على نور هاتفه الجوّال إلى داخل الفندق ووجد فيه شقيقه الذي سبقهما إلى هناك والدم يغطّي وجهه من اثر الزجاج المتطاير. وسأله عن أختهما التي ما أن سمعت صوته حتى أسرعت إليه واحتضنته.
وصباح اليوم كنت اقرأ بعض ما كتبته الصحف تعليقا على كارثة الأربعاء الأسود الثاني ولفت انتباهي كلام بليغ كتبته قارئة في جريدة المدينة عندما قالت: إننا لم نفلح في تخطيط ولا إدارة ولا خدمة ولا اقتصاد. حتى الرياضة لم نفلح فيها والدين لم نفهم منه سوى القشور. وأضافت: اتقوا الله في وطنكم ومواطنيكم. ولا تسلّموا المشاريع الضخمة للحرامية ومعدومي الضمير وعديمي الإمكانيات الذين لا يملكون أيّ قدرة على العمل أو الإبداع. اعترفوا بأخطائكم في حقّ الوطن واعهدوا بالمشاريع للشركات الأجنبية فقد أثبتت السنوات الماضية أننا كنا نعيش وهم المشاريع الكاذبة وغياب الضمير عن شركاتنا الوطنية".
جدّة ثبت فعلا أنها مدينة هشّة تتأرجح فوق بِركة هائلة من الماء. إن أدواء جدة وعللها قديمة ومزمنة وكثيرة. وربّما لن ينصلح حالها إلا بإخلائها من جميع سكّانها وإعادة بناء مرافقها الأساسية من الصفر. في الكارثة السابقة ماتت مائة روح بريئة قربانا للفساد والتسيّب وسوء الإدارة وانعدام الخوف من الله. ولا احد يعرف كم من الأبرياء ينبغي أن يموتوا أيضا حتى تستيقظ الضمائر النائمة ويستقيم الحال المعوج.

هامش: كارثة جدة: مشاهد وصور