:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, May 28, 2012

الأزمة اليونانية

يُروى انه بعد أن حُكم على سقراط واختار أن يموت بالسمّ، همس في أذن أحد اقرب أتباعه قبيل موته: أنا مدين لفلان بـ ديك. من فضلك لا تنسَ أن تدفع الدين".
في العلاقات بين الأفراد، الوفاء بالدين يعتبر من علامات النبل والمروءة. لكن الأمر مختلف عندما يتعلّق بالدول، خاصّة إن كان حجم الدين هائلا والآثار المترتّبة عليه يهدّدان مصير بلد بأكمله بالإفلاس، وربّما الانهيار.
وقد تابعت تطورّات الأزمة المالية في اليونان منذ بداياتها. وأحسست بالحزن لما يحدث هناك لسببين: أولّهما أنني اعرف ذلك البلد جيّدا، فقد زرته مرّتين واطلعت عن كثب على حضارته العريقة، كما لمست وداعة اليونانيين واحترامهم للغرباء. والسبب الثاني أن البلد الذي يعاني من هذه الأزمة الخطيرة هو الذي خدم الحضارة الغربية وقدّم للإنسانية الإسهامات الكبيرة والكثيرة في الفلسفة والسياسة والآداب والمسرح والفنون وغيرها.
من الأمور المتعارف عليها أن حال الدولة المدينة يشبه حال الشخص الذي ينفق بأكثر ممّا يكسب، لذا يضطرّ إلى الاستدانة من الآخرين. وحكومة اليونان كانت تنفق على مواطنيها بسخاء وتزيد رواتبهم بوتيرة أسرع من غيرها من الدول. وبعد سنوات من الإنفاق الزائد، حدث عجز في الموازنة، أي أن الإنفاق أصبح يفوق الدخل. ووصل مستوى الدين إلى الحدّ الذي أصبحت فيه الدولة عاجزة عن دفع قروضها، فاستنجدت بشركائها الأوربيين وبصندوق النقد الدولي وغيره من الجهات التي قدّمت لليونان قروضا ضخمة. لكن شروط تلك القروض عقّدت المشاكل أكثر، وأصبح مجموع ديون البلاد يتجاوز الثلاثمائة بليون يورو. لذا أعلنت الحكومة عجزها عن الدفع، ثم قرّرت فعلا أن تتوقّف عن دفع الدين وأن تتفاوض من جديد على شروطه، في محاولة لإقناع الدائنين بإسقاط بعض ديونهم وإعادة جدولة البعض الآخر.
أزمة اليونان ينطبق عليها القول الشائع: إن كنت مدينا للبنك بعشرة آلاف دولار فأنت في مشكلة. أما إن كنت مدينا للبنك بعشرة ملايين دولار فالبنك نفسه في مشكلة". وما حدث هناك يوفّر مثالا لما يمكن أن يحدث لأيّ بلد يربط مصير اقتصاده ببنية الاقتصاد الرأسمالي العالمي ويقبل املاءات وشروط المؤسّسات الرأسمالية الجشعة دون تفكير في العواقب.
عندما قرّرت الحكومة اليونانية اليمينية السابقة الرضوخ لشروط ومعايير الاتحاد الأوربي مقابل أن تصبح اليونان عضوا في منطقة اليورو، بدأت بوادر المشكلة في الظهور. وما زاد الأمور سوءا إقدام رجال الأعمال اليونانيين والطبقة الثريّة على إجبار الحكومة على اتخاذ إجراءات تقشّف إضافية، كخفض الأجور والرواتب وفرض المزيد من الضرائب التي استهدفت في الأساس الفئات الفقيرة والمهمّشة، ما تسبّب في موجات من الاحتجاجات والإضرابات الواسعة. ثم اتسعت آثار الأزمة لتشمل كلّ مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وعندما أصبح مجموع الدين يفوق حجم الناتج القومي الإجمالي، اقترح أصحاب الأعمال على الحكومة أن تتوسّع في مشاريع الخصخصة. بل لقد طرح بعضهم فكرة بيع وتأجير الجزر السياحية اليونانية بغرض تقليص الدين والتخفيف من آثاره.
وكانت اليونان، المشهورة بإنتاج أجود أنواع الزيتون والفاكهة والتي تشكّل رافدا مهما لاقتصادها، قد وافقت على الالتزام بما يُسمّى آلية توزيع مناطق الإنتاج الأوربّية والتي حرمتها من زراعة هذه المحاصيل بحجّة أن اسبانيا وايطاليا هما من تملكان هذا الحقّ دون غيرهما.
لكنّ للأزمة المالية اليونانية أسبابا داخلية لا تقلّ أهميّة. فأقلّ من واحد بالمائة من اليونانيين استطاعوا أن يضعوا أيديهم على أكثر من 90 بالمائة من ثروة البلاد وأن يودعوها في البنوك الخارجية. ويقال أن نصف أموال اليونان المهرّبة في الخارج يكفي لسداد ديون البلاد وتمكينها من الوقوف على قدميها ثانية، دون أن تضطرّ لأن ترضخ للتهديدات المهينة بطردها من المؤسّسات الاقتصادية الأوربّية.
أزمة اليونان المالية احد أسبابها المهمّة تغوّل العولمة الاقتصادية التي لا تعمل قوانينها سوى على نهب موارد الدول الصغيرة كي تضعها في جيوب الدول الكبيرة والجشعة. ويأتي بعد ذلك الانفتاح والخصخصة الداخلية بلا حساب، والتي أنتجت حالة من النهب المنظّم بحماية حكومات انتهازية وفاسدة.

No comments: