:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, January 01, 2018

شاعر بني الحارث


تخيّل أن يقوم شخص واحد بقراءة عشرات الكتب والمراجع محاولا جمع شتات أشعار شاعر قديم وشبه منسيّ، ومن ثم دراسة تلك الأشعار وتحقيقها ثمّ جمعها في كتاب. هذه ولا شكّ مهمّة عظيمة وتتطلّب وقتا كثيرا وجهدا شاقّا.
وهذا ما فعله الباحث والأكاديميّ العراقيّ الدكتور عبّاس هاني الجرّاخ في كتابه "ديوان عبدالملك بن عبدالرحيم الحارثيّ"، والذي تفضّل مشكورا بإهدائي نسخة منه أستاذي وصديقي الإعلاميّ النابه حسين بن مانع بالحارث.
وقد سبق للمؤلّف أن أخرج وجمع شعر شاعر فحل آخر من أبناء هذه القبيلة العريقة، هو جعفر بن علبة الحارثي وطبَعه في ديوان.
بنو الحارث بن كعب يعودون في نسبهم إلى كهلان، وهم من بني يعرب بن قحطان. وقد سكنوا نجران وما زالوا وكانوا ملوكا عليها ذات زمن. وكان لأسلافهم قبل الإسلام كعبة هناك "يأتي إليها الخائف فيؤمَّن والمسترفد فيُرفد"، وكانت وظيفتها حشد الناس لا العبادة.
وقد امتدحهم الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وأثنى على بسالتهم وبلاغتهم. وقصّة الثمانين مقاتلا من بني الحارث الذين كسروا أغمدة سيوفهم على رُكَبهم أمام الرسول الكريم قصّة معروفة. وقد رواها الأصمعيّ في معرض حديثه عن الهزيمة التي حلّت بهوازن بفضل شجاعة هؤلاء، ما دفع الرسول الكريم إلى قول عبارته المشهورة: الآن حمي الوطيس"، إلى آخر القصّة.
وما يزال بنو الحارث يقطنون نجران إلى اليوم ولهم مكانتهم الرفيعة بين القبائل هناك. وبعض بيوت القبيلة ارتحلت في أزمنة مختلفة إلى الطائف ونجد وإلى الشام وفلسطين واليمن وعُمان ومصر وبلاد المغرب العربيّ. وكان احد أهمّ أسباب تلك الهجرات الحروب المتتالية التي نشبت بين القبائل القيسية واليمانية.
كان عبدالملك بن عبدالرحيم الحارثيّ احد أشهر شعراء بني الحارث بن كعب في الإسلام، وكان شاعر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
والدكتور عباس الجرّاخ يصف شعر الشاعر بالجزالة وقوّة النسج وحسن السبك وثراء الألفاظ والبعد عن التكلّف. كما يشير إلى تأثّر بعض كبار الشعراء بصوره الشعرية، مثل المتنبّي وأبي نواس. كما أُعجب بفنّه الشعريّ كثيرون منهم ابن المعتزّ والأصمعيّ وحسّان بن ثابت.
وديوان الشاعر الذي حققه وجمعه الدكتور عبّاس مليء بالأشعار الجميلة التي تشهد له بالفصاحة والنَفَس الشعريّ الطويل. ولولا أنني لا أريد أن اقطع على القارئ متعة قراء هذا الكتاب الرائع لأوردت الكثير من الأشعار البديعة التي يتضمّنها.
لكنّي اكتفي بنموذجين، الأوّل من قصيدة يرثي فيها الشاعر شقيقه. يقول:
ومن طاب نفسا عن أخ لوداعه *** فما طبتُ نفسا عن أخي يوم ودّعا
فتى كان لا يدعو إلى الشرّ نفسه *** فإن جاءه الشرّ امتطاه فأوضعا
فأُقسمُ لا تنفكّ نفسي شجيّة *** عليك ووجهي حائل اللون أسفعا
ويقول في قصيدة غزلية:
فوالله ما ادري أيغلبني الهوى *** إذا جدّ جِدّ البين أم أنا غالبه
فإن استطع أَغلبْ وإن يغلبِ الهوى *** فمثل الذي لاقيتُ يُغلبُ صاحبُه

No comments: