:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


السبت، فبراير 25، 2012

موناليزا الأخرى

على الرغم من وفاته قبل ما يقرب من خمسمائة عام، إلا أن ليوناردو دافنشي (1452-1519) ما يزال قادرا على أن يفاجئ الناس ويدهشهم.
فبعد معرضه الأخير والمثير في الناشيونال غاليري بـ لندن، وبعد الإعلان عن لوحة أخرى له اكتُشفت حديثا هي بورتريه سلفاتور موندي أو منقذ العالم، يأتي الكشف عن نسخة أخرى من الموناليزا في مدريد ليسلّط المزيد من الضوء على الرسّام وعلى اللوحة التي تُعتبر الأكثر شهرة في العالم.
من المستحيل أن نعرف كيف كانت تبدو الموناليزا عندما أتمّ ليوناردو دافنشي رسمها في بدايات القرن السادس عشر. لكنّ نسخا متعدّدة من اللوحة، رُسمت في فترات مختلفة ما بين زمن ليوناردو وعصرنا الحاضر، تعطينا فكرة ما عن شكل اللوحة الأصلي.
وهناك الآن العشرات من النماذج المقلّدة من الموناليزا من القرنين السادس عشر والسابع عشر. في ذلك الوقت، كانت محاكاة الأعمال الفنّية المشهورة تجارة مزدهرة.
متحف برادو الاسباني في مدريد يعرض هذه الأيّام ما يعتقد الخبراء أنه نسخة من لوحة الموناليزا رسمها أحد تلاميذ دافنشي في نفس الغرفة وفي نفس الوقت الذي كان فيه المعلّم يرسم اللوحة الأصلية.
الاكتشاف الجديد اعتبره البعض معجزة وتطوّرا مهمّا في تاريخ الرسم يُنتظر أن يغيّر إلى الأبد الطريقة التي ينظر بها الناس إلى اللوحة المشهورة.
وهناك الآن نظريتان تبحثان في أسباب وظروف رسم اللوحة. النظرية الأولى تقول إن احد تلاميذ ليوناردو أراد أن يتعلّم كيف يرسم بورتريها عن طريق اختلاس النظر من فوق كتف معلّمه ومتابعة ما يفعله خطوة بخطوة. غير أن الحجّة التي تنقض هذه النظرية هي أن تلميذا لن يوظّف في اللوحة موادّ وتقنيات باهظة الثمن، مثل داعم اللوحة المصنوع من خشب الجوز والأصباغ الزرقاء واللازوردية المستخدمة في نسخة متحف برادو. الجودة العالية للمواد المستخدمة في هذه النسخة توحي بأنها قد تكون رُسمت بتكليف من شخص ما.
والنظرية الثانية تقول إن نسخة برادو مرسومة في استوديو، وأن ليوناردو كان ينوي بيعها لزبون آخر في نفس الوقت الذي كان يزمع فيه بيع اللوحة الأصل.
غير أن هناك نظرية أخرى مثيرة للاهتمام تقول إن النسخة كانت ثمرة جهد جماعي لعدد من الأشخاص وليس شخصا واحدا أو حتى اثنين.
الباحث البريطاني المشهور والمتخصّص في حياة وأعمال دافنشي مارتن كيمب يعتقد أن رسّامَين اثنين على الأقلّ هما من رسما النسخة أثناء ملاحظتهما اللصيقة لمعلّمهما. ويضيف إن تفاصيل الشعر واللباس تعتمد على الملاحظة الدقيقة لـ ليوناردو وتنمّ عن محاكاة أمينة لعمله. كما أن الطريقة التي رُسمت بها الطبيعة في الخلفية توحي بأنها من عمل رسّام آخر غير الذي رسم الوجه والرأس.
احد النقّاد تحدّث عن جزئية الحاجبين الواضحين للعيان في نسخة برادو والمفقودين في اللوحة الأصل الموجودة في متحف اللوفر، فأشار إلى أن اللوحة الأصلية هي تصوير دقيق للمرأة وأن دافنشي اغفل رسم الحاجبين لأن الحواجب المنتوفة كانت موضة سائدة في ذلك الوقت. غير أن هذا الرأي لا يدعمه الواقع. فقد اثبت فحص اجري على الموناليزا الأصلية منذ سنوات باستخدام التكنولوجيا المتطوّرة وجود آثار للحاجبين في اللوحة وأنهما اختفيا ببطء وعلى مرّ قرون بسبب التقنية الهشّة التي وظّفها دافنشي في اللوحة.


لا بدّ وأن ليوناردو ومساعده المجهول كانا يعملان جنبا إلى جنب في نفس المكان. ورغم أنهما بدءا العمل عام 1503، إلا أن اللوحتين لم تكتملا حتى عام 1506، وربّما بعد ذلك بسنوات. كانت التغييرات الطفيفة التي أضافها ليوناردو إلى اللوحة الأصلية هي التي حوّلتها إلى تحفة فنّية خالدة.
المنظر الطبيعي في نسخة برادو قريب جدّا من تصميم ليوناردو، على الرغم من وجود بعض الاختلافات. كما أن أبعاد لوحتي اللوفر وبرادو متشابهة إلى حدّ كبير.
نسخة متحف برادو من الموناليزا كانت ضمن مقتنيات المتحف منذ افتتاحه عام 1819م. كما أن اللوحة جزء من مجموعة الأعمال الفنّية الاسبانية منذ مئات السنين. وقد سبق لـ برادو أن عرض اللوحة من قبل، لكنها لم تثر سوى القليل من الاهتمام وقتها. ورجّح الكثيرون أن يكون سبب ذلك يعود إلى أن طبقة كثيفة من الطلاء الداكن كانت تحجب المنظر الطبيعي في خلفية اللوحة. ويقال إن الطلاء الأسود الذي يحجب المنظر الطبيعي في الخلفية أضيف للوحة في أواخر القرن الثامن عشر. وحتى وقت قريب، لم يكن لدى احد أيّ فكرة عمّا يمكن أن يكون مخبّأ تحته.
لكن في الحادي والعشرين من فبراير الماضي، أعلن برادو عن نيّته طرح اللوحة مجدّدا أمام الجمهور بعد استكمال بعض عمليات الترميم التي كانت تخضع لها من قبل خبراء ومتخصّصين في متحفي برادو واللوفر. وتمّ انجاز الشكل النهائي للوحة في الأسابيع القليلة الماضية. كما وضعت بعض اللمسات النهائية عليها، كالتعويض عن خسارة اللون في بعض المساحات الصغيرة وإعادة مزج الألوان.
وعندما انتهت عملية الترميم أصبحت اللوحة اقرب إلى الشكل الذي غادرت به محترف ليوناردو قبل أكثر من خمسة قرون. كما أنها تعطينا انطباعا أفضل عن المظهر المبكّر للوحة اللوفر الأصلية والمغطّاة بطبقات من الطلاء الداكن اللون.
يقول مسئولو متحف برادو إن اللوحة ستُنقل في منتصف مارس القادم إلى متحف اللوفر لتكون جزءا من معرض يقام هناك لتحفة ليوناردو الأخيرة القدّيسة آن. وبعد أن تعود اللوحة من باريس ستُعلّق جنبا إلى جنب مع غيرها من الأعمال الإيطالية المبكّرة التي بحوزة برادو.
المتحف الاسباني يقول إن نسخته من الموناليزا تكشف عن تفاصيل وخطوط لم تعد واضحة في اللوحة الأصل. فبعد إزالة الطلاء من الوجه، ظهر جزء من الوشاح وجدائل الشعر، ما جعل المرأة تبدو أكثر إشراقا وشبابا مقارنة بهيئتها في نسخة اللوفر المغطّاة بطلاء متشقّق ومظلم.
وفي لوحة برادو تظهر بوضوح تلك الصبغات الوردية واللؤلؤية التي تحدّث عنها مؤرّخ القرن السادس عشر جورجيو فاساري. بل ويمكن أيضا رؤية الحاجبين الدقيقين اللذين حظيا بمديح خاص من المؤرّخ الايطالي.
يشير فاساري في كتابه إلى أن ليوناردو، أثناء رسمه لـ ليزا جيرارديني، وهذا هو اسم المرأة الأصلي، كان يجلب لها باستمرار موسيقيين ومغنّين ومهرّجين ليبعد عنها الكآبة ولكي تبدو بمزاج مسترخ، ما يفسّر سرّ ابتسامتها الساحرة.
الاكتشاف الجديد من المرجّح أن يؤجّج الجدل الدائر حول ما إذا كان يجب إخضاع اللوحة الأصل في اللوفر لمزيد من عمليات الترميم والاستعادة، أو أن تترك على حالها بالنظر إلى أن هشاشة اللوحة لا تحتمل عمليات تنظيف وترميم إضافية.