:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو اقتباسها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق.


Saturday, October 02, 2021

وعيشنا طيف خيال

الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
- الإمام علي

من الأشياء الغريبة التي تتّصف بها الأحلام أننا لا نعرف أننا نحلم إلا إذا استيقظنا. فداخل الحلم، ذاكرتنا محدودة. لذا قد نظنّ أن ما نراه في حلم أمر حقيقي.
وقدرة الحلم على أن يبدو واقعيّا هي التي دفعت الفيلسوف الفرنسي ديكارت لأن يتساءل ما إذا كان العالم الذي نعرفه ونحن في حالة يقظة قد يكون هو نفسه حلما.
إذا كان الحلم يبدو أحيانا مثل الواقع، فكيف نتأكّد أننا الآن وفي هذه الحياة لا نعيش في حلم قد نصحو منه ذات يوم؟
هذا هو السؤال الذي شغل العديد من الفلاسفة والشعراء والروحانيين وعلماء النفس منذ القدم وعلى مرّ قرون.
والسؤال له علاقة بأنواع التجارب المتاحة للعقل الإنساني وبفحص الطبيعة الحقيقية للعالم الذي نعيش فيه.
فهناك تجارب مرّ بها أشخاص عاشوا حالات غير عادية من الوعي، مثل الذين عادوا إلى الحياة بعد أن قاربوا الموت، أو الذين استخدموا عقاقير نقلتهم إلى حالات ذهنية معدّلة، أو ما يقال عن الوسطاء الروحانيين الذين يصِلون الأحياء بأقاربهم الذين غادروا هذه الحياة.
لكن هناك من العلماء من يفرّقون بين حالتي الحلم والواقع ويجادلون بأن عالمنا الواعي متماسك، وهو ما يفتقده الحلم. غير أن ديمومة الأشياء وعناصر البيئة التي نراها في عالم الواقع ليست ضمانة على أن هذا العالم واقعيّ حقّا.
من جهة أخرى، فإن الفيزياء تعلّمنا بأن الأشياء التي ننظر إليها على أنها صلبة هي مكوّنة بالكامل من فضاءات فارغة. وتجارب الكوانتم تَعتبر انه في ظلّ ظروف معيّنة فإن كتل المباني لا تتصرّف كجزيئات وإنّما كموجات من الاحتمالات.
وبناءً عليه، هل يأتي يوم نصحو فيه من حلم فنرى عالما أكثر تماسكا وواقعية ونمرّ بمستويات غير مسبوقة من المعرفة والذاكرة وغيرها من الوظائف الادراكية تتجاوز تلك التي نعرفها في حياتنا العادية.
أهل التبت يعتقدون أن الإنسان عندما يغادر هذه الحياة يدخل في حالة شبيهة بالحلم بانتظار ولادته من جديد.
ومعنى أن "الحياة حلم" عندهم هو أن كل شيء هو ثمرة عقل الإنسان. فجسدك يتحلّل كل يوم، وهو يتغيّر باستمرار. ومن خلال التأمّل يمكنك أن توقف شعورك بجسدك أو أن لك جسدا. وفي فهمهم أن هذا العالم ليس حقيقيا لأنه نتيجة ما تتصوّره عقولنا القاصرة والمحدودة عنه.
في هذا العالم، كلّ شيء مركّب. خذ السيّارة مثلا. ما الذي يتبقّى منها إن جرّدتها من الزجاج والأنوار والماكينة والمقاعد؟! في الحقيقة لا يبقى شيء بعدها يمكن أن يُسمّى سيّارة.
إن وجودنا في هذا العالم العائم يشبه قطرة ندى صغيرة، أو فقاعة طافية فوق جدول، أو ومضة ضوء في غمامة صيف، أو شمعة واهنة في مهبّ الريح. انه وجود حالم بل وهشّ أيضا.
كان تلاميذ بوذا يسألونه: هل أنت قدّيس أم إله أم زاهد متصوّف؟ وكان يجيب: أنا شخص إستيقظ". لذا سُمّي "بوذا"، أي الشخص الذي تمّ إيقاظه. وهو للحقيقة لم يقل إن الحياة حلم، بل قال إنها معاناة، وأحيانا وهم.
إن حياة الإنسان تتلاشى مثل ندى الصباح. فكّر في ماضيك وكيف أن الأشياء لم تدُم. هل تتذكّر شخصا رأيته وهو يلفظ الأنفاس الأخيرة من حياته؟ كلّ شيء ينتهي في لحظة خاطفة.
العلماء يقولون إن حياة شخص واحد ليست سوى جزء من الثانية من عمر الكون. ووجود البشر على هذه الأرض نسبةً إلى الزمن الجيولوجي للكوكب ليس أكثر من بضع وخمسين ثانية.
انظر إلى السماء في ليلة مظلمة. سترى نجوما لا تُعدّ ولا تُحصى. لكن يُحتمل أن بعضها لم تعد هناك، بل ماتت مُنذ ملايين السنين. وما يصلنا هو ضوئها الذي يقطع مسافات فلكية كي يصلنا. أفلا يبدو هذا اقرب ما يكون إلى الحلم؟
إن حياة الإنسان على هذه الأرض مقارنةً بحياة الجبال والأنهار والمحيطات الهائلة قصيرة جدّا. إنها مثل حلم يدوم ثواني معدودة ثم يتلاشى في الهواء بسرعة.
ولو تذكّرت الماضي، أي قبل ٣٠ سنة أو ٢٠ أو حتى قبل أشهر، فإن كلّ ما بقي لديك هو الذكريات.
فالعيش نوم والمنيّة يقظة
والمرء بينهما خيال ساري
ذات مرّة قرأت أن الإنسان إذا حضره الموت فإنه يرى في لحظات احتضاره شريطا من صور حياته وذكرياته، تمرّ أمام عينيه وتختصر أهم المواقف والأشخاص في حياته الفانية.
"الحياة حلم" جملة يمكن أن يكون لها معنى ديني أحيانا، فإذا فكّرت في الخلود فإن الحياة على الأرض تشبه حلما. وفي هذه الحالة فإن على الإنسان أن يعمل للحياة الأخرى ويستعدّ لها بالعمل الصالح.
يقول الإمام علي عليه السلام:
إنما الدنيا كظلّ زائل
أو كضيف بات ليلا فارتحل
أو كطيف قد يراه نائم
أو كبرق لاح في دنيا الأمل
لكن سواءً كانت هذه الحياة واقعا أم حلما، فإننا يجب أن نعيشها كما ينبغي وأن يتحمّل كلّ منّا مسئوليته ليطوّر نفسه ويستثمر ما وهبه الله له من نعم وعطايا على أفضل وجه لفائدة نفسه والآخرين.

Credits
psychologytoday.com

Monday, September 13, 2021

الوصايا الثلاثون

  • عندما تقابل شخصا مضى وقت طويل منذ أن رأيته آخر مرّة، فلا تسأله كم أصبح عمره أو ما هو راتبه الآن، ما لم يبادر هو إلى إخبارك. هذه الأشياء لا فائدة من معرفتها وقد تُشعر الشخص الآخر بالضيق.
  • لا تهاتف شخصا أكثر من مرّتين. إذا لم يردّ على اتصالك فافترض أنه مشغول بأمر هام.
  • أعد المال الذي اقترضته حتى قبل أن يطلبه الشخص الدائن. هذا يثبت أنك شخص نزيه تقدّر معروف الآخرين. ونفس الشيء ينطبق على أي شيء تقترضه أو تستعيره من الغير.
  • إذا دعاك أحد إلى عشاء أو غداء في مطعم، فلا تطلب أغلى طبق على قائمة الطعام.
  • لا تسأل أسئلة لا لزوم لها، مثل لماذا لم تتزوج أو لماذا لم تنجب أطفالا أو لماذا ليس لديك بيت. هذه أشياء لا تخصّك وليست من شأنك.
  • إخلع نظارتك الشمسية إذا أردت الحديث مع شخص ما في الشارع. هذه بادرة احترام منك، لأن التواصل بالعيون مهم مثل التواصل بالكلام.
  • دائما أبقِ الباب مفتوحا للشخص الذي يمشي وراءك. هذه لفتة تدلّ على مجاملتك ولطفك.
  • إحترم اختلاف الآراء. فالرأي الآخر قد يكون هو أيضا وجيها ومنطقيا. بل قد يكون أحيانا أكثر وجاهة من رأيك.
  • لا تتحدث عن ثروتك أمام الفقراء، ولا عن أطفالك أمام أشخاص لم يُرزقوا بأطفال.
  • تذكّر أن الأصدقاء الحقيقيين قليلون ونادرون هذه الأيام. وستكون محظوظا إن ظفرت بواحد أو اثنين.
  • لا شيء يأتي بسهولة في هذه الحياة. فلكي تحقق شيئا يجب أن تعمل عليه بجدّ وتعب.
  • دائما إمدح علنا، وإذا أردت أن تنتقد أحدا فأخبره بينك وبينه.
  • لا تقاطع الشخص الذي يكلمك. دعه يقول كل ما لديه. هذا دليل على أنك إنسان مهذب ومراعٍ للآخرين.
  • لا يوجد سبب يدعوك لأن تقول لشخص: وزنك زاد في الفترة الأخيرة"، خاصّة إن كنت لا تعرفه إلا من بعيد. قل له أنت رائع، أو تبدو بحال حسن. لكن إن أراد الشخص أن يحدثك عن هذه الأشياء فهذا شأنه.
  • عندما يريك شخص ما صورة في هاتفه الجوّال فلا تحاول أن تمرّرها لترى غيرها. فأنت لا تعرف ما الذي بعدها. كما أن هذا ليس من شأنك ويُظهرك بمظهر الشخص النزق والمتطفّل.
  • إذا وجّه شخص كلامه إليك بشكل مباشر فلا تنظر إلى جوّالك، لأن هذا ليس من دواعي الأدب أو الذوق.
  • ستكون لوحدك في أصعب ظروف حياتك. لا أحد سيهتم بمساعدتك، بل يتعيّن عليك أنت أن تساعد نفسك. وتذكّر أن الظروف الصعبة تصقل الإنسان وتجعله أكثر حكمةً ونضجا وجسارة.
  • ستقابل كثيرا من الأشخاص المزيّفين والمتطفلين والشامتين والتافهين. تعلّم كيف تعرفهم ثم احتفظ بمسافة آمنة منهم.
  • إذا قال لك صديق أن لديه موعدا مع طبيب فلا تسأله عن مرضه. فقط تمنّ له الشفاء والعافية، لأنه لو أراد أن يطلعك على طبيعة مرضه فسيقول لك دون أن تسأله.
  • لا تقدّم نصيحة لأي إنسان أبدا إلا إن طلب منك ذلك من تلقاء نفسه.
  • لا تستهن أبدا بنفسك. فلديك من الإمكانيات والقدرات والمواهب أكثر ممّا تظن.
  • أحيانا قد يصادفك من يحاول جرّك إلى الوراء بدافع الغيرة أو الحسد. فلا تندهش ولا تستغرب فهذه طبيعة الحياة. وكل ما عليك فعله هو أن تحافظ على تقدّمك وتعزم على بلوغ أهدافك.
  • إذا مازحت شخصا وبدا لك أن تصرّفك لم يرُق له، فتوقف عن المزاح فورا ولا تكرّر ذلك مرّة أخرى، لأن هذا يُظهر أنك مهتم بمشاعر الآخرين.
  • من الجيّد أن تكون إنسانا كريما. لكن هناك حدّاً لكل شيء. ولو تغيّرت ظروفك ووقعت في ضائقة لا سمح الله، فلن يغفر لك من عوّدتهم على سخائك وسيرمونك بالبخل وينسون كرمك القديم.

  • Credits
    psychologytoday.com

    Thursday, September 24, 2020

    ليلة أخرى مرصّعة بالنجوم

    آدم إلزهايمر ليس اسما شائعا أو مألوفا. لكنّ هذا الرسّام الألمانيّ يعرفه مؤرّخو الفنّ بسبب هذا المنظر الليليّ الذي رسمه قبل أكثر من أربعمائة عام.
    وعندما توفّي الفنّان في سنّ الثانية والثلاثين، لم يترك أيّ أثر عن الفترة القصيرة التي عاشها على الأرض، باستثناء هذه اللوحة التي وُجدت في غرفة نومه بعد وفاته.
    كانت اللوحة، واسمها "الرحلة إلى مصر" تحفته بلا منازع. وقد أثارت حيرة المؤرّخين لأنها أوّل منظر مرسوم بواقعية للسماء الليلية في كلّ تاريخ الرسم. القمر والنجوم، وحتى مجرّة درب التبّانة التي لا تُرى عادة إلا بصعوبة، رُسمت بدقّة شديدة. بل إن بالإمكان أيضا تمييز كوكبتي الأسد والدبّ الأكبر بوضوح في سماء المنظر.
    وهناك اليوم من العلماء من يؤكّدون، من خلال الحسابات الفلكية والسجلات التاريخية، أن منظر السماء الليلية في اللوحة يتوافق مع شكل سماء روما في تلك الليالي من شهر يوليو عام 1609م.
    والسؤال المحيّر: كيف تسنّى للرسّام أن يفعل هذا؟ هل كان يعرف فلكيين؟ هل استخدم تلسكوبا، على الرغم من ندرة التلسكوبات في ذلك الوقت؟
    عندما نُظّم معرض إستعاديّ لأعمال آدم إلزهايمر قبل بضع سنوات، أطلق المنظّمون على المعرض اسما معبّرا هو "الشيطان في التفاصيل". وأرفقوا بكلّ تذكرة دخول إلى المعرض منظارا مكبّرا قيمته ستّة جنيهات لتسهيل رؤية التفاصيل في اللوحات الصغيرة المعروضة. كما اختاروا لغلاف الكرّاس المرافق للمعرض منظرا ينيره ضوء القمر، وهو تفصيل من لوحة إلزهايمر الأشهر، أي "الرحلة إلى مصر".
    وكان ذلك اختيارا موفّقا. فاللوحة تكفي لإثبات أحقيّة الرسّام لأن يكون شخصا مهمّا في تاريخ الفنّ. مع أنك لو نظرت من بعيد إلى حيث توجد اللوحة اليوم في إحدى صالات متحف في ميونيخ لما لفتت انتباهك، لكن عند اقترابك منها ستُذهل لروعتها وجمال تفاصيلها.
    في "الرحلة إلى مصر" يستدعي إلزهايمر كلّ مهارته ليرسم تنويعا أصيلا ومتفرّدا على قصّة معروفة وشائعة. والغريب انه كان أول فنّان يرسم القصّة في الليل وكما روتها المصادر الدينية.
    ومثل معظم لوحات إلزهايمر، فإن هذه القصّة داخل المنظر الطبيعي صغيرة. وقد رسمها على النحاس الذي يكشف سطحه الأملس عن لمعان الطلاء الزيتيّ، ما يجعل الألوان تبدو متوهّجة والتفاصيل في غاية الوضوح.
    في مقدّمة الصورة، أمام غابة مظلمة، نرى عائلة المسيح الطفل أثناء رحلة هروبهم من بطش الملك هيرود الذي أمر بقتل كلّ طفل يولد في مملكته خوفا من أن يكون هو النبيّ الموعود.
    الضوء المنبعث من الشعلة التي يمسك بها يوسف النجّار، ذو الرداء الأحمر، لامع بما يكفي لرؤية تقاطيع وجهي المسيح وأمّه التي تمسك به. ويوسف الجالس بالقرب منهما يمدّ يده بحنوّ إلى الطفل ويداعبه. الأشخاص الثلاثة ضائعون في الليل بين بحيرة ساكنة ونار قريبة وقمر منعكس في الماء.
    عتمة الأشجار خلفهم هي رمز للظلام والخطر. والغيوم إلى اليمين تُعطي شعورا بالانزياح وتبدو وكأنّها تتحرّك طالما أنت تنظر إليها. إنها لوحة ناعمة ومتوتّرة معا بسبب موضوعها. والليل فيها مرسوم كمعجزة ودليل هداية على الطريق. والضوء الآتي من القمر يجمّد حوافّ الظلام.
    وإلى اليسار يظهر بضعة أشخاص آخرين يغمرهم ضوء أقوى. وهؤلاء هم مجموعة من الرعاة الذين يسهرون على رعاية مواشيهم في هذا المكان.
    ووجودهم في الصورة استمدّه الرسّام من قصّة الرعاة الذين تلقّوا خبر ولادة المسيح من ملاك وذهبوا إليه كي يشهدوا على نبوءته كما تقول القصّة. وهذه الجزئية في الصورة تخلق إحساسا بالسكينة وتبدّد شيئا من قلق الرحلة.


    ما رسمه الفنّان في اللوحة هو مزيج من الطبيعة الحقيقية والشاعرية. السماء الزرقاء تهيمن على المنظر. والقمر المكتمل المتوهّج والمنعكس نوره في البحيرة الساكنة هو المصدر الأقوى للضوء الذي ينير المشهد ويتخلّل الأشجار القريبة والأبعد قليلا.
    إنها ليلة أخرى مرصّعة بالنجوم، نهر من النجوم الصغيرة تتناثر في سماء المنظر وتختفي خلف الأشجار. التأثير هنا ساحر، فهذا أوّل رسم لمجرّة درب التبّانة قريب من الحقيقة. بل إن مؤرّخي الفنّ يعتقدون أن هذا هو أوّل مشهد لقمر مضيء واقعيّ في تاريخ الرسم الغربيّ.
    وعلى الأرجح لا يوجد رسم للنجوم، بهالاتها الباردة وسطوعها الغريب، أفضل مما تقدّمه هذه اللوحة. ويمكنك، ليس فقط تمييز النجوم والكواكب، وإنما أيضا سترى، ربّما لأوّل مرّة، تجسيدا صحيحا علميّا لدرب التبّانة.
    كما سترى كوكبة الأسد المرتبطة بالملوكية والقوّة، مع ألمع نجومها، أي النجم المسمّى "ريغولوس" أو الملك الصغير. وهناك أيضا كوكبة الدبّ الأكبر المرتبطة بـ "دايانا" ربّة القمر ورمز العفّة والعذرية والطهر، وكلّها صفات للعذراء.
    يقول احد النقّاد: مع هذه اللوحة لم تعد سماء الليل مجرّد عباءة سوداء، بل تحوّلت إلى رمز لفضاء لا تحدّه حدود ومليء بالمجازات والرؤى.
    ويُرجّح الآن أن إلزهايمر، أثناء إقامته في روما، تواصل مع فلكيين كانوا، بدءا من منتصف عام 1609، يستخدمون التلسكوبات لاستكشاف السماء.
    وقد أثبت خبراء هولنديون عام 2005 أن الرسّام وظّف معرفته الفلكية في رسم اللوحة وأنه لا بدّ أن يكون قد استخدم تلسكوبا. فالطبيعة السماوية في المنظر تتوافق بدقّة مع مواقع القمر ومنازل النجوم في سماء روما في ذلك الشهر من تلك السنة.
    ولد الرسّام آدم إلزهايمر عام 1578 في مدينة فرانكفورت لأب كان يعمل خيّاطا. وبدأ دراسة الفنّ هناك قبل أن ينتقل إلى ميونيخ التي درس فيها على يد فيليب اوفنباخ.
    وبحلول عام 1598، غادر إلى ايطاليا والتحق بأكاديمية سانتا لوكا للفنّ التي كانت تضمّ مجموعة من الرسّامين المتميّزين الذين كانوا يرتبطون بدائرة الرسّام الهولندي بيتر بول روبنز.
    حقق إلزهايمر شهرة كبيرة أثناء حياته. وكان الزبائن يبحثون عن لوحاته، لكنه لم يكن ناجحا ماليّا لأن نتاجه كان قليلا ومتباعدا. كان يعمل ببطء ويدرس موضوعاته بحرص ويعمل من الذاكرة.
    ولطالما اعتبره روبنز فنّانا كسولا على الرغم من موهبته الكبيرة. وقيل انه عانى من الاكتئاب في نهايات حياته. ثم توفّي وعمره لا يتجاوز الـ 32. وكانت "الرحلة إلى مصر" هي آخر ما رسمه.
    وعندما توفّي، لم يترك أيّ اثر عن حياته الشخصية. لكننا اليوم نعرف انه أثناء إقامته في ايطاليا، تحوّل من اللوثرية إلى الكاثوليكية ثم تزوّج من امرأة اسكتلندية تُدعى كارولا ستيوارت وأنجبا ولدا، ثم سُجن في ما بعد بسبب ديونه.
    وبعد مرور قرون على رحيله، أصبح لإلزهايمر شعبية واسعة في إنغلترا على وجه الخصوص. وقد جمع الملك تشارلز الأوّل أعماله المتوفّرة، ويقال أن ثلثها موجود اليوم في بريطانيا.
    أما الأعمال الأخرى فتتوزّع على أفضل المتاحف في أوربّا وأمريكا، بما فيها اللوفر والارميتاج وبول غيتي وغيرها.
    ومعروف أن إلزهايمر ترك أثرا على الكثير من الرسّامين الذين أتوا بعده، وأهمّهم مواطنه الألماني كاسبار فريدريش الذي تُذكّر لوحته "أمسية على شاطئ بحر البلطيق" (1831) بهذه اللوحة.

    Credits
    wsj.com