المشاركات

Featured Post

رحلة على طريق الحرير

صورة
هناك من العبارات ما يستدعي للذهن عوالم كاملة من صور ورحلات وذكريات، سواءً كانت حقيقية أو متخيّلة. وطريق الحرير هو إحدى هذه العبارات. مجرّد ذكر اسمه يستحضر مناظر لقوافل تمرّ عبر صحارٍ وواحات خالدة، وجِمالٍ محمّلة بنفائس الحرير، ورجالٍ تشعّ أعينهم بالبريق، يرتدون العمائم ويحملون الياقوت واللآليء والتمور والزعفران والفستق من بلاد فارس، والزجاج من مصر، والصِبر وخشب الصندل وشتّى أنواع العطور من الجزيرة العربية. طريق الحرير، أيضا، ما أن يُذكر اسمه حتى تتوارد إلى الذهن إيحاءات وأفكار عن التسامح وامتزاج الحضارات. أصبحت هاتان المفردتان نوعا من مصطلحات العصر الجديد وباتت دلالتهما تخترق كلّ شيء، من الموسيقى العالمية إلى كتب الطبخ النباتي. صورتنا الذهنية عن طريق الحرير قد تكون تشكّلت، إلى حدّ كبير، من خلال مكتشفين جغرافيين من أمثال اوريل ستين وسفن هيدين اللذين أعادا اكتشاف كنوز المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. تلك القصص المثيرة ألهمت فيما بعد سلسلة المغامرات التي يقوم ببطولتها علماء آثار أسطوريون من قبيل ما عرضه فيلم انديانا جونز لـ ستيفن سبيلبيرغ. الرومانسية...

نصوص مترجمة

صورة
عندما تنظر إلى السماء في ليلة صافية بلا قمر، سترى كوناً من النجوم، مناراتٍ لا حصر لها من غابر الأزمان وأبعد المسافات. وإذا نظرت إلى أسفل، فلن ترى سوى قدميك والأرض التي تقف عليها، ولا شيء غير ذلك. ماذا يكمن في باطن الأرض، تحت الصخور والتربة والبحار التي تحيط بنا؟ بالنسبة للمفسّرين الكلاسيكيين، كان الجواب واضحا: مملكة هيديس، الموطن الجوفي للأموات والملعونين. أما رواية العِلم فمختلفة، ولكنها مع ذلك لا تقلّ روعة. فنحن نعيش فوق طبقات من القشرة والوشاح واللبّ، تتحرّك ببطء وتشكّل ديناميكياتها المناظر الطبيعية والجغرافيا، وحتى الحياة نفسها. في كتابه "لماذا تفوح رائحة الكبريت من الجحيم: أساطير وجيولوجيا العالم السفلي"، يؤرّخ زالومون كروننبيرغ لرحلة البشرية من تفسير إلى آخر. يبدأ رحلته من القدس، التي نزل منها يسوع إلى الجحيم. جابَ المدينة القديمة بحثا عن البوّابة، دون جدوى. كانت المواقع المرشّحة غير مقنعة وغير ملهمة. وأُصيبَ المؤلّف بخيبة أمل مماثلة عند زيارته بحيرة أفيرنو، التي دخل منها إينياس إلى العالم السفلي. ثم ذهب الكاتب الى غرب اليونان، حيث يمثّل ملتقى نهري ...

ألماني في أمريكا

صورة
في صيف عام ١٩٠٥، سافر الفيزيائيّ الألمانيّ لودفيك بولتزمان إلى الولايات المتحدة لإلقاء سلسلة من المحاضرات في جامعة كاليفورنيا، بيركلي. وقد وثّق تلك الرحلة لاحقا في كتاب رحلات خفيف وممتع. كانت رحلة بولتزمان بمثابة استراحة عابرة ومُبهجة في حياته. وبعد عودته، عانى من المرض ومن تدهور صحّته النفسية، وأقدم على الانتحار في سبتمبر من السنة التالية. فيما يلي مقاطع مترجمة ومختارة من انطباعات لودفيك بولتزمان عن رحلته الأمريكية.. ❉ ❉ ❉ كانت رحلتي الأخيرة إلى كاليفورنيا في صيف عام 1905 رائعة حقّا. لذا سأتحدّث عنها قليلا. بالتأكيد لا أدّعي أنه يجب عليك السفر إلى كاليفورنيا لرؤية مناظر خلابة ومثيرة للاهتمام، أو لقضاء وقت ممتع. فبمجرّد المشي في جبال وطننا الجميلة، يمكن للمرء أن يشعر بمتعة وفرح لا حدود لهما. لكن زيارة كاليفورنيا يظلّ لها سحر خاص. حضرت يوم الخميس كالمعتاد الاجتماع الدوري لأكاديمية فيينا للعلوم، حيث أعمل أستاذا للفيزياء النظرية. وبعد الاجتماع، لاحظ أحد الزملاء أنني لم أكن متّجها إلى شارع باكيرشتراس، طريقي المعتاد، فسألني إلى أين أنا ذاهب. أجبت باقتضاب:...

نصوص مترجمة

صورة
في عام ١٩١١، وبعد أشهر قليلة من تولّيه العرش، انطلق اصفنديار خان، حاكم خِيوا، إلى سانت بطرسبورغ للقاء إمبراطور روسيا، نيكولاس الثاني. كانت خانيّة خِيوا إمارة إسلامية صغيرة نسبيّا تقع في جنوب نهر جيحون "أمو داريا". وقد اعتُبرت منذ سيطرة روسيا عليها عام ١٨٧٣ دولة شبه خاضعة، وعُرفت في الدراسات اللاحقة بأنها محميّة تابعة للإمبراطورية الروسية. لذا، لم يكن مستغربا أن يرى اصفنديار خان، بعد تولّيه الحكم عام ١٩١٠، أن من الحكمة القيام بزيارة رسمية للإمبراطور الروسي. كانت رحلة طويلة وشاقّة، رافقه خلالها حاشية كبيرة وعدد وافر من الهدايا. وعند وصوله إلى العاصمة الإمبراطورية، دُهش اصفنديار خان عندما علم أن عليم خان، حاكم إمارة بخارى المجاورة، والتي كانت أيضا محميّة روسية، كان موجودا أيضا في العاصمة الإمبراطورية. ويبدو أن العلاقات بين الحاكمين المسلمين لم تكن على ما يُرام، واتّضح ذلك من عدم وجود نيّة لدى أيّ منهما، أثناء وجودهما في سانت بطرسبورغ، لرؤية الآخر أو حتى مجرّد الالتفات إليه. وقد حاول رئيس المراسم الروسي تدارك هذا الوضع، فأبلغ اصفنديار خان "رغبة جلالة إمبراطور رو...

خواطر في الأدب والفن

صورة
في 26 يوليو 1533، اقتيد أتاهوالبا، آخر امبراطور للإنكا، إلى الساحة العامّة في أحد مرتفعات الأنديز في بيرو. وكان فرانسيسكو بيزارو، الغازي الإسباني الذي أسره، قد قرّر أنه يجب أن يموت. في البداية، أثار الإمبراطور إعجاب الإسبان، وقدّروا كبرياءه وعقله وحكمته وخفّة ظلّه. قيل إنه كان "وسيما، ذكيّا وقويّ الشخصية". وكانت الخطّة الأولى لبيزارو ورفاقه الغزاة هي حرق أتاهوالبا حيّا، كما يفعلون مع "الزنادقة". ولكن نظرا لأن الإمبراطور قد اعتنق المسيحية، لم يعد هذا ممكنا. فقاموا بخنقه بالسلاسل وتركوا جثّته في الساحة طوال الليل كي يراها رعاياه. فيما بعد، زعم الإسبان أنهم منحوه محاكمة عادلة. لكن روايات شهود العيان تقول شيئا آخر وتتحدّث عن "أناس صغار حاولوا إخضاع شيء أعظم لا يفهمونه". كان الاسبان قد نصّبوا سلسلة من الحكّام الصوريين على العرش بعد خلع الامبراطور. كما استغلّوا طبقة من الخدم الذين ارتبطوا بهم وكانوا مصدرا قيّما للمعلومات. خيول الاسبان ودروعهم وأسلحتهم منحتهم تفوّقا ساحقا عجز الإنكا عن التغلّب عليه. ولم تكن الخيول موجودة في أمريكا الجنوبية ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
شكّلت بعض الأحلام والرؤى نقاط تحوّل مهمّة في تاريخ أوروبّا. تذكر أسطورة قديمة أنه عندما أطاح الإمبراطور الروماني قسطنطين بمنافسه ليسينوس، حلمَ ذات ليلة بأن الإمبراطورية الرومانية على وشك الانهيار. فقرّر التوجّه إلى إيليون (طروادة اليوم)، مسقط رأس مؤسّس روما القديمة، وبناءَ عاصمة جديدة هناك. وبفضل هذه المدينة الرومانية، سيتمّ منع انهيار الإمبراطورية. وبدأ قسطنطين برسم حدود العاصمة الجديدة، وكان من المقرّر أن يكون ضريح أياكس مركزها. وبدأ بناء الأسوار وإقامة بوّابات المدينة. وفي تلك اللحظة، رأى الإمبراطور حلماً آخر ظهرت فيه سيّدة ترتدي ملابس رثّة تتوسّل إليه أن يعطيها ثياباً. وأخبره مفسّرو الأحلام أنه بحاجة إلى إحياء مدينة أخرى من الخراب. وتذكّر قسطنطين انتصاره العسكري الأخير في كاديكوي، فبدأ بقياس أسوار وأبراج طروادة، تاركاً إيّاها غير مكتملة. لكن نسرا مهيبا هبط من السماء وانتزع حبل القياس من يد الإمبراطور. وبعد عبور الطائر للبحر، ترك الحبل عند أبواب مدينة بيزنطة القديمة. وأدرك قسطنطين على الفور أن تلك "رسالة من الله"، وبدأ عمله من جديد عند أسوار المدينة، حيث أسقط ا...

ظِلّ المسافر

صورة
في صيف عام 1694، أكمل ماتسو باشو عامه الخمسين. غادر الشاعر إيدو للمرّة الأخيرة، وقضى بعض الوقت في أوينو مسقط رأسه، ثم في كيوتو. في ذلك الوقت، كان باشو يعكف على تأليف آخر أعماله "الطريق الضيّق إلى أقاصي الشمال". وقد أنجز هذا الكتاب قبيل وفاته في نفس تلك السنة، وهو عبارة عن يوميّات سفر تمزج بين النثر والشعر، وثّق فيها رحلته الملحمية التي امتدّت لمسافة 1500 ميل عبر براري شمال اليابان. ❉ ❉ ❉ منذ حوالي عشر سنوات، تخلّيتُ عن حياة المدينة. والآن أقترب من الخمسين، وأبدو كحلزون بلا قوقعة، وتعلو وجهي سُمرة بفعل لفح شمس كيساكاتا الحارقة، بينما أعاني من كدمات في كعبي من أثر المشي على شواطئ بحر الشمال الوعرة. وها أنا ذا الآن أسبح بين أمواج بحيرة بيوا. خلف إيشياما، يقع تلّ اشتُقّ اسمه من معبد قديم. وإذا عبرتَ الجدول الضيّق الذي يجري بجانبه ثم صعدتَ المنحدر، فستصل إلى مزار هاتشيمان. عادةً، لا يزور المكان إلا القليل من الناس، وهو مُهيب وساكن للغاية. وبجانب المزار كوخ مهجور، مصنوع بابه من القصب، وتنمو الشجيرات وأعشاب الخيزران على أفاريزه، والسقف يتسرّب منه الما...

خواطر في الأدب والفن

صورة
كان الرسّام سلفادور دالي مولعا بتناول الطعام الفاخر في مجموعات كبيرة، وعلى موائد طويلة، مع نبيذ فاخر، في أفضل مطاعم باريس ونيويورك. وكان يصرّ دائما على دفع الفاتورة بنفسه. وعندما يحين وقت الدفع، كان يوقّع الشيك بهدوء وثِقة. وقبل أن يسلّمه للنادل، كان يقلِب الورقة ويرسم على ظهرها رسما تخطيطيا سريعا: أفيال، خيول، أشكال سريالية. ثم يوقّع أسفل الرسم ويسلّم الشيك للمطعم. كان الرسّام يعلم تماما ما سيحدث بعد ذلك. لن يبادر صاحب المطعم لصرف الشيك. بل سيضعه في إطار ويعلّقه على الحائط في أفضل مكان في قاعة الطعام. لوحة أصلية ومؤطّرة لدالي تفوق قيمتها سعر أيّ وجبة. وقد احتفظت مطاعم عديدة بالشيكات التي تحمل رسومات دالي وتواقيعه كتذكارات لا تقدَّر بثمن. ويقال إن هذا تكرّر مرّات عديدة على مرّ السنين، في باريس ونيويورك. في إحدى الليالي، في مطعم باريسي، طلب دالي من النادل ورقة، ثم رسم عليها فيلا رافعاً خرطومه، ووقّع أسفل الرسم، ثم سلّمها له. وربح اسم المطعم كثيرا من هذه الصفقة. لم يكن ما فعله دالي مجرّد غرابة أطوار، بل كان إدراكا منه بأن قيمة حضوره وتوقيعه قد تجاوزت بالفعل سعر أيّ قائ...