المشاركات

Featured Post

فاتح العالم

صورة
لم يكن الفيلان اللذان أحضرهما خادما الإمبراطور للتسرية عن سيّدهما مستعدّين للتعاون في ذلك اليوم. ففي مواجهة حشد من رجال الحاشية المطواعين، استدار أحد الفيلين وحاول الفرار، بينما هجم الآخر بعنف على أبناء الملك الأربعة الذين كانوا يستمتعون بالمشهد على صهوات خيولهم العربية الأصيلة. وبالكاد تمكّن ثلاثة من الأمراء من تحفيز جيادهم والهرب. لكن أورانغزيب بقي حيث هو. وبيده الممسكة باللجام، ثبّت حصانه في مكانه، بينما سدّد بالأخرى ضربة قاضية من رمحه الى جبين الفيل. وفي نوبة غضب أخيرة، سَحقَ الفيل حصان الأمير بضربة من نابه، لكن الأمير نجح في تفادي الضربة وأنقذ نفسه بحركة استدارة رشيقة. الحشد الذي كان يحبس أنفاسه بانتظار نتيجة المبارزة انفجر مردّدا هتافات النصر، بينما نزل الإمبراطور وسط اضطراب شديد من درجات الشرفة التي تابع منها المشهد. وركض خادمه المخلص "اعتماد خان" للقاء الأمير الذي كان يقترب من والده القلق بخطوات بطيئة ومحسوبة. وصرخ الخادم مذهولا: تمشي ببطء بينما أبوك الإمبراطور في حال يُرثى لها؟! تجمّد ردّ الأمير في فمه قليلا ثم قال: لو كان الفيل لا يزال يطاردني، لمشيت أس...

روبنسون كروزو الحقيقي

صورة
مشهد روبنسون كروزو وهو يتراجع عند اكتشافه آثار أقدام في جزيرته هو ما يسمّيه ستيفنسون أحد المشاهد الفارقة في الأدب الرومانسي، وهو يقارَن بصراخ أخيل في وجه الطرواديين وانحناء أوديسيوس للقوس العظيم وجَرْي كريستيان واضعا أصابعه في أذنيه. ومع ذلك، يوجد بين قصص المغامرات البحرية الحقيقية مشهد واحد على الأقل جدير بالذكر إلى جانب اللحظة الحاسمة في رواية كروزو. حدث هذا عندما التقى بيدرو دي سيرانو بناجٍ آخر "وكان إسبانيّا أيضا" على جزيرة مرجانية مهجورة قبالة سواحل البحر الكاريبي. في وقت ما خلال عشرينات القرن السادس عشر، أي في بدايات الاستكشاف والاستيطان الإسباني على سواحل أمريكا الجنوبية، تحطّمت سفينة البحّار دي سيرانو، ونجا بنفسه عندما سبح إلى الشاطئ، بينما غرق باقي أفراد الطاقم. ثم وجد نفسه في جزيرة قاحلة موحشة، خالية من أسباب الحياة. وعندما زحفت السلاحف البحرية الضخمة على الرمال، كان يَقلبها على ظهورها ويذبحها بسكّينه ثم يشرب دمها ويأكل لحمها نيّئا أو يجفّفه تحت أشعّة الشمس الحارقة. وكان بحّارة آخرون، منكوبون وفي ظروف مشابهة، قد شكروا الله على ذلك النوع من الطعام واعتب...

نصوص مترجمة

صورة
هل فكّرت يوما في سرّ رائحة الأرض الرائعة مع بداية المطر؟ هذه الرائحة ليس مصدرها الماء، بل هناك في الواقع عملية بيولوجية وراءها. إنها أنفُك تلتقط ما يحمله المطر. وأحد الأسباب المهمّة لهذه الرائحة هو مادّة تُسمّى الجيوسمين، وهو مركّب تنتجه أنواع مختلفة من البكتيريا التي تعيش في التربة. وعندما تُرشّ الأرض الجافّة بالماء، تتشكّل فقاعات صغيرة في البِرك ومسامّ التربة. وتنفجر هذه الفقاعات، ناشرةً قطرات صغيرة من الرذاذ في الهواء. ويختلط الجيوسمين في هذا الرذاذ مع مجموعة متنوّعة من الزيوت النباتية والموادّ العضوية الأخرى التي احتفظت بها الأرض. ودماغك يترجم مزيج الروائح هذا إلى تلك الرائحة النظيفة والترابية التي نعشقها جميعا عند هطول المطر. ثم يتولّى علم النفس الباقي. بالنسبة لمعظم الناس، ترتبط هذه الرائحة بأشياء معيّنة: هواء بارد، استراحة من الحر، بداية شيء جديد، وفكرة أن الأشياء تنمو. لذا، هي لا تُسجّل كإشارة كيميائية فحسب، بل تُشعرنا بمزاج رائع ومرغوب به. س. أنغولو ❉ ❉ ❉ مرّت عليّ أوقات كنت أحسد فيها أصحاب المناصب والإقطاعيين. ثم فكّرت أن أصبح كاهنا. ...

قراءات

صورة
كتب فيكتور شكلوفسكي هذه العبارات المتعاطفة مع صوفيا أندرييفنا زوجة تولستوي: كانت صوفيا المنقذ من الواقع، ولطالما ذكّرت تولستوي بأن على أطفالهما أن يعيشوا "كغيرهم"، وأن عليهم امتلاك المال وتزويج بناتهم وأن يتخرّج أبناؤهم من الثانوية والجامعة. لم يكن بوسعه أن يعارض الحكومة وإلا نُفي. كان عليه أن يكون كاتبا مشهورا وأن يكتب رواية أخرى مثل "آنا كارينينا"، وأن تنشر هي بنفسها كتبه كما فعلت زوجة دوستويفسكي، وأن تكون، علاوة على ذلك، "من الطبقة الراقية" لا بين أناس أغراب و"مريبين". كانت صوفيا رمزا للعقلانية السائدة آنذاك. أرادت أن يكون تولستوي شخصا طبيعيا، بينما كان هو يرغب في نبذ ثروته، والتنازل عن أرضه وممتلكاته لفلّاحيه، والتخلّي عن جميع حقوق نشر كتبه، معتبرا التربّح من كلماته أمرا لا أخلاقيا. واقترح على زوجته حياة بسيطة في فقر، ظانّاً أن في ذلك خلاص روحهما. وكلّما أصرّ على ترك ضيعته وبدء حياة جديدة نقيّة، ازدادت مقاومتها. وغضبت بشدّة من رغبته في جعل أبنائه، وهو الكونت، متسوّلين وبعثرتهم في العالم. كان تولستوي سيغادر "ياسنايا بوليانا...

عصر الظلام الرقمي

صورة
تلتقط الهواتف الجوّالة بلايين الصور سنويّا، وتُحمَّل بلايين الصفحات على إنستغرام وتيك توك باستمرار، وتُبعث مليارات الرسائل عبر واتساب والرسائل النصّية والبريد الإلكتروني والتغريدات وما إلى ذلك. وكلّ هذه البيانات والصور والرسائل عرضة لأن تُمسح في أيّ وقت وتضيع الى الأبد. ففي يوم ما، قد لا يكون بعيدا، لن يكون هناك وجود لليوتيوب، وقد تضيع مقاطع الفيديو المحمّلة عليه إلى الأبد. وقد يختفي الفيسبوك أيضا. وهناك سوابق لهذا. فقد حَذف موقع Myspace، أوّل شبكة تواصل اجتماعي كبيرة، جميع الصور ومقاطع الفيديو والملفّات الصوتية التي رُفعت إليه قبل عام ٢٠١٦، عن غير قصد على ما يبدو. كما اختفت إلى الأبد من الإنترنت مواقع أخرى كثيرة كانت موطنا لبعض أقدم المحادثات على الشبكة. وقد شكّل هذا الأمر مخاوفَ حقيقية للعديد من أمناء المحفوظات والمؤرّخين وعلماء الآثار حول العالم، الذين حذّروا من أن الأجيال القادمة قد تواجه "عصرا رقميّا مظلما "عند بحثها عن موادّ من الخمسين عاما الماضية. العصور الوسطى في أوروبّا، التي أعقبت انهيار الإمبراطورية الرومانية، وُصفت بعصور الظلام، لا لأنه لم يُنجز خلا...

نصوص مترجمة

صورة
عادة ما ننظر إلى كونفوشيوس باعتباره رمزا أمثل للمصلح الأخلاقي، معتقدين أنه كان يدعو دائما إلى غرس الخير الفطري في النفس البشرية. لكن في مواجهة الأزمات الحقيقية، لم يكن يعتمد على خطابات مطوّلة عن الواجب والولاء. بل توجّه مباشرة إلى جوهر الموضوع. قبل أكثر من 2500 عام، في الصين القديمة، كان أهل "لو" يُحرقون المستنقعات لتطهيرها. وفجأة هبّت ريح شمالية عاتية وانتشر الحريق بسرعة جنوبا، مهدّدا بابتلاع العاصمة بأكملها. فزع الحاكم وسارع بنفسه إلى الموقع ليقود جهود إخماد الحريق. إلا أن الناس من حوله تفرّقوا، ليس لإطفاء النار، بل لمطاردة الوحوش البرّية الهاربة من الحريق. وفي حال من اليأس، استدعى الحاكم شيخ الدولة المحترم، أي الفيلسوف كونفوشيوس، وسأله عن سبب تجاهل شعبه لتلك الأزمة الوطنية. وشرح كونفوشيوس الموقف بمنطق بارد ودقيق فقال: إن مطاردة الوحوش البرّية ممتعة وتؤدّي إلى صيد ولا يترتّب عليها أيّ عقوبة. أما مكافحة الحريق فعملية مؤلمة وخطيرة ولا تجلب أيّ منفعة أو مكافأة". بالنسبة للناس، كان صيد الوحوش خيارا مجزيا "لحم مجّاني" وخاليا من المخاطر. أما مكافحة ال...

نصوص مترجمة

صورة
أكره الصور، ليس لأنّي أخشى الكاميرا أو أعاني من حساسية تجاه الفلاش، بل لأن الصور ليست سوى فرحة مؤقتة تتحوّل إلى ألم في المستقبل. صورة اليوم هي شبح الغد. في يوم ما، ستنظر إلى صورة، وتدرك أن أحدا فيها أصبح الآن تحت الأرض. حتى لو لم تكن قريبا منه، فإن الأمر مؤلم. سكون الصورة يزيد من حدّة الغياب. والصور الجماعية هي الأسوأ. تأخذ مجموعة من الناس الذين بالكاد تحدّثوا خلال الأمسية، وتدفعهم إلى غرفة، وتجعلهم يبتسمون كما لو أنهم جماعة واحدة سعيدة. هناك دائما ذلك الشخص في الخلف الذي يبتسم بفمه لا بعينيه. هذا الشخص هو أنا. أنا الشبح في الصورة الجماعية، الحاضر شكلا والغائب روحاً. الصور أشبه ما تكون بأداء مسرحي، لقطة تجميد قسرية لتواصُلٍ مصطنع. الجميع يحاولون أن يبدوا وكأنهم جزء من كلّ، وكأنهم ينمون ويزدهرون. لا أحد يبدو وكأنه بكى للتوّ قبل ساعات. لا أحد يلتقط لك صورة أثناء جلوسك صامتا في غرفة مليئة بالناس، بينما تشعر وكأنك غريب بينهم. مثل هذه الصورة ستكون أكثر صدقا، أليس كذلك؟! هذه الصور-الأكاذيب نصنع لها أطرا أو براويز ونعلّقها على الجدران كتذكارات. ننشرها على الإنترنت مع عناوين ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
بحسب عبد السلام غاسينوف، عند الحديث عن تولستوي المفكّر وإرثه الفلسفي، يجب مراعاة أمر هام. فلم يكن الرجل فيلسوفا بالمعنى السائد اليوم، ولم يكن جزءا من تلك البيئة التي سكنها "المشرّعون"، مثل أفلاطون وأرسطو وتوما الأكويني وديكارت وهيغل وراسل وهايديغر. كانت بيئته مختلفة، إذ ضمّت كونفوشيوس ولاو تزو وبوذا والسيّد المسيح ومحمّد (ص) وفرانسيس الأسيزي ولوثر وثورو. هؤلاء هم الذين، بتعاليمهم ونشاطهم، قدّموا فهما جديدا للحياة. وبصفته ناقدا لكلّ أشكال الوثنية وفاضحاً لا يكلّ ولا يملّ لأكاذيب المجتمع، اقترحَ تولستوي أنه بدلا من "مملكة الإنسان"، ينبغي لنا أن نسعى إلى تحقيق "مملكة الربّ". وفي ملاحمه السردية، يبدو أن القدَر هو من يوجّه مجرى الأحداث وحياة الأبطال. فالحقيقة لا تحتاج إلى اختراع، بل إلى إعادة اكتشاف. وبأسلوب تعليمي يكشف لنا تولستوي الطريق الذي يجب أن نسلكه: إنه طريق الحياة البسيطة واللاعنف والمحبّة، الذي يقود إلى تحقيق ملكوت الربّ. لكن هذا الجانب الأخير من شخصية تولستوي، أي تولستوي الواعظ، هو ما يرفضه منتقدوه. فنهجه الدوغماتي المتعالي ونزعته المط...