المشاركات

Featured Post

رُعاة أركاديا

صورة
عاش الرسّام الفرنسي نيكولا بوسان في القرن السابع عشر وقضى معظم حياته في إيطاليا. وكان من عادته أن يمزج لوحاته بشيء من الفلسفة والفكر. لوحته "فوق" ذات طبيعة فلسفية، وقد صوّر فيها عددا من الرعاة في أركاديا، وبينهم امرأة، وهم يكتشفون قبرا في أرضهم ويحاولون قراءة عبارة غامضة مكتوبة بلسان الموت على شاهد القبر وتقول: أنا أيضا كنت في أركاديا". وبينما يبدو الرجال مذهولين من حقيقة أن الموت يمكن أن يزور مكانا مثاليّا مثل أرضهم الوادعة والهانئة، فإن المرأة ذات الملامح التمثالية تبدو حكيمة ومتفهّمة وكأنها تقول: لا يمكن فعل شيء حيال ذلك، حتى أكثر العوالم كمالاً محكوم عليها بالزوال. هذه طبيعة الحياة". قيل إن عبارة "أنا أيضا كنت في أركاديا"، التي أصبحت مشهورة ومتداولة كثيرا، هي من اختراع الرسّام نفسه ولم ترد في أيّ كتاب أو أثر قبل ذلك. وقد اقتبسها كثير من الفلاسفة والشعراء في القرون التالية. وهناك من يرى أن للعبارة معنى أكثر عمقاً ممّا تعنيه ظاهريا، ويمكن تلخيصه في أن اكتشاف الفنّ كان ردّ فعل مبدعاً من الإنسان عندما اكتشف لأوّل مرّة الحقيقة الصادمة عن حتمية ...

قراءات

صورة
لجزر الملوك اسم آخر هو جزر التوابل. وعلى مدى قرنين من الزمان، لم يفكّر بها إلا من تتبّعوا وجرّبوا بحارها العظيمة. كانت التوابل هي ما سعى إليه كولومبوس عندما أبحر غربا عام ١٤٩٢. وكان الطريق الشرقي إلى مناطق التوابل هو ما استقطب جهود البرتغاليين وقاد سفن دي غاما إلى المحيط الهندي عام ١٤٩٧. أما الطريق الغربي إلى جزر التوابل، فقد سعى إليه ماجلان في رحلته حول العالم بعد ذلك بعشرين عاما. كانت المنحة الملكية لديل كانو، الذي عاد بسفينة واحدة من تلك الرحلة، مشروطة بدفع عودين من القرفة وثلاث جوزات طيب واثنتي عشرة حبّة قرنفل سنويا. وكان شعار مرتبة النبيل التي مُنحت له تحمل صورتين لملكين من الملايو يحملان أغصان التوابل. كانت اسبانيا تعتبر أن الإبحار حول العالم أقلّ شأنا من اكتشاف طريق إلى هذه الجزر. وكان الوصول إليها هو الهدف من محاولات فتح ممرّ شمالي شرقي حول آسيا وممرّ شمالي غربي حول أمريكا. وكان تحديد ملكيتها موضوعا لرسالتين بابويتين واتفاقية بين سلالتي إسبانيا والبرتغال الملكيتين، وسقطت في النهاية كغنيمة حرب في يد هولندا. في عصر الاكتشافات، كانت الهند والصين مجرّد أسماء ضئيلة مق...

نصوص مترجمة

صورة
في أقصى غرب جبال الهيمالايا، يمتدّ وادٍ ساحر كجنّة على الأرض. وكما يوحي اسمه، يتراءى "وادي الزهور" لزائره كبساط أخضر مغطّى بالأزهار. وكلّ من حاول تسلّق قمم الهيمالايا ذُهل من جمال هذا الوادي المُزهر الذي يمتدّ على مساحة تسعين كيلومترا مربّعا، ويبلغ ارتفاع أعلى نقطة فيه حوالي سبعة آلاف متر فوق سطح البحر، وهو بمثابة واحة غنّاء يرتاح فيها المتسلّقون من عناء الرحلة. و"وادي الزهور" حديقة وطنية تقع في ولاية أوتاراكاند بالهند، بجوار حديقة ناندا ديفي الوطنية شرقا. وقد أُدرجت هاتان الحديقتان الوطنيّتان ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو عام 2004. وفي الماضي، كانت هذه المنطقة غائبة تماما عن الخريطة. ولكون المنطقة محاطة بالجبال والتلال، يبدو أن الوصول إلى الوادي لم يكن معروفا إلا لعدد قليل من الحيوانات البرّية، كالدبّ الأسود الآسيوي والنمر الثلجي والدبّ البنّي والأغنام الزرقاء. وكان هذا هو الحال إلى أن اكتشفه المتسلّق البريطاني فرانك سميث عام ١٩٣١، بعد أن تسلّق بنجاح قمة جبل كاميت. وكان سميث محظوظا بالعثور على هذا الوادي ذي الجمال الأخاذ. وهو من أطلق عليه هذا الاسم ا...

روبنسون كروزو الحقيقي

صورة
مشهد روبنسون كروزو وهو يتراجع عند اكتشافه آثار أقدام في جزيرته هو ما يسمّيه ستيفنسون أحد المشاهد الفارقة في الأدب الرومانسي، وهو يقارَن بصراخ أخيل في وجه الطرواديين وانحناء أوديسيوس للقوس العظيم وجَرْي كريستيان واضعا أصابعه في أذنيه. ومع ذلك، يوجد بين قصص المغامرات البحرية الحقيقية مشهد واحد على الأقل جدير بالذكر إلى جانب اللحظة الحاسمة في رواية كروزو. حدث هذا عندما التقى بيدرو دي سيرانو بناجٍ آخر "وكان إسبانيّا أيضا" على جزيرة مرجانية مهجورة قبالة سواحل البحر الكاريبي. في وقت ما خلال عشرينات القرن السادس عشر، أي في بدايات الاستكشاف والاستيطان الإسباني على سواحل أمريكا الجنوبية، تحطّمت سفينة البحّار دي سيرانو، ونجا بنفسه عندما سبح إلى الشاطئ، بينما غرق باقي أفراد الطاقم. ثم وجد نفسه في جزيرة قاحلة موحشة، خالية من أسباب الحياة. وعندما زحفت السلاحف البحرية الضخمة على الرمال، كان يَقلبها على ظهورها ويذبحها بسكّينه ثم يشرب دمها ويأكل لحمها نيّئا أو يجفّفه تحت أشعّة الشمس الحارقة. وكان بحّارة آخرون، منكوبون وفي ظروف مشابهة، قد شكروا الله على ذلك النوع من الطعام واعتب...

نصوص مترجمة

صورة
هل فكّرت يوما في سرّ رائحة الأرض الرائعة مع بداية المطر؟ هذه الرائحة ليس مصدرها الماء، بل هناك في الواقع عملية بيولوجية وراءها. إنها أنفُك تلتقط ما يحمله المطر. وأحد الأسباب المهمّة لهذه الرائحة هو مادّة تُسمّى الجيوسمين، وهو مركّب تنتجه أنواع مختلفة من البكتيريا التي تعيش في التربة. وعندما تُرشّ الأرض الجافّة بالماء، تتشكّل فقاعات صغيرة في البِرك ومسامّ التربة. وتنفجر هذه الفقاعات، ناشرةً قطرات صغيرة من الرذاذ في الهواء. ويختلط الجيوسمين في هذا الرذاذ مع مجموعة متنوّعة من الزيوت النباتية والموادّ العضوية الأخرى التي احتفظت بها الأرض. ودماغك يترجم مزيج الروائح هذا إلى تلك الرائحة النظيفة والترابية التي نعشقها جميعا عند هطول المطر. ثم يتولّى علم النفس الباقي. بالنسبة لمعظم الناس، ترتبط هذه الرائحة بأشياء معيّنة: هواء بارد، استراحة من الحر، بداية شيء جديد، وفكرة أن الأشياء تنمو. لذا، هي لا تُسجّل كإشارة كيميائية فحسب، بل تُشعرنا بمزاج رائع ومرغوب به. س. أنغولو ❉ ❉ ❉ مرّت عليّ أوقات كنت أحسد فيها أصحاب المناصب والإقطاعيين. ثم فكّرت أن أصبح كاهنا. ...

قراءات

صورة
كتب فيكتور شكلوفسكي هذه العبارات المتعاطفة مع صوفيا أندرييفنا زوجة تولستوي: كانت صوفيا المنقذ من الواقع، ولطالما ذكّرت تولستوي بأن على أطفالهما أن يعيشوا "كغيرهم"، وأن عليهم امتلاك المال وتزويج بناتهم وأن يتخرّج أبناؤهم من الثانوية والجامعة. لم يكن بوسعه أن يعارض الحكومة وإلا نُفي. كان عليه أن يكون كاتبا مشهورا وأن يكتب رواية أخرى مثل "آنا كارينينا"، وأن تنشر هي بنفسها كتبه كما فعلت زوجة دوستويفسكي، وأن تكون، علاوة على ذلك، "من الطبقة الراقية" لا بين أناس أغراب و"مريبين". كانت صوفيا رمزا للعقلانية السائدة آنذاك. أرادت أن يكون تولستوي شخصا طبيعيا، بينما كان هو يرغب في نبذ ثروته، والتنازل عن أرضه وممتلكاته لفلّاحيه، والتخلّي عن جميع حقوق نشر كتبه، معتبرا التربّح من كلماته أمرا لا أخلاقيا. واقترح على زوجته حياة بسيطة في فقر، ظانّاً أن في ذلك خلاص روحهما. وكلّما أصرّ على ترك ضيعته وبدء حياة جديدة نقيّة، ازدادت مقاومتها. وغضبت بشدّة من رغبته في جعل أبنائه، وهو الكونت، متسوّلين وبعثرتهم في العالم. كان تولستوي سيغادر "ياسنايا بوليانا...

عصر الظلام الرقمي

صورة
تلتقط الهواتف الجوّالة بلايين الصور سنويّا، وتُحمَّل بلايين الصفحات على إنستغرام وتيك توك باستمرار، وتُبعث مليارات الرسائل عبر واتساب والرسائل النصّية والبريد الإلكتروني والتغريدات وما إلى ذلك. وكلّ هذه البيانات والصور والرسائل عرضة لأن تُمسح في أيّ وقت وتضيع الى الأبد. ففي يوم ما، قد لا يكون بعيدا، لن يكون هناك وجود لليوتيوب، وقد تضيع مقاطع الفيديو المحمّلة عليه إلى الأبد. وقد يختفي الفيسبوك أيضا. وهناك سوابق لهذا. فقد حَذف موقع Myspace، أوّل شبكة تواصل اجتماعي كبيرة، جميع الصور ومقاطع الفيديو والملفّات الصوتية التي رُفعت إليه قبل عام ٢٠١٦، عن غير قصد على ما يبدو. كما اختفت إلى الأبد من الإنترنت مواقع أخرى كثيرة كانت موطنا لبعض أقدم المحادثات على الشبكة. وقد شكّل هذا الأمر مخاوفَ حقيقية للعديد من أمناء المحفوظات والمؤرّخين وعلماء الآثار حول العالم، الذين حذّروا من أن الأجيال القادمة قد تواجه "عصرا رقميّا مظلما "عند بحثها عن موادّ من الخمسين عاما الماضية. العصور الوسطى في أوروبّا، التي أعقبت انهيار الإمبراطورية الرومانية، وُصفت بعصور الظلام، لا لأنه لم يُنجز خلا...

نصوص مترجمة

صورة
عادة ما ننظر إلى كونفوشيوس باعتباره رمزا أمثل للمصلح الأخلاقي، معتقدين أنه كان يدعو دائما إلى غرس الخير الفطري في النفس البشرية. لكن في مواجهة الأزمات الحقيقية، لم يكن يعتمد على خطابات مطوّلة عن الواجب والولاء. بل توجّه مباشرة إلى جوهر الموضوع. قبل أكثر من 2500 عام، في الصين القديمة، كان أهل "لو" يُحرقون المستنقعات لتطهيرها. وفجأة هبّت ريح شمالية عاتية وانتشر الحريق بسرعة جنوبا، مهدّدا بابتلاع العاصمة بأكملها. فزع الحاكم وسارع بنفسه إلى الموقع ليقود جهود إخماد الحريق. إلا أن الناس من حوله تفرّقوا، ليس لإطفاء النار، بل لمطاردة الوحوش البرّية الهاربة من الحريق. وفي حال من اليأس، استدعى الحاكم شيخ الدولة المحترم، أي الفيلسوف كونفوشيوس، وسأله عن سبب تجاهل شعبه لتلك الأزمة الوطنية. وشرح كونفوشيوس الموقف بمنطق بارد ودقيق فقال: إن مطاردة الوحوش البرّية ممتعة وتؤدّي إلى صيد ولا يترتّب عليها أيّ عقوبة. أما مكافحة الحريق فعملية مؤلمة وخطيرة ولا تجلب أيّ منفعة أو مكافأة". بالنسبة للناس، كان صيد الوحوش خيارا مجزيا "لحم مجّاني" وخاليا من المخاطر. أما مكافحة ال...