المشاركات

Featured Post

رحلة على طريق الحرير

صورة
هناك من العبارات ما يستدعي للذهن عوالم كاملة من صور ورحلات وذكريات، سواءً كانت حقيقية أو متخيّلة. وطريق الحرير هو إحدى هذه العبارات. مجرّد ذكر اسمه يستحضر مناظر لقوافل تمرّ عبر صحارٍ وواحات خالدة، وجِمالٍ محمّلة بنفائس الحرير، ورجالٍ تشعّ أعينهم بالبريق، يرتدون العمائم ويحملون الياقوت واللآليء والتمور والزعفران والفستق من بلاد فارس، والزجاج من مصر، والصِبر وخشب الصندل وشتّى أنواع العطور من الجزيرة العربية. طريق الحرير، أيضا، ما أن يُذكر اسمه حتى تتوارد إلى الذهن إيحاءات وأفكار عن التسامح وامتزاج الحضارات. أصبحت هاتان المفردتان نوعا من مصطلحات العصر الجديد وباتت دلالتهما تخترق كلّ شيء، من الموسيقى العالمية إلى كتب الطبخ النباتي. صورتنا الذهنية عن طريق الحرير قد تكون تشكّلت، إلى حدّ كبير، من خلال مكتشفين جغرافيين من أمثال اوريل ستين وسفن هيدين اللذين أعادا اكتشاف كنوز المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. تلك القصص المثيرة ألهمت فيما بعد سلسلة المغامرات التي يقوم ببطولتها علماء آثار أسطوريون من قبيل ما عرضه فيلم انديانا جونز لـ ستيفن سبيلبيرغ. الرومانسية...

نصوص مترجمة

صورة
○ زرت شلالات فولينغ ووتر "المياه المتساقطة" وغيرها من مباني المعماري لويد رايت. كما زرت برشلونة ورأيت بعض أعمال المعماري الكاتالوني أنطونيو غاودي. ومع أنني أميل إلى الطابع الأمريكي في أعمال لويد رايت، وأعتقد أنه أكثر المهندسين المعماريين موهبة وإلهاما في التاريخ الأمريكي، إلا أن غاودي يعدّ ظاهرة فريدة من نوعها. وربّما ليس هناك مهندس معماري قبله أو بعده بمستوى قدرته. وهذا واضح جدّا لو قُدّر لك رؤية كاتدرائية ساغرادا فاميليا "أو العائلة المقدّسة". ولعلّ من أهم سمات فنّ غاودي قدرته الكبيرة على مزج العديد من الأساليب لصنع شيء جديد تماما. وهو يجمع بين الزخارف العربية والقوطية وفن الآرت نوفو. قليلون هم المبدعون، من معماريين وفنّانين ومصمّمين وغيرهم، الذين استطاعوا تجاوز الأجيال، ويقال إنهم بنوا حرفيا جزءا من التاريخ، وأصبحوا جزءا لا يتجزّأ من هوية مدينة، بل وربّما هويّة بلد بأكمله. ولا شكّ أن أنطونيو غاودي كان أحد هؤلاء وكان عبقريّا سابقا لعصره. رؤيته للمستقبل وأفكاره المبتكرة وطريقته الاستثنائية في تجسيد الطبيعة والأشكال العضوية في العمارة والتخطيط العمراني، من...

نصوص مترجمة

صورة
كانت الرحلات على طول طريق الحرير طويلة وشاقّة والتضاريس وعرة وغالبا ما تكون خطرة: ممرّات جبلية شاهقة وصحارى مخيفة ومناخات قاسية. وكان من المعجزات حقّا أن يصل طبق خزفيّ من الصين إلى إيطاليا أو فرنسا. كانت التجارة بحدّ ذاتها فنّا له أعراف وأصول، ويحتاج لوسطاء وناقلين متخصّصين. واشتهرت بعض الجماعات بمهاراتها، وتفوّقت كتجّار على طريق الحرير، ولا سيما السوغديون الذين اندثروا منذ زمن طويل في موطنهم في آسيا الوسطى. وكانوا حريصين على توريث هذه المهارة لأبنائهم، بإرسالهم إلى طريق الحرير منذ سنّ الخامسة. وفي الصحارى، كان من الضروري للمسافرين معرفة أماكن وجود الماء لإرواء عطشهم. فقد كان سراب الماء، الذي يوصف بأنه "رمال متلألئة" أو "ماء جاف"، يخدع من تعوزه المعرفة والخبرة. ولم يكن كلّ الماء صالحا للشرب. كتب مبشّر مسيحي، أثناء سفره في قافلة عبر صحراء غوبي في أوائل القرن العشرين: كان بريق النبع الصافي لا يقاوَم، ولكن عندما ركضت نحوه، حذّرني قائد القافلة قائلا: اشرب أقلّ ما تستطيع من هذا الماء". ولم أُعِر أيّ اهتمام لتحذيراته. كنت أستمتع بالماء إلى أقصى حدّ. وسرعان...

استهلالات روائية

صورة
تُعدّ الجملة الأولى في رواية ما حاسمة، بالنسبة للكتّاب الذين يريدون جذب انتباه وكيل أدبي أو محرّر أو قارئ. وما من كاتب إلا ويرغب في ابتكار شيء يثير الفضول ويشير إلى أسلوبه الفريد في الكتابة. والعمل على الجمل الافتتاحية أمر مثير للتفكير، وكذلك قراءتها. لكن المشكلة الأكبر تكمن في هذا السؤال: هل سترقى الجمل التالية إلى مستوى الجملة الأولى؟! ربّما لو كان ديكنز وبرونتي وماركيز وكازانتزاكيس وتولستوي ما يزالون ينشرون أعمالهم الى اليوم، لأسعدوا وكلاءهم وناشريهم. فلطالما اجتذبت كلماتهم الافتتاحية القرّاء وأصابت الهدف بدفعهم لمواصلة القراءة. لكن كيف يتحقّق ذلك؟ كيف يختار الكاتب، كمُفتَتح لروايته، جملة تدهش القارئ وتثير اهتمامه؟ قراءة عيّنات من الجمل الافتتاحية المشهورة لبعض الروايات المهمّة يمكن أن تقدّم بعض الدروس حول كيفية جذب انتباه القارئ.. ❉ ❉ ❉ "كان يوما مشرقا باردا في شهر أبريل، وكانت الساعة تدقّ الثالثة عشرة". "بعد سنوات كثيرة، وبينما كان يواجه فرقة الإعدام، عاد الكولونيل أوريليانو بوينديا بالذاكرة إلى تلك الظهيرة البعيدة، عندما أخذه والده لاكتشا...

نصوص مترجمة

صورة
ذات يوم، كانت كلمة "الوطن" تثير اشمئزازي، كنت أظنّ نفسي شخصا بلا وطن. لاحقا، أجبرني القدَر على الرحيل، وعندما أصبحت غريبة حقّا في أرض غريبة، فهمت أخيرا معنى "الوطن"! كان والداي من الجنوب الدافئ. وبأمر من الحزب، أمضيا معظم حياتهما في الهضبة، يربّيان أرواحا لا تُحصى. كنت طفلة "متمرّدة". هل كنت انطوائية؟ أم أن الأطفال الآخرين كانوا يعزلونني عمدا؟ عشت ألعاب الأطفال القاسية. لم تكن هذه الألعاب أقلّ وحشية من الصراعات السياسية للكبار. ساهمَتْ مواقف والديّ السياسية في مصيري المأساوي: في لحظة كنت "طفلة مدلّلة"، وفي اللحظة التالية "طفلة مهجورة". كان قلبي الصغير الساذج حائرا أمام هذه التغيّرات غير المتوقّعة، شعرت بالتفوّق والشفقة على نفسي في آن واحد. كان سبيلي الوحيد لحماية نفسي هو "الاختباء". لكن أين أختبئ؟ وكيف أختبئ؟ أصبح هذا هو السؤال. لم يكن أمامي من خيار سوى "تجنّب التجمّعات". وهكذا، قضيت طفولتي في عزلة ووحدة. لاحقا، أدركت مدى تأثير ذلك على حياتي، فقد أصبح الهروب سلاحي السحري، وكنت في حالة فرار دائم. بصراحة،...

رواية عن بقايا ما كان

صورة
تستحقّ كتب وينفريد سيبالد الدراسة في سياق الجانب المظلم من السفر. لكنّ لكتابه "حلقات زُحل" صداه الخاص في هذا الموضوع. وباعتباره أشهر كِتاب رحلات بين أعماله، فإن "حلقات زُحل" يتيح فرصة لاستكشاف الروابط بين سياحة الموت وأدب الرحلات كنوع أدبي. وجزء كبير من تميّز الكتاب يرجع الى أنه "تقرير سفر من نوع خاص"، إذ ينطلق المسافر أو الراوي، وهو نسخة شبه خيالية من سيبالد نفسه، في جولة سيرا على الأقدام في مقاطعة سوفولك الإنغليزية. وبينما يتداخل السرد عبر مجموعة من التواريخ والذكريات والأحلام والأشكال النصّية والبصرية، فإنه يتضمّن أيضا جولة عالمية مع الموت والدمار والفظائع. والمسافر يحاول الكشف عن الجماجم ويفحص لوحات التشريح ويقضي وقتا في المقابر ويدمج صورا لمعسكرات الموت النازيّة، ثم يشكلّ كلّ ذلك في عمل رِثائي. وفي تكريم حديث لـ سيبالد، سافر فنّان يُدعى جيريمي ميلار إلى الموقع نفسه على جانب الطريق، حيث توفّي سيبالد في حادث سيّارة في ديسمبر 2001، في مكان غير بعيد عن منزله الذي عاش فيه عشرين عاما تقريبا بالقرب من نورويتش بإنغلترا. وبعد إطلاق الألعاب الناري...

نصوص مترجمة

صورة
لكلّ حيوان عالمه الإدراكي، بما في ذلك أنت. وعالمك الإدراكي يتشكّل من خلال عينيك وأذنيك وأنفك وجلدك ولسانك. وقد تطوّرت هذه الأعضاء على مدى ملايين السنين لاكتشاف المعلومات المحدّدة التي احتاج إليها أسلافك للبقاء على قيد الحياة. هذا هو الجزء الذي لا يخبرك به أحد. لم تتطوّر لترى العالم بدقّة، بل لترى ما يكفي منه لكيلا تموت. وبقية الواقع موجودة فحسب، تحدث باستمرار، غير مرئية لك. يعيش الكلب في عالم الشمّ كما تعيش أنت في عالم البصر. عندما يدخل كلبك غرفة، لا يكتشف وجود الطعام فحسب، بل يقرأ من طهى الطعام ومتى لُمس ومن كان في الغرفة وما هي حالتهم النفسية وما إذا كان أيّ منهم مريضا. أنف الكلب يحتوي على 300 مليون مستقبل شمّي، بينما لديك 6 ملايين فقط. كلبك لا يشمّ العالم، بل يقرؤه. في الطيور، الأمر أكثر إرباكا. معظم الطيور رباعية الألوان. لديها أربعة أنواع من مستقبلات الألوان، بينما لديك أنت ثلاثة. هذا لا يعني أنها ترى ألوانا أكثر، بل يعني أنها تدرك بُعدا لونيا كاملا لا تملك أنت أيّ جهاز حسّي للوصول إليه. ريش الطائر الذي يبدو بنّيا بالنسبة لك، غالبا ما يكون عبارة عن مزيج من أنماط الأشع...

نصوص مترجمة

صورة
في أواخر القرن الثامن عشر، ظهرت موجة هوس إنغليزي بكلّ ما هو أندلسي. وكان الرحّالة الإنغليز من أوائل الأوربيين الذين غامروا بدخول إسبانيا، مفتونين بالمعالم العربية العظيمة في ذلك البلد. وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، بدأ أسلوب الإحياء المغربي يكتسب شهرة واسعة في بقيّة أوروبا. لكن لم يكن هذا هو الحال في إيطاليا. فقد وجدت الدولة الناشئة آنذاك، والمنغمسة في عصر النهضة، استمرارية تاريخية في الثقافة اليونانية الرومانية، ما أدّى إلى ازدهار ملحوظ لعصر النهضة المعمارية الجديد. ونتيجة لذلك، وعلى النقيض من إسبانيا، لم تظهر التأثيرات العربية في إيطاليا إلا بشكل محدود خلال القرن التاسع عشر. لكن كانت هناك مبادرة لإحياء الطراز المغربي تبنّاها كونت إيطالي يُدعى تشيزاري ماتي، الذي أنشأ عام 1850 قلعة في غريزانا موراندي بشمال إيطاليا، واختار لها موقعاً فوق نتوء صخري يطلّ على وادٍ عند ملتقى نهرين. وقد استعان الكونت في تشييد قلعته التي أسماها "روكيتا ماتي" ببعض من أعظم فنّاني عصره. وتميّزت التصميمات الداخلية للمبنى بتنوّعها المعماري، مع التركيز على التأثيرات الشرقية والقروسطية. ...