المشاركات

خواطر في الأدب والفن

ظِلّ المسافر

صورة
في صيف عام 1694، أكمل ماتسو باشو عامه الخمسين. غادر الشاعر إيدو للمرّة الأخيرة، وقضى بعض الوقت في أوينو مسقط رأسه، ثم في كيوتو. في ذلك الوقت، كان باشو يعكف على تأليف آخر أعماله "الطريق الضيّق إلى أقاصي الشمال". وقد أنجز هذا الكتاب قبيل وفاته في نفس تلك السنة، وهو عبارة عن يوميّات سفر تمزج بين النثر والشعر، وثّق فيها رحلته الملحمية التي امتدّت لمسافة 1500 ميل عبر براري شمال اليابان. ❉ ❉ ❉ منذ حوالي عشر سنوات، تخلّيتُ عن حياة المدينة. والآن أقترب من الخمسين، وأبدو كحلزون بلا قوقعة، وتعلو وجهي سُمرة بفعل لفح شمس كيساكاتا الحارقة، بينما أعاني من كدمات في كعبي من أثر المشي على شواطئ بحر الشمال الوعرة. وها أنا ذا الآن أسبح بين أمواج بحيرة بيوا. خلف إيشياما، يقع تلّ اشتُقّ اسمه من معبد قديم. وإذا عبرتَ الجدول الضيّق الذي يجري بجانبه ثم صعدتَ المنحدر، فستصل إلى مزار هاتشيمان. عادةً، لا يزور المكان إلا القليل من الناس، وهو مُهيب وساكن للغاية. وبجانب المزار كوخ مهجور، مصنوع بابه من القصب، وتنمو الشجيرات وأعشاب الخيزران على أفاريزه، والسقف يتسرّب منه الما...

خواطر في الأدب والفن

صورة
توفّي سيغموند فرويد عام 1939، عن عمر يناهز الثالثة والثمانين، بسبب إصابته بسرطان الفم. وقد اتّسمت السنوات الخمس عشرة الأخيرة من حياته بسلسلة من المتاعب: الأعراض الانسحابية لترك النيكوتين وخفقان القلب وعمليات جراحية مؤلمة وخطيرة واستبدال جزء كبير من فكّه بأطراف صناعية غير فعّالة. ومع ذلك، ظلّ يدخّن حتى النهاية. وكان عالم النفس النمساوي يظهر في معظم صوره وهو يحمل سيغارا في يده، ولم يكن هذا أمرا مثيرا للدهشة، إذ كان يدخّن حوالي عشرين سيغاراً في اليوم. يذكر ت. بيرغلايتر أن فرويد بدأ يعاني من آلام في الصدر وضيق في التنفّس في أواخر الثلاثينات من عمره. وقد حثّه طبيبه على التوقّف عن تدخين السيغار. ورغم أن نصيحة الطبيب أثارت قلق فرويد، إلا أنه استمرّ في التدخين بنفس معدّله المعتاد طوال اليوم، إذ كان واضحا أنه لم يكن مقتنعا بأن السيغار هو سبب مشاكله القلبية. وكتب الى طبيبه يقول: لا يمكن للمرء أن يتخلّى عن شيء إلا إذا كان مقتنعا تماما بأنه هو السبب في مرضه". وفي عام 1923، وكان فرويد في السابعة والستّين من عمره، ظهر لديه ورم في فمه، تبيّن لاحقا أنه سرطان في الفكّ الرخو. كان فر...

نصوص مترجمة

صورة
كان هارولد بلوم أحد الكتّاب الذين رفضوا انتقاد أعمال تولستوي. وقد أشاد في أحد كتبه برواية "حاجّي مراد" كواحدة من أعماله الأدبية المفضّلة. وكتب: هذه القصّة هي معياري الشخصي لسموّ الأدب النثري، فهي بالنسبة لي أفضل قصّة في العالم، أو على الأقل من أفضل ما قرأته على الإطلاق. أصالتها، بمعنى غرابتها، هي السمة التي تجعل العمل، أكثر من أيّ شيء آخر، مرجعا أساسيّا". من يقرأ "حاجّي مراد" متوقّعا رواية حرب غريبة أو قصّة حبّ مثيرة سيُصاب بخيبة أمل شديدة. تدور القصّة حول انشقاق حاجّي مراد، أشهر مساعدي الشيخ شامل، قائد المقاومة القوقازية. يغيّر حاجّي ولاءه خوفا على حياته ولأن قوّات شامل اختطفت عائلته. ولأنه يطمح في أن يحرّر عائلته بمساعدة الروس، يُبرم حاجّي تحالفا مع الأمير فورونتسوف، المعجب ببسالته وسلوكه النبيل. لكن غالبية الروس لا يثقون بالأخير، فقد صنع شهرته بقتله ضبّاطا روساً. ومع ذلك، لا يوجد أيّ تشويق حقيقي في الرواية، حيث تبدأ القصّة بتأمّل الراوي في موت حاجّي، ويخيّم شعور قاتم بالحتمية عند كلّ منعطف في السرد. من منظور التاريخ، كان تولستوي يعرف ما سيحدث للقوق...

زيارة إلى زانادو

صورة
في قاموس ميريام وبستر، تعني كلمة "زانادوXanadu " المكان المثاليّ والغريب والفخم. واسم زانادو ينافس أتلانتس عندما يتعلّق الأمر بالمدن الغريبة والغامضة. وقد شكّلت هذه المدينة لقرون تصوّرات الغربيين عن سحر وغرائبية الشرق. وتُسمّى المدينة اليوم "شانغدو Shangdu" التي تعني في اللغة الصينية "العاصمة العليا". وتقع شمال سور الصين العظيم في سهول منغوليا الداخلية، وعلى بعد حوالي 350 كيلومترا شمال بيجين. بين عامي 1256 و1368، كانت زانادو تمثّل قلب الإمبراطورية الهائلة التي كانت تمتدّ على أراضي آسيا والشرق الأوسط. وقد بدأ بناؤها عام 1256 تحت رعاية مونكو خان حفيد جنكيز خان. كان الخان الجديد يريد أن يبني لنفسه قصرا خاصّا ينافس القصور التي رآها في تلك الأرض القديمة. وعندما توفّي مونكو عام 1259، تولّى خليفته قوبلاي خان مهمّة توسيع المدينة والقصر. وفي هذا المكان أسّس قوبلاي أسرة يوان من اندماج شعوب الهان الصينية الزراعية مع المجتمعات المنغولية البدوية. وحكمَ الخان الصين لمدّة تقرب من ثلاثة وعشرين عاما. لعبت زانادو دورا مهمّا في التاريخ الصيني والدبلوماسية وا...

نصوص مترجمة

صورة
قبل بضع سنوات، وبعد أن شُفيت من جراحة في القلب، بدأت أمارس المشي لمسافات طويلة في حيّنا. كان عقلي وروحي لا يزالان في حال من التشوّش. في إحدى تلك النزهات، كنت أتأمّل حال العالم والإنسانية الجديدة التي تنبّأ بها التاريخ. كنت أفكّر في حالة التشرذم المؤسفة التي يعيشها عالمنا اليوم، بينما كنّا في الماضي في حال أفضل بكثير. وأزعجتني حقيقة أن شبكات التواصل الاجتماعي، بدلا من أن تساعدنا على التواصل كبشر متآخين، أصبحت أدوات لنشر التحزّب والخرافات ونظريات المؤامرة. ثم قادتني جولتي إلى تغيير مساري، بينما كنت غارقا في كآبتي حيال وضعنا كبشر. صادفت قطعة أرض واسعة وجدباء. وكان هناك رجل يجلس على مقعد. وعندما اقتربت منه، حيّاني بابتسامة وأشار بعينين لامعتين إلى الأرض الجرداء وسألني إن كانت راقت لي. فقلت له بصراحة إنني لا أحبّها. فقال بنبرة أنيقة وحازمة: يا صديقي العزيز، ستمرّ من هنا مجدّدا. ربّما كنتَ شارد الذهن ونسيتَ أنك مررت بهذه الحديقة مرارا من قبل. ربّما رأيتها مختلفة عمّا هي عليه الآن، ربّما كانت خضراء متناسقة، أو ربّما كانت برّية مجدّدة أو حتى مقلّمة. لكنها لم تكن مهمَلة أبدا. تركيزك...

نصوص مترجمة

صورة
في كتابه "غراند كانيون: البحث عن هويّة إنسانية"، يأخذ "دون لاغو" قرّاءه الى واحد من أروع المناظر الطبيعية على وجه الأرض، الغراند كانيون "أو الأخدود العظيم"، الذي "يجسّد الزمن السحيق والقوى الجيولوجية والتطوّر البيولوجي، بطريقة تتيح لك لمسه بيديك والتأثّر به والشعور به في داخلك". كما يدعو القارئ للغوص معه في أعماق الوادي، أي إلى أعماق الزمن نفسه، إلى الوراء حوالي 14 بليون سنة، إلى بداية الكون مع الانفجار العظيم. إنها رحلة طويلة في كتاب طويل يطلب منا مؤلّفه التركيز على رؤية آثار الدهور واستشعارها. ويذكّرنا الكاتب بديفيد ثورو قائلا: لقد منحَنا أداة قويّة لاستكشاف علاقتنا بالطبيعة. وكان سعيداً باكتشاف الجمال الظاهري للطبيعة على طول الطريق، لكنه كان يبحث عن جمال أعمق". ويضيف: عاش ثورو في زمن مبكّر جدّا لذا لم يُعرف عنه الكثير، وكذلك فعل السكّان الأصليون الذين سكنوا غراند كانيون منذ آلاف السنين. لم تبدأ قصصهم عن الخلق بانفجار، بل في رحم الأرض الأم. ظهر البشر في الوادي واتخذوا مكانهم فيه وحوّلوه إلى قصص ربطت بين الناس والصخور والنباتات و...

خواطر في الأدب والفن

صورة
يُعتبر كوباياشي ايسا (1763-1828) أحد أشهر شعراء اليابان وواحدا من كبار أساتذة الهايكو في العالم. وإليه تُنسب القصيدة الشهيرة التي تقول: في عالمنا هذا نسير فوق الجحيم الذي تحتنا ونحدّق في الزهور التي أمامنا". والناس يحبّون هذا الشاعر لدفئه الإنساني وتعاطفه مع جميع الكائنات الحيّة، كمثل قوله: مع حلول المساء يبكي عصفور صغير في شجرة الصنوبر". وكقوله: تصيح القبّرة حول الأحراش التي تُخفي فراخها". أو قوله: يبني طائر عشّه غير مدرك أن الشجرة ستُقطع". ولد ايسا وعاش في منطقة اشتهرت بتساقط الثلوج الكثيف. فصول الشتاء القارسة وفرحة استقبال الربيع وتغيّر الفصول، كلّ ذلك ترك أثرا في قصائده. كانت عائلته تعمل بالزراعة منذ عهد أجداده. ولعلّ هذا ما يجعل الكثيرين يشعرون برائحة الأرض ودفئها وكرمها في قصائد الهايكو التي كتبها، مثل قصيدته. بينما أتناول طعامي لوحدي أشعر بالوحدة تبدأ رياح الخريف بالهبوب برفق". ومثل قصيدته الأخرى: خمسة أقدام من الثلج فكرة أن هذا سيكون مثواي الأخير تجعلني أتنهّد". كان كوباياشي إيسا يحبّ القطط كثيرا. وقد كتب...

نصوص مترجمة

صورة
تخيّلت منزلا خشبيا منخفضا بسقف من القرميد، محكم الإغلاق ضدّ العواصف، مع موقد حطب مشتعل في الداخل وجدران مزيّنة بأفضل الكتب، مكانا للعيش فيه عندما ينفجر العالم من حولنا. صعدت درباً، ومن قمّته نظرت باتجاه مجرى النهر. رأيته يتلألأ وينساب بين المنحدرات البيضاء كالعظم، يتخلّلها شريط من الأراضي الزراعية الزمرّدية على جانبيها. وبعيدا عن المنحدرات، امتدّت الصحراء. لم يكن هناك صوت سوى صوت الريح وهي تعوي بين الأشواك وتصفر بين الأعشاب الذابلة. ولم يكن هناك أيّ أثر للحياة سوى صقر وخنفساء سوداء تتهادى على الحجارة البيضاء. في إحدى تأمّلاته الكئيبة، رأى باسكال أن جميع مصائبنا تنبع من سبب واحد: عجزنا عن البقاء هادئين في غرفة. وتساءل: لماذا ينجذب المرء الميسور الحال إلى قضاء أوقات فراغه في رحلات بحرية طويلة، أو إلى السكن في مدينة أخرى، أو إلى الحروب وسحق الجماجم؟ في ما بعد، وبعد مزيد من التأمّل، وبعد أن اكتشف سبب مصائبنا، رغب في فهم دوافعها، فوجد سببا وجيها للغاية، ألا وهو التعاسة الطبيعية لحالتنا البشرية الفانية، لدرجة أنه عندما نوليها كلّ اهتمامنا، نجد أن لا شيء يعزّينا. أفراد قبيلة ...