المشاركات

Featured Post

عصر الظلام الرقمي

صورة
تلتقط الهواتف الجوّالة بلايين الصور سنويّا، وتُحمَّل بلايين الصفحات على إنستغرام وتيك توك باستمرار، وتُبعث مليارات الرسائل عبر واتساب والرسائل النصّية والبريد الإلكتروني والتغريدات وما إلى ذلك. وكلّ هذه البيانات والصور والرسائل عرضة لأن تُمسح في أيّ وقت وتضيع الى الأبد. ففي يوم ما، قد لا يكون بعيدا، لن يكون هناك وجود لليوتيوب، وقد تضيع مقاطع الفيديو المحمّلة عليه إلى الأبد. وقد يختفي الفيسبوك أيضا. وهناك سوابق لهذا. فقد حَذف موقع Myspace، أوّل شبكة تواصل اجتماعي كبيرة، جميع الصور ومقاطع الفيديو والملفّات الصوتية التي رُفعت إليه قبل عام ٢٠١٦، عن غير قصد على ما يبدو. كما اختفت إلى الأبد من الإنترنت مواقع أخرى كثيرة كانت موطنا لبعض أقدم المحادثات على الشبكة. وقد شكّل هذا الأمر مخاوفَ حقيقية للعديد من أمناء المحفوظات والمؤرّخين وعلماء الآثار حول العالم، الذين حذّروا من أن الأجيال القادمة قد تواجه "عصرا رقميّا مظلما "عند بحثها عن موادّ من الخمسين عاما الماضية. العصور الوسطى في أوروبّا، التي أعقبت انهيار الإمبراطورية الرومانية، وُصفت بعصور الظلام، لا لأنه لم يُنجز خلا...

رجل وكلبه على الشاطئ

صورة
تجسّد كلاب الصيد الذئبية بشكل بليغ صورة روسيا القديمة، فهي أنيقة وجذّابة بشكل لا يقاوَم حتى للثوريين المتشدّدين. ومعروف عن ليون تروتسكي أنه كان محبّا للحيوانات، ولطالما سافر مع رفيقته الكلبة المحبوبة، مايا، التي لم يتخلّ عنها أبدا. وهذه الرواية المكتوبة بإتقان هي في الواقع قصّة ثلاثة رجال أحبّوا الكلاب: الراوي الشاب، والقاتل ذو الدم البارد وتروتسكي نفسه. والقصّة تنتقل من أرض إسبانيا المحروقة في ثلاثينات القرن الماضي، إلى المكسيك، بؤرة الاحتقان السياسي في الأربعينات، إلى موسكو خلال ربيع براغ عام ١٩٦٨، إلى هافانا في السبعينات، وصولا إلى الحاضر القريب، تاركةً القارئ في حالة من النشوة وكأنه عاش ثلاث حيوات كاملة. "الرجل الذي أحبَّ الكلاب"، رواية الكاتب الكوبي ليوناردو بادورا، استغرقت كتابتها ما يقارب ستّ سنوات. وعلى الرغم من ثراء التفاصيل والكثافة التاريخية للرواية، يصرّ بادورا على أنها محض خيال. والروائي يتتبّع رحلة تروتسكي المرهقة من آسيا الوسطى إلى تركيا والنرويج والمكسيك، بينما يتحوّل من رمز قويّ لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى إلى لاجئ كليل الجسد يتنقّل بين بلدا...

نصوص مترجمة

صورة
عندما أُسأل عن مكاني المفضّل في هذا العالم الواسع من بين الأمكنة التي زرتها، لا أتردّد لحظة في القول إنني أفضّل منغوليا، لدرجة أنني قضيت فيها خمسة أشهر، قطعت ألف ميل منها على ظهر حصان. وقد ألّفت كتابا عن رحلتي تُرجم إلى عديد من اللغات، ووقعت في غرام فتاة منغولية لسنوات. وها أنا الآن أعود ثانيةً الى تلك الأرض. من الجوّ، يبدو الفراغ مذهلا. أثناء تحليقي فوق منغوليا قبل الفجر، لم أرَ أيّ أضواء أسفل، بل مناظر طبيعية ممتدّة: نهر متعرّج وسلسلة جبال شاهقة تعبر السهوب وامتداد شاسع من العشب يصل إلى آفاق لا يبلغها النظر. والدليل الوحيد على وجود سكن هنا هو مجموعة من الخيام البيضاء المستديرة، التي تظهر فجأة وبشكل غامض في المراعي، كالفطر الذي ينمو بين عشيّة وضحاها. وفي غضون بضعة أسابيع، تختفي هذه الخيام لتظهر في مكان آخر ولا تترك أثرا سوى دوائر باهتة على العشب، مع انتقال البدو إلى مراعي الشتاء. وبمعنى ما، فإن منغوليا هي آخر مملكة بدوية حقيقية في العالم. فيما بعد، على ضفاف نهر تول، حيث كان زوج من البجع الأبيض يسبحان تحت أشجار الصفصاف، توقّفنا عند خيمة تقليدية، حيث كانت امرأة ذات سا...

خواطر في الأدب والفن

صورة
تتّصف أعمال الأديب الياباني آبي كوبو (1924 - 1993) بطبيعتها المجازية والرمزية وبتناولها مواضيع عالمية وعامّة. كان متأثّرا كثيرا بالكتّاب الأوروبيّين أمثال بيكيت وكافكا. وقصّته الأشهر "امرأة في الرمال" تدور أحداثها في اليابان، لكنها يمكن أن تقع في أيّ مكان آخر. الشخصية الرئيسية في القصّة مولود عام ١٩٢٤، وهو العام الذي ولد فيه آبي نفسه. والبطل جامع فراشات، كما كان آبي. لكن قليلا ما يثبت الفيلم أن المكان هو اليابان أو أن الشخصيات يابانية. الرجل والمرأة يلتقيان في كثبان رملية زاحفة، ويجب عليهما الاستمرار في جَرفها لحماية منزلهما وقريتهما من غمر الرمال. وآبي يمتلك معرفة علمية بخصائص الرمال تجعله هو نفسه شخصية رئيسية في الرواية. يأتي الرجل كغريب الى الصحراء، ويُعتقل ثم يُجبر على جرف الرمل إن أراد أن يأكل. لكنه في النهاية يقبل هذا مرغما، ويتقبّل المرأة التي اقترن بها والمجتمع الذي أسره وربطهما معا. لكن هذا الوضع يبدو مستحيلا، مع أنه حال البشر عموما، فهم يحاولون العيش وسط رمال الحياة المتحرّكة ويكافحون للحفاظ على معيشتهم وإطعام أنفسهم وعائلاتهم. في عام ١٩٦٣، صُنع فيلم را...

زواج في السهوب/2

صورة
خلال الشهرين الأوّلين من رحلة الأميرة تشاو الى بلاد الأويغور، حين كان الطقس لا يزال معتدلا والمناظر الطبيعية تتسم ببعض التنوّع، كانت مراحل الرحلة تمضي بسرعة نسبية. وعند وصولها إلى كلّ محطّة توقّف، تكون خيمة الأميرة قد نُصبت بالفعل، وفُرش بداخلها السجّاد ووضعت الطاولات والكراسي الصغيرة. وكان يقدّم لها الماء للاغتسال، والشاي الطازج، وأصناف متنوّعة من المأكولات الشهيّة. وفي أمسيات كثيرة، كانت الأميرة تعزف على آلة الزيثار أو تحاول نظم شعر تتغنّى فيه بجمال الطبيعة أو تعبّر عن شعورها بالحنين إلى الوطن، وهما موضوعان طالما تغنّى بهما شعراء الصين منذ القدم. لكن بعد بضعة أشهر، أصبح الهواء الجافّ لاذع البرودة بسبب الصقيع، واضطرّت لتغطية وجهها حمايةً لنفسها، ولم يعد هناك ما يستحقّ النظر إليه على أيّ حال. تسلّل الملل إلى الأميرة بسبب الرحلة التي لا تنتهي، إذ كانت الأيّام تختلط ببعضها، وكذلك الشهور، حتى فقدت كلّ إحساس بالزمن. غير أن الأجواء في القافلة سرعان ما بدأت تنبض بالحياة تدريجيا، فأدركت أنها تقترب أخيرا من وجهتها، إذ بدأ يلوح في الأفق مسار سرعان ما اتّسع ليصبح طريقا مطروقا بوضوح. ...

زواج في السهوب/1

صورة
في خريف عام 821، اعتلت الأميرة الصينية تشاو هودجا محمولا على ظهر جمل ذي سنامين، وسارت وصيفاتها بجانبها ممتطياتٍ خيولا تركمانية نفيسة. وبصفتها شقيقة إمبراطور الصين، اختيرت الأميرة لتكون هديّة دبلوماسية، إذ كانت في طريقها للزواج من خاقان الأويغور لترسيخ الصداقة بين البلدين. وكان الإمبراطور قد تسلّم بالفعل، كمهرٍ لشقيقته، أقمشة ناعمة من وبر الجمال وألبسة موشّاة بالديباج وفراء سمّور وأحزمة من اليشم وخمسين جملا وألفاً من الأمهار الصغيرة. ورغم أن الأميرة قدِمت من الشرق، أي من القصر الإمبراطوري في العاصمة تشانغان، إلا أن الكثير من ملابسها وحُليّها أتت من الغرب، وتحديدا من سهوب آسيا الوسطى النائية التي كانت تعبرها آنذاك. فقد تزيّنت في شعرها بدبابيس دقيقة من اليشم الأبيض الشفّاف المستخرج من قاع النهر في كوتان، وبزخارف مصنوعة من العاج الهندي وحجر اللازورد من بدخشان، وتألّفت قلادتها من الذهب واللؤلؤ والأحجار شبه الثمينة، مجسّدةً الكنوز السبعة في البوذية. أما حبّات مسبحتها فكانت من الكهرمان القادم من شواطئ بحر البلطيق. وكانت تشاو تحمل معها عطورا مخصّصة لجسدها وحمّامها وملابسها، ...

نصوص مترجمة

صورة
○ علينا أن نتعلّم كيف نكبر دون خوف، دون حنين الى الماضي، أن نشيخ بكرامة دون خجل، دون استئذان، دون إيذاء لأنفسنا. وعلينا أن ندرك أن السنين لا تجعلنا نشيخ، وأن التجاعيد تظهر مع مرور الوقت، ولكنها تظهر أيضا من الضحك، ومن الاستمتاع بالشمس والريح والأصدقاء القدامى والأوقات الجميلة. علينا أيضا أن ندرك أن السعادة لا تزيَّف، وأنه مهما بلغ عمر القلب، فلن يتجعّد أبدا، وأن الحبّ الحقيقي ليس حبّا عابرا. علينا أن نتعلّم كيف نحبّ بجمال، وأن نبطّئ من وتيرة حياتنا، وأن نتقبّل أننا لم نعد أطفالا، وأننا ما زلنا نستمتع بالحياة. مع مرور الأيّام، أدركت أنني أتقدّم في السن. لكن ليس بسبب تجاعيد وجهي. لم تكن المرآة هي التي أخبرتني بذلك، ولا الرجل الذي أفسح لي مقعده في الحافلة. لم تكن الملابس العصرية التي لم أعد أفهمها، ولا الأغاني التي تبدو لي مجرّد ضجيج. كان الأمر أعمق من ذلك وأكثر دقّة. لمست هذا في اليوم الذي توقّفت فيه عن محاولة إقناع أيّ شخص. عندما توقّفت عن مطاردة من يبتعدون عنّي. عندما لم أعد أشعر بحاجة لأن تكون لي الكلمة الأخيرة. عندما تعلّمت أن أترك الأمور تجري دون ضجّة. جاءت الشيخوخة دون ...

رحلة الى جزيرة الأسود

صورة
"لطالما تخيّلت نفسي في بقعة برّية خلابة تحيط بها الأشجار الشاهقة من كلّ جانب، وتكسوها النباتات المتسلّقة. لكن كوخاً مختبئاً تحت أغصان شجرة، أو كلباً أو خنزيرا يخرج من بين الشجيرات، أو أطفالا يلعبون ويختبئون تحت أوراق نبات الكالاديوم، كلّ ذلك كشف لي أنني في حديقة محليّة سنهالية". - إرنست هِكِل أطلق العرب على سريلانكا اسم سرنديب، وهي مفردة سنسكريتية تعني الجزيرة التي تقطنها الأسود. ثم أسماها الاوربّيون سيلان. وفي بداية سبعينات القرن العشرين، غُيّر الاسم الى سريلانكا، التي تعني في السنهالية "الجزيرة المشرَّفة". وتُعرف هذه البلاد منذ القدم بأنها حاضنة لتنوّع بيولوجي هائل، حيث تتميّز بمستويات عالية من الأنواع المستوطنة. كانت في الماضي السحيق جزءاً من قارّة عظيمة، وانفصلت عن أفريقيا قبل حوالي 180 مليون سنة، وانجرفت شمالا لتلتقي بأوراسيا. وأدّى ذلك الارتطام، الذي حدث قبل حوالي 50 مليون سنة، إلى نشأة سلسلة جبال الهيمالايا. وقبل حوالي 600 عام فقط، كان بإمكان المرء السير من الهند إلى سريلانكا سيراً على الأقدام. كانت سلسلة من الشعاب الضحلة تربط اليابسة. وكان هذا...