:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الاثنين، يوليو 31، 2023

محطّات


  • هل كان البشر الذين عاشوا قبل ألف أو ألفي عام يتمتّعون بنفس ذكاء البشر اليوم؟
    كنت ألقي محاضرة في العلوم على بعض طلبتي. وكان كلّ شيء يمضي بهدوء. نظرت من النافذة وقلت دون ان أوجّه كلامي الى طالب بعينه: يبدو أنه سيكون هناك إعصار الأسبوع المقبل."
    وما أن انهيت كلامي حتى بدأ معظم الطلاب بالضحك. وقال أحدهم معلّقا: لكن خبراء الأرصاد الجوّية يقولون إن المنخفض سيمرّ دون أيّ مشكلة."
    وكان هناك طلبة آخرون لم يعترضوا على ما قلته. ثم سألني بعض الطلبة الذين ينتمون الى السكّان الأصليين في هذا البلد: وكيف عرفت، وأنت الأوربّي، ما يعرفه كبار السنّ عندنا؟"
    ابتسمت وأشرت إلى النافذة وقلت: لقد تغيّرت الرياح لتذهب في الاتجاه المعاكس، وتحرّكت السحب شمالًا بدلاً من الجنوب، وغادرت طيور الكوكاتو الصغيرة المدينة واتجهت نحو الجبال القريبة."
    أعجب الطلبة من السكّان الأصليين بكلامي، بينما اعتبر الباقون أنني أحمق، أو على الأقل اعتقدوا ذلك، إلى أن ضرب الإعصار الأسبوع التالي وغمر جميع الطرق خارج المدينة.
    الدرس المستفاد من هذه القصّة هو أن الذكاء لا يتعلّق بالمعرفة المكتسبة من خلال التكنولوجيا المعقّدة مثل تلك التي يستخدمها خبراء الأرصاد الجوّية. فالأقمار الصناعية ومقاييس الضغط وخرائط الرياح، كلّ تلك مجرّد بيانات. والذكاء الحقيقي يأتي من القدرة على تقييم وتحليل البيانات ثم الخروج بتنبؤّ صائب.
    لقد كان تنبّؤي صحيحا بناءً على بيانات المراقبة، وهي نفس البيانات التي استخدمها السكّان الأصليون طوال خمسين ألف عام بنجاح.
    الشعوب القديمة استخدمت ذكاءها لمعرفة أنماط الطقس ومواقيت الصيد والحصاد والتخطيط للعام التالي. وقد فعلوا كلّ هذا بدون أقمار صناعية ولا أجهزة كمبيوتر. والآن هل البشر المعاصرون أكثر ذكاءً من اسلافهم؟
    بالطبع لا. فالشعوب القديمة يحقّ لها أن تعتزّ بموروثها ومعارفها، لأنهم كانوا أذكياء وحكماء. ولا يقول خلاف هذا إلا جاهل.

  • "المكان الآخر" في الأدب فكرة غامضة. فهو يرتفع كالظلّ هنا، ثم يلوح في الأفق هناك بشكل إيجابي. أحيانا تنتج الشخصيات هذا العالم الآخر، هذا المكان الآخر، مع تعريفه على أنه شيء مفقود. وأحيانا يمكن للعالم الأوسع أن يفرض نفسه بقوّة تضيف المعنى والجاذبية والعمق إلى الزمان والمكان الحاليين.
    والوصول إلى مكان آخر يمكن أن يتمّ في جزء من الثانية من خلال الفضول. وهذا المكان هو المثال الأعلى أو الحدث الذي تصادفه أو الحياة التي ربّما تكون قد عشتها. واعتمادا على القصّة، فالمكان الآخر هو الشوق إلى الماضي أو العالم الذي تركته خلفك.
    ملحمة الأوديسّا، مثلا، مليئة بالأماكن الأخرى.
    فبعد حرب استمرّت عشر سنوات، يُمضي بطلنا عشر سنوات أخرى في السفر عائدا إلى وطنه ويزور عددا من الجزر الرائعة، كلّ منها لها نصيب من الأخطار والإغراءات والمكائد والمفارقات. ثم يهبط أوديسيوس الى أرض السايرانات (أو جنّيات البحر) اللاتي يسكنّ جزيرة تقع في مرج مُزهر.
    وبعد سماعه أغانيهن المثيرة، يتغلّب عليه فضوله، فيأمر بحّارته بسدّ آذانهم بشمع العسل، كما يأمرهم بربطه هو الى السارية، حتى يسمع غناءهن دون ان يتأثّر به سلبا. وهو يعلم جيّدًا أن غناءهن يمكن أن يؤدّي إلى هلاكه، لكن فضوله أقوى.
    وفي رواية "السماء الواقية" لبول بولز (1949) يسافر الزوجان بورت وكيت مورسبي من نيويورك إلى صحراء شمال إفريقيا برفقة صديق. في الاساس، كانت الرحلة محاولة من الزوجين لحلّ مشاكلهما العائلية، على الرغم من أن الأمور سرعان ما ازدادت تعقيدا بسبب جهل المسافرين بالمخاطر التي تتهدّدهم. الأمريكيون الثلاثة المترحّلون عبر شمال إفريقيا في فترة ما بعد الحرب، سرعان ما يواجهون مقيّدات الوجود البشري على هيئة أرض وشعب غريبَين عنهم تماما.
    رواية سيّد الذباب لوليام غولدنغ (1954) تتحدّث عن الشرّ المتجسّد في مجموعة من الأولاد الذين غرقت سفينتهم وأصبحوا بعيدين عن الحضارة. وتحاول القصّة تتبّع عيوب الطبيعة البشرية إذا انتفى وجود مجتمع كقوّة تحكم. وما يحدث هو أن الأولاد مع مرور الوقت ينكصون إلى حالة من الخرافة والجشع والوحشية.

  • لا يتذكّر معظم الناس الزمن الذي كان فيه الأطبّاء يتواصلون هاتفيّا مع الناس في بيوتهم. وباستثناء ما تعرضه الأفلام القديمة، لن يرى هذا الجيل أبدا طبيبا لطيفا يرتدي نظارات طبّية ويجلس بجانب سرير المريض ويفتح حقيبته السوداء لإخراج خافض اللسان لفحص الحلق المحتقن للمريض.
    في أحد أيّام فصل الشتاء شُخّصت حالة السعال الديكي التي كنت اعاني منها خلال مكالمة منزلية من قبل طبيب الأسرة، وهو اسكتلندي يدعى أنغوس ماكدونالد. كان صوته الجهوري المريح مصدر شفاء في حدّ ذاته. وقد سألته والدتي كم سيستمرّ مرضي.
    وبكلمات بدت شاعرية تقريبا، أشار الطبيب العجوز نحو النافذة، وقال: ستتحسّن صحّتها عندما تصبح الأوراق على شجرة البلّوط تلك بحجم أذن السنجاب".
    وكانت تلك طريقة جميلة ليقول أن شفائي سيستغرق وقتا، وكان على حق. ولا بدّ ان كلماته كان لها تأثير علاجي طويل المدى، لأنني كنت أشعر بتحسّن كلّما حلّ الربيع ورأيت أوراق الشجرة تهزّ "آذانها الخضراء" الصغيرة خارج نافذة غرفة نومي.

  • Credits
    awesomestories.com