:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الجمعة، أغسطس 25، 2023

عشاء مع بريغل


يُعتبر بيتر بريغل الأب (1525-1569) أعظم الرسّامين الفلمنكيين في القرن السادس عشر. وقد رسم جوانب مختلفة من حياة الفلاحين في العديد من لوحاته، لدرجة أنه أطلق عليه لقب الفلاح بريغل. غير أنه كان أيضا إنسانا مثقّفا، وقد ضمّن الكثير من صوره معاني رمزية وأخلاقية.
في لوحته "وليمة زفاف فلاحين"، يدعونا بريغل إلى متابعة حفل زواج بهيج، ويغرينا بألوانه الدافئة التي تتراوح ما بين الأحمر والأصفر والأخضر والبرتقالي، ويقدّم لنا صورة للطريقة التي كان الناس يحتفلون فيها بالزواج في الريف الهولندي قبل أكثر من خمسة قرون.
ضيوف هذا الحفل يجلسون على مقاعد خشبية خشنة وأمام طاولات طويلة. وهناك رجلان يقدّمان المشروبات، أحدهما يرتدي ثوبا أزرق ومئزرا أبيض وقبّعة حمراء، وهو النقطة المحورية في اللوحة. وبروزه في المكان، والألوان الزاهية لملابسه، تجعله يبدو مميّزا. وفي المقدّمة اليسرى يظهر رجل يصبّ الشراب في أباريق.
وفي منتصف الصورة تجلس امرأة وعلى رأسها ما يبدو وكأنه تاج صغير. من الواضح أن هذه هي العروس. وفوقها، أي في أعلى جدار الحظيرة، عُلّق كيسان من الحبوب. لكن الرسّام لم يضمّن لوحته صورة للعريس. وقيل بأن هذا قد يكون تصويرا لمثل فلمنكي قديم يقول إن الفقير هو من لا يستطيع حضور حفل زفافه.
كان القمح مصدرا هامّا للغذاء في ذلك الوقت. وسواءً كان خبزا أو حبوبا، فقد كان جزءا مهمّا من كلّ وجبة. وكانت الأسر تخزّن ما يتبقّى من محصولها بعد سداد الديون والضرائب، لكن شحّ المحاصيل يمكن أن يستنزف المخزون. وكانت الحظيرة الكاملة تعني أن الأسرة لا يجب أن تقلق من خطر حصول مجاعة خلال السنة التالية. كانت الحظيرة الممتلئة بداية موفّقة للزواج. ومنظر القمح المعلّق على جدار الحظيرة يمكن أن يكون رمزا لحظيرة كاملة وزواج مزدهر.
الخادم ذو السترة الحمراء الى اليمين يدسّ ملعقة خشبية في ثنية قبّعته الخضراء. والملعقة علامة على الفقر. ومع إلغاء الرقّ، ازداد عدد الفلاحين المتجوّلين. كانوا يُمضون الكثير من الوقت على الطريق وكانوا على استعداد للقيام بأيّ نوع من العمل يمكنهم العثور عليه، سواءً كان حصادا أو درساً للحبوب أو خدمة في المناسبات الاجتماعية كحفلات الزفاف. وبالتالي كان حمل الملعقة في القبّعة أمراً مريحا.
ولم تكن هناك شُوَك في ذلك الوقت. وكانت أداة الأكل الرئيسية إلى جانب الملعقة الخشبية هي السكّين، وكان معظم الناس يحملونها معهم. حتى الطفل الصغير - الجالس على الأرض في مقدّمة اللوحة والذي يمضغ قطعة خبز - يتدلّى من خصره سكّين.
العروس، التي تجلس بمفردها وعلى وجهها نظرة هادئة، تبدو شبه نائمة. والواقع أنها بلا حراك تماما. وعادةً، لا تحرّك العرائس ساكناً في يوم زفافهن، وبالتالي يحصلن على يوم راحة واحد على الأقلّ في حياة مليئة بالعمل الشاقّ غالبا!
وُصفت هذه اللوحة بأنها تصوير لقصّة الزواج في قانا التي يقال بأنها شهدت معجزة تحويل المسيح الماء إلى نبيذ. ويقول البعض إن اللوحة هي تفسير بريغل للعشاء الأخير، أو قد تكون تحذيرا من الرسّام من خطيئة الشراهة المميتة.
وعلى الرغم من أن خبراء الفنّ لا يتّفقون على الأهمية المجازية أو الدينية لموضوع الصورة، إلا أنها مهمّة لتوثيقها المفصّل للواقع الاجتماعي في القرن السادس عشر.
في سيرته الذاتية التي كتبها عام 1604 تحت عنوان "كتاب الرسّامين"، يذكر كاريل فان ماندر أنه كان من عادة بريغل أن يزور الفلاحين كلّما كان هناك حفل زفاف. وقد رسم هذه اللوحة حوالي عام 1567، وهو تقريبا نفس العام الذي شهد زواج الرسّام نفسه.

Credits
suite101.com