المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف شوبان

الفرشاة موجة واللوحة محيط

صورة
شقّ إيفان ايفازوفسكي طريقه في الرسم، مثل سفينة قويّة، عبر محيط هائج من المشاعر والاستكشافات والخلافات، محافظا على هدوئه واتّزانه وصادقا مع نفسه دائما. واعتبر معاصروه هذا دليلا على هشاشة الفنّان وقوّته في آن. في سنواته الأخيرة، عندما تحدّث عن الانتقادات الموجّهة لأعماله قال: لم يؤثّر في عزيمتي شيء مما قيل أو كُتب. لطالما عملت بجدّ ولم أسمح لنفسي بالراحة قط، ساعيا دائما إلى الكمال". لكن كيف ننظر إلى إيفان أيفازوفسكي اليوم، ونحن ننتمي إلى عصر بعيد جدّا عن ذلك الزمن الغابر الذي عاش فيه (1817-1900)؟ وما الذي يمكننا رؤيته في فنّه هذه الأيّام؟ سيبقى جمال مناظره البحرية الساحرة: شروق الشمس الهادئ، إرهاق شمس الظهيرة الحارقة، وغموض ليالي الصيف مع جمال ضوء القمر المتلألئ على الماء، ستبقى كلّها حيّة وجذّابة إلى الأبد. وكما كان الحال دائما، ستظلّ براعة لوحاته تأسر المتلقّي العاديّ والمتخصّص على حدّ سواء. وليس من المستغرب أن أجيالا من الباحثين دأبوا على دراسة أعمال هذا الفنّان وتحليلها وتطبيق أحدث الأساليب لكشف غموضها وفهم الطبيعة الفريدة لتراكيب ألوانه التي تمنح الأمواج شفافيةً والب...

ساتي: جيمنوبيدي رقم واحد

صورة
كان ايريك ساتي (1866-1925) احد الروّاد الذين أسهموا في تطوير الموسيقى الحديثة. ومجموعته من القطع الموسيقية ذات الأسماء الغريبة التي ألّفها للبيانو اعتُبرت طليعية. كما أنها أفسحت المجال لظهور الموسيقى الانطباعية والكلاسيكية الجديدة والتقليلية والمحيطية. في حيّ مونمارتر، كان الناس يعرفونه بملابسه الرمادية وبنظّاراته الغريبة وقبّعته الطويلة السوداء. حبّ ايريك ساتي الوحيد كان الموسيقى. لكنه كان يختنق بالتقاليد الموسيقية السائدة. وهو لم يكن يشير إلى نفسه كموسيقيّ، بل كخبير في قياس الأصوات. كما انه صاحب القول الساخر المشهور: كلّما عرفت البشر أكثر، كلّما ازداد إعجابي بالكلاب". وقد قيل إن لموسيقى ساتي نكهة شمبانيا فريدريك شوبان ومرارة نبيذ يوهانس برامز. وقال آخرون إن من يستمع إلى موسيقاه لا بدّ وأن يتخيّل أن من ألّفها "إنسان متوحّش يتمتّع بذائقة سليمة". كان من بين أصدقائه كلود ديبوسي وجان كوكتو وبابلو بيكاسو وايغور سترافنسكي. وكان هؤلاء سببا في إلهامه بعض قطعه الموسيقية الخالدة. أشهر مؤلّفات ساتي هي مقطوعته التي وضعها للبيانو والمسمّاة جيمنوبيدي رقم واحد. وجيمنوبيدي كلمة يونان...

قصْر الذكريات

صورة
صورة فوتوغرافية مبكّرة لـ ميرا بارتوك وهي طفلة بين ذراعي أمها تصوّر ما يمكن أن يكون مشهدا من مشاهد الطفولة الطبيعية. لكنْ، تحت سطح هذه الصورة الهادئة، يكمن واقع أكثر قتامة وحزنا. تكتب بارتوك: إذا استطعت أن ترى الصورة كاملة، فستلاحظ أنّني، وأنا بين ذراعي أمّي، كنت انظر إليها وأنا أبتسم. غير أن ما لم تستطع هذه الصورة أن تقوله هو أنه لم يمض وقت طويل على التقاطها حتى حاولت أمّي الانتحار بإلقاء نفسها من النافذة". من خلال تأريخها لفترة شبابها غير التقليدية في مذكّراتها الصادرة حديثا بعنوان قصر الذكريات ، تروي ميرا بارتوك جوانب من قصّة حياتها الصعبة والمؤلمة تحت رعاية والدتها المطلّقة، نورما، وهي امرأة رائعة كانت تعاني من انفصام الشخصيّة. بعد وقت قصير من انتهاء الحرب العالمية الثانية، مرّت نورما، والدة ميرا، بأوّل تجربة لها مع الانهيار العصبي وهي في سنّ التاسعة عشرة. وطوال خمسينات القرن الماضي، كانت حالتها تتراجع شيئا فشيئا. وبنهاية ذلك العقد، وبعد زواجها العابر وولادة ابنتيها في وقت لاحق، كان مرض نورما يزداد سوءا، وضعفت علاقتها بالواقع بشكل مطّرد، ثم انزلقت إلى أعماق عالم مظلم من...

الانطباعية في موسيقى ديبوسي

صورة
تخيّل انك تقف على شاطئ البحر وتنظر إلى المياه الزرقاء والأمواج العملاقة التي تتكسّر متحوّلة إلى رذاذ ورغوة وأمواج صغيرة على الشاطئ. صورة مثل هذه هي مزيج من الهدوء والعنف والأناقة والقوّة الهائلة. مثل هذه الصور تتناسب تماما مع روح موسيقى المؤلّف الفرنسي كلود ديبوسي. وبالإمكان رؤيتها في نظرته إلى الطبيعة التي هي عنده غامضة وحالمة ومشعّة. وإذا كان الفنّانون الانطباعيون يُسمّون بـ "رسّامي الضوء"، فإن موسيقيين مثل ديبوسي كانوا يرسمون لوحات تعبّر عن مشاعر تفوق الوصف في عقل ونفس السامع. ديبوسي، بكلماته هو، كان يعبّر عمّا لا يمكن التعبير عنه. كان ديبوسي واحدا من أعظم الموسيقيين أصالة. وهناك من نقّاد الموسيقى من يصفونه بأنه رائد الموسيقى الانطباعية في العالم بلا منازع. وقد ألّف مجموعة كبيرة من القطع الموسيقية للبيانو تعبّر عن نظرته للطبيعة وتثير في ذهن السامع مشاهد متتالية من المناظر والصور الحيّة. موسيقى ديبوسي تتميّز بسحرها ونضارتها. وبعض قطعه تشبه في خفّتها وأثيريّتها رائحة عطر نادر وحميم. وقد كنت حتى وقت قريب أؤمن أن لا شيء في الموسيقى يمكن أن يكون أكثر فتنة وإثارة للراحة والسكينة...

جماليّات الحزن

صورة
أحد الملامح القديمة في الفنّ الغربي هو تحويل الحزن والكآبة إلى فرح وطاقة للانطلاق والإبداع. والهيئة الأكثر شيوعا في الحالات التي تتناول موضوع الكآبة والحزن هي صورة إنسان، رجل أو امرأة، يضع يده على خدّه وهو مستغرق في التفكير والتأمّل الحزين. الفلاسفة والأدباء منذ القدم ينظرون إلى الحزن على انه دعوة خلاقة للإنسان كي يرتفع فوق ذاته ويستغلّ إمكانياته. وهناك من يعتقد أن الحزن يجعل الشخص أكثر إنسانية وشفافية وأكثر إحساسا بإيقاعات الحياة المختلفة من فرح وترح ورجاء ويأس وحياة وموت.. إلى آخره. وهناك أيضا من يرى أن الإنسان لا يصبح مكتمل الإنسانية إلا من خلال المعاناة والحزن. الحزن يمكن أن يلهم الإنسان ويقوّي مخيّلته ويجعله أكثر ارتباطا بالعالم من حوله. الشاعر البريطاني جون كيتس تحدّث كثيرا عن فائدة الألم. قال ذات مرّة: الحزن لا يمكن تجنّبه، وهو ليس ضعف إرادة ولا مرضا نفسيا بحاجة إلى علاج". كيتس اكتشف أيضا أن الحزن يلهم الأفكار العظيمة. "ما يجعلنا نحزن هو معرفتنا بأن كلّ شيء مصيره إلى زوال. لكن عندما نحسّ بدنوّ الموت فإننا ندرك كم هو جميل هذا العالم". الموسيقي الألماني فريدريك...

محطّات

صورة
(1) "محامي الشيطان" من أجمل وأبلغ المصطلحات التي نستخدمها كثيرا في لغة الخطاب اليومي. لكنك قد تُدهش إذا عرفت أن أصل هذا المصطلح يُعزى للكنيسة الكاثوليكية. تقول القصّة انه كان من عادة الرهبان أنهم إذا أرادوا تنصيب، أو بالأصح تطويب، شخص ما قدّيسا فإنهم يعيّنون في نفس الوقت شخصا آخر تكون مهمّته إظهار عيوب المرشّح وأخطائه التي يمكن أن تكون مبرّرا لحرمانه من ذلك اللقب وما يرتبط به من مكانة وقداسة في أعين الناس. في ما بعد خرج هذا المصطلح عن سياقه اللاهوتي ليصبح من التعبيرات الشائعة التي تجري على ألسنة الناس وتتردّد في الأوساط الثقافية والصحافية والإعلامية. محامي الشيطان، بمعنى ما، هو شخص يحاول أن ينزع عن بعض البشر صفات القداسة المتوهّمة ويعيدهم إلى دائرة البشر العاديين حيث لا مظاهر حصانة ولا امتيازات أو عصمة. السؤال: ترى كم محاميا للشيطان تحتاجه مجتمعاتنا المليئة بالقدّيسين والملائكة المزعومين؟! (2) ثمّة إحساس بأن اللغة العربية تفتقر إلى المرونة والتجدّد والحيوية التي تتمتّع بها اللغات الأخرى، ليس من حيث قدرتها على توليد الاشتقاقات والمترادفات والصيغ المختصرة فحسب، وإنما أيضا...

أغاني الشمال الحزينة

صورة
قد يمضي الشتاء وينصرم الربيع ويتلاشى بعدهما الصيف ثم العام بأكمله. لكنّي متأكّدة أنك ستعود ثانية. وكما وعدتك، ستجدني بانتظارك. وإذا كنت الآن في السماء، فسنجد هناك الحبّ معا ولن نفترق بعد ذلك أبدا. لن نفترق أبدا. "مقطع من أغنية سولفاي". من المستحيل أن تسمع موسيقى إدفارد غريغ دون أن تشعر بالضوء والنسيم البارد والمياه الزرقاء، أو دون أن تتخيّل منحدرات الجبال والأنهار الجليدية المتموّجة التي تكثر في مناطق غرب النرويج حيث ولد الفنّان وعاش وألّف موسيقاه. موسيقى غريغ تستمدّ أصولها من أعماق الريف النرويجي. فقد كان مفتونا بعزف الرعاة وبالأغاني الريفية والموسيقى الفولكلورية. كانت هناك دائما علاقة غريبة ووثيقة بين البيئة التي عاش فيها الفنّان والموسيقى التي أبدعها. المقال المترجم التالي يتناول جوانب من حياة إدفارد غريغ بالإضافة إلى أشهر أعماله الموسيقية. كان إدفارد غريغ (1843- 1907) يحبّ دائما التجوال في رحاب الطبيعة ويستمدّ منها الصور والأحاسيس التي كان يعبّر عنها من خلال موسيقاه. لكنّ هذه الصورة الرومانسية عنه هي فقط نصف الحقيقة. فقد كان نجاحه مفروشا بالصعاب والتحدّيات، وكان...

شاعر البيانو

صورة
في موسيقى شوبان شاعرية وأصالة. سيولة وانسيابية ألحانه على البيانو لا يمكن وصفها. وقد بلغ من خلالها أعلى درجات الإبداع. لذا يقال إن شوبان فعل للبيانو ما فعله شوبيرت للصوت. شوبان متفرّد كعازف للبيانو. ومن هذه الناحية بالذات لا يمكن مقارنته بأيّ موسيقي آخر. وصفته رفيقته الأديبة الفرنسية جورج صاند مرّة بأنه "كان يغلق باب غرفته على نفسه لأيّام ويكسر أقلامه ويكتب ويمحو مئات المرّات. وقد كتب شوبان قطعتين من نوع المازوركا أو الرقصات البولندية وهما تعادلان أربعين رواية وتتفوّقان على سائر ما كُتب من أعمال أدبية طوال قرن كامل. عندما حضرته الوفاة وهو في سنّ التاسعة والثلاثين قال لمن حوله: اشعر أن الأرض خانقة. وهذا السعال يكاد يمزّقني. أتوسّل إليكم أن تتفحصّوا جسدي جيّدا كي لا ادفن حيّا. ولا تنسوا أن تعزفوا موزارت في جنازتي". المعروف أن شوبان ولد في بولندا لأب فرنسي وأمّ بولندية. لكنه انتقل في ما بعد ليعيش في فرنسا. وبعد وفاته دُفن جثمانه في باريس بينما وضع قلبه في آنية كريستال وأودع داخل عمود بإحدى كنائس وارسو. في المقال التالي تتناول آن ميدغيت جوانب من حياة شوبان وموسيقاه لمناسب...

فنّ البورتريه: صورة المبدع

صورة
الهدف المشترك للكاتب والرسّام والموسيقي هو التقاط المَشاهد أو الحالات الانفعالية والمزاجية وتصويرها ومحاولة إبراز الرؤى المنفردة على الورق أو رقعة الرسم أو من خلال النغم. الكتّاب يكتبون غالبا عن الفنّانين والموسيقيين في الروايات والمقالات والسير الذاتية. بينما الرسّامون يصوّرون الكتّاب والموسيقيين الذين عرفوهم وأولئك الذين يجدون في حياتهم ما يدفعهم الفضول لرسمه. وكثيرا ما يرسم الرسّامون بوتريهات للكتّاب أو الموسيقيين لكي تراهم الأجيال القادمة. لكن أفضل اللوحات هي التي تأتي من تصوّر واضح أو علاقة خاصّة بالموضوع. ومثلما أن للموسيقى والرسم علاقة مشتركة باللون والنغم والشكل والإيقاع، فإن تصوير الملحّنين والموسيقيين يتطلب مهارة محدّدة لإيصال الموسيقى داخل روح الموضوع. غوته أديب وعالم وفيلسوف ألماني من زعماء حركة العاصفة والاندفاع الأدبية. تطوّر فنّه وزادت خبرته بعد زيارته لايطاليا وتأثّره بالثورة الفرنسية. في العام 1786 سافر غوته إلى ايطاليا. ومن هناك كتب إلى أصدقائه في ألمانيا يخبرهم بانطباعاته ومشاهداته عمّا أصبح يُعرف في ما بعد بالرحلة الايطالية. كان غوته مدفوعا بدراسة السمات الطبي...