الفرشاة موجة واللوحة محيط


شقّ إيفان ايفازوفسكي طريقه في الرسم، مثل سفينة قويّة، عبر محيط هائج من المشاعر والاستكشافات والخلافات، محافظا على هدوئه واتّزانه وصادقا مع نفسه دائما. واعتبر معاصروه هذا دليلا على هشاشة الفنّان وقوّته في آن. في سنواته الأخيرة، عندما تحدّث عن الانتقادات الموجّهة لأعماله قال: لم يؤثّر في عزيمتي شيء مما قيل أو كُتب. لطالما عملت بجدّ ولم أسمح لنفسي بالراحة قط، ساعيا دائما إلى الكمال".
لكن كيف ننظر إلى إيفان أيفازوفسكي اليوم، ونحن ننتمي إلى عصر بعيد جدّا عن ذلك الزمن الغابر الذي عاش فيه (1817-1900)؟ وما الذي يمكننا رؤيته في فنّه هذه الأيّام؟ سيبقى جمال مناظره البحرية الساحرة: شروق الشمس الهادئ، إرهاق شمس الظهيرة الحارقة، وغموض ليالي الصيف مع جمال ضوء القمر المتلألئ على الماء، ستبقى كلّها حيّة وجذّابة إلى الأبد.
وكما كان الحال دائما، ستظلّ براعة لوحاته تأسر المتلقّي العاديّ والمتخصّص على حدّ سواء. وليس من المستغرب أن أجيالا من الباحثين دأبوا على دراسة أعمال هذا الفنّان وتحليلها وتطبيق أحدث الأساليب لكشف غموضها وفهم الطبيعة الفريدة لتراكيب ألوانه التي تمنح الأمواج شفافيةً والبحر عمقاً.
يصف ن. كوشال عمله بقوله: كانت لوحة ايفازوفسكي محيطا وريشته موجة عاتية. وقد رسم الماء وكأنه حيّ، هائجا، متكسّرا ويتنفّس بإيقاع إلهي. من الخلجان الهادئة المضاءة بنور القمر إلى العواصف العاتية، حمل فنّه غضب وسكينة الخلق نفسه. ومع ذلك، خلف كلّ أفق مهيب، كان يهمس بذكريات جذوره الأرمنية وإيمانه وتاريخه. قال ذات مرّة: البحر حياتي". لكن في كلّ مدّ متلألئ رسمه، كانت أرمينيا تتدفّق أيضا، أبديةً، صامدةً ولا حدود لها، كالمياه التي أحبّها كثيرا.
لوحاته تجسّد مثالا جميلا، فهي مليئة بالطاقة الإيجابية وتمنح دائما أملا عظيما، تلك الصفة التي نفتقدها بشدّة في عالمنا القاسي اليوم. ومع ذلك، فإن الجاذبية البصرية الدائمة للمناظر البحرية ليست سوى جانب واحد من الجوانب العديدة التي تشكّل الشخصية الإبداعية لأيفازوفسكي كرسّام.
فقد أبدع الفنّان لوحات تعكس فهمه للوجود الأبدي للطبيعة، حيث ينظر إلى المحيط المهيب المتنفّس كاستعارة للحياة البشرية. حتى السمة الرسمية للمناظر البحرية، أي أفقها المميّز دائما، تحمل فكرة عميقة المغزى: البعيد جذّاب دائما، وكذا الرغبة في عبور الحدود البعيدة المراوغة ومعرفة ما يكمن وراءها، ذلك الشعور الذي نعرفه جميعا منذ طفولتنا. نسعى جاهدين مع الفنّان لتحقيق هذا الحلم الآسر.
وكما يقول ن. يازيكوف: هناك، وراء قسوة الطقس أرض مباركة بجمالها، سماء لا حزن فيها وهدوء يمنح المرء راحة".
لم تكن رحلات أيفازوفسكي عبر أوروبّا أقلّ من لوحاته، إذ تجاوز عدد المدن التي زارها وأقام فيها معارض شخصية المائة. كان العالم كلّه صغيرا في عينيه. وقد منحه خياله الجامح وذاكرته البصرية والعاطفية الفائقة القدرة على دمج انطباعات مختلفة في لوحة واحدة.

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

قال مرّة: أستطيع أن أرسم مناظر سواحل بحر البلطيق في شبه جزيرة القرم، ومناظر شتوية في الصيف، وسماءً صافية بلا غيوم عند شروق الشمس في يوم غائم. أحتفظ بذكريات منسية لسنوات. العاصفة التي شاهدتها على الساحل الإيطالي يمكن نقلها في لوحتي إلى مكان ما في شبه جزيرة القرم أو في القوقاز. وشعاع ضوء القمر المنعكس في مضيق البوسفور، أستخدمه لإضاءة تحصينات سيفاستوبول". وفي الوقت نفسه، كان الفنّان دقيقا للغاية في تصوير الأماكن الحقيقية، وجعلها قابلة للتمييز على الفور.
كان أيفازوفسكي مدركا لقيمة السفن الشراعية ومعجبا بها. كان يحبّ تصاميمها وأشرعتها البيضاء التي ترفرف مع الريح، وجمال وفخر خطوط السفن الحربية الكبيرة والخفيفة على حدّ سواء، والتي كانت تذكّره من بعيد، عند اقترابها من الأفق، بالطيور المحلّقة. وكان يجمع بشغف جميع أنواع قطع السفن الأثرية، بالإضافة إلى نماذج للسفن الشراعية في مدينته فيودوسيا.
أعمال أيفازوفسكي الفنيّة تتخلّلها أشعار وموسيقى. فكلّ مشهد من مشاهد الطبيعة البحرية في لوحاته قد يوحي بأبيات شعرية أو صور موسيقية. وفي بداية مسيرته الفنّية، حظي بلقاء مع ألكسندر بوشكين. ولم يكتفِ أيفازوفسكي بتذكّر كلّ لحظات حديثهما، بل سعى مرارا إلى دراسة أعماله من خلال تخيّل الانطباع الذي قد يتركه الشاعر العظيم، مقارِناً روعة صوره المرسومة بعظمة شعر بوشكين.
ولعلّ أكثر لوحاته انسجاما مع الشعر والصور الموسيقية هي تلك التي تصوّر ليالي مقمرة. مناظره البحرية الليلية تمتلئ بالإحالات الشعرية. فالقمر، سيّد الليل، يهيمن على السماء. وفي ضوئه يبدأ البحر والناس في عيش حياة مختلفة. في هذه المناظر الليلية، يصوّر بريق ضوء القمر على سطح البحر الهادئ ببراعة فائقة. وقد حاول العديد من المقلّدين محاكاة أسلوب أيفازوفسكي، لكنهم لم يقتربوا من براعته.
لوحاته الليلية تستحضر مشاعر السلام والوئام والتواصل العميق مع عالم الطبيعة. وتثير ارتباطات موسيقية، خاصّة مع المقطوعات الليلية لـ شوبان؛ أكثر مؤلّفي العصر الرومانسي شاعريةً وأحد أبرز عازفي الارتجال الموسيقي.
في سرعة وسلاسة وإتقان أيفازوفسكي لرسم مناظره الليلية وشروق الشمس وغروبها، كان يقترب من أسلوب الارتجال الشعري أو الموسيقيّ الذي شاع في الصالونات الأدبية والموسيقية الأوروبية في مطلع القرن التاسع عشر. في ذلك الوقت، اشتهر الشاعر آدم ميكيفيتش بارتجاله، بينما كان أيفازوفسكي يستمع أيضا إلى خيالات ميخائيل غلينكا الموسيقية الخفيفة.
وعندما كان في إيطاليا، التقى بمرتجلي نابولي المشهورين، الذين حظي عملهم بإعجاب كبير لسهولة نظمهم الشعر وتلحينهم لأيّ موضوع. كانت الأغنية أو البيت الشعري، الذي ينبض بالحياة أمام الجمهور مباشرة، يجذب الانتباه دائما بالسهولة الظاهرية التي يولد بها العمل المكتمل، عندما يكون الفنّان في حال من السكينة العميقة.
وكان أيفازوفسكي يقدّم عروضا أمام جمهور من المعجبين أو الطلاب المذهولين، يُظهر فيها نوعا من "إتقان الارتجال التصويري"، حيث يبدع لوحة كاملة خلال ساعات قليلة. ولم تكن هذه الجلسات تحظى دائما بالقبول، لكن هذا النهج الارتجالي المنفتح في الفنّ كان دليلا على ثقة الفنّان بنفسه وحبّه العميق لمهنته.

Credits
archive.org
tretyakovgallery.ru

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مخطوطات قرآنية نادرة

أشهر عشر نساء خلّدهن الرسم

اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً