المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف جيروم

جيروم والشرق

صورة
من الأعمال الفنيّة الجميلة التي تنطبع تفاصيلها في الذهن بسهولة اللوحة التي فوق، واسمها "صلاة العصر في القاهرة"، للرسّام الفرنسي جان ليون جيروم (1824-1904). ظهرت هذه اللوحة على أغلفة العديد من الكتب وأصبحت رمزا للشرق القديم الذي طالما حلم به الشعراء والفلاسفة وهيمن على مخيّلة الأوربيّين لزمن طويل. كان جيروم رحّالة وأستاذا جامعيا ورجل أعمال. وكان من أنصار الكلاسيكية الجديدة (Neoclassicism) والأكاديمية (Academicism)، وهما حركتان فنيّتان رئيسيتان في أوروبّا القرن التاسع عشر. غير أن أحدا لا يتذكّره اليوم إلا بالكاد. ومع ذلك فإن صوره عن الشرق القديم ما تزال رائجة، لأنها تذكّر الناس بالماضي والسنين الخوالي. كان الرسّام مفتونا بصلاة المسلمين وبمعمار الجوامع القديمة. وكان من عادته أن يضيف إلى رسوماته للجوامع تفاصيل من خياله لجعلها تبدو كالصروح الفخمة. لكنه في هذه اللوحة اختار أن يرسم مجموعة من الناس يؤدّون الصلاة على سطح منزل بسيط في قاهرة القرن التاسع عشر. كلّ التفاصيل في الصورة بديعة: منظر السماء الضبابية التي تضفي على المنظر طابعا من المهابة والجلال، منارات مسجد محمّد ...

جيروم والنمر

صورة
القصص التي تتحدّث عن الارتباط الوجدانيّ بين الإنسان والذئب كثيرة. وربّما يعود سبب هذا الارتباط إلى حقيقة أن الذئاب جزء من آثار العالم القديم والمندثر عندما كان الإنسان واقعا بالكامل تحت رحمة الطبيعة وعاجزا عن السيطرة على قواها القاهرة. وغالبا ما تقترن الذئاب بالحياة في الصحاري والجبال التي تذكّر الإنسان بأسلافه الأقدمين وبخلود العالم. ولهذا السبب أصبح هذا الحيوان رمزا لاستمرارية الوجود الإنسانيّ وديمومة الحياة على الأرض. وفي مقابل وفرة القصص التي تحكي عن العلاقة بين الإنسان والذئب المعروف بقابليّته للاستئناس، لا تتوفّر قصص مشابهة عن حيوان كالنمر، مثلا، لسبب واضح. فالنمر حيوان متوحّش جدّا، وهو الحيوان الوحيد الذي لا يمكن للإنسان أبدا أن يروّضه أو يأمن شرّه. وحكايات الرحّالة الأوائل الذين لم يروا النمر تُصوّره على انه مخلوق خياليّ لا يختلف كثيرا عن التنّين. وبالنسبة للأوربّيين، ، كان النمر، وحتى القرن الثامن عشر، ما يزال أشبه ما يكون بالأسطورة، إذ لم يكن احد قد رآه عيانا. والصورة الوحيدة المتوفّرة عنه مصدرها كتاب مصوّر عن هيئات الحيوانات يعود تاريخه إلى القرون الوسطى. و...

شخصيّات في الرسم: كليوباترا

صورة
كانت كليوباترا ملكة عظيمة خضع لسحرها اثنان من أقوى الزعماء العسكريين الرومان: يوليوس قيصر ومارك أنطوني. صحيح أنها هُزمت في النهاية، لكن موتها المأساوي حرم المنتصر من جزء من انتصاره على الأقلّ. الكتّاب القدامى متفّقون على حقيقة أن كليوباترا ماتت بلدغة أفعى في يدها. غير أن شكسبير هو الذي اخترع قصّة أن اللدغة كانت في ثديها. ثم أخذت الفكرة بعد ذلك طريقها إلى الفنون البصرية. والملاحظ أن معظم اللوحات التي تصوّر كليوباترا تركّز على واقعة موتها، استنادا إلى ما تذكره بعض المصادر التاريخية والأعمال الأدبية. ولدت كليوباترا لعائلة من الفراعنة عام تسعة وستّين قبل الميلاد. كان تعطّشها للسلطة قويّا، لدرجة أن شقيقها بطليموس الثالث عشر اجبرها على مغادرة مصر كي يتمكّن وحده من حكم البلاد. وكانت تستخدم حيلها النسائية. وقد اخفت نفسها في سجّادة سُلّمت في ما بعد إلى يوليوس قيصر، الذي أصبح في النهاية متورّطا في علاقة عاطفية معها ووعدها بمساعدتها على استعادة عرش مصر. أنجبت كليوباترا لقيصر ابنا. لكنها في ما بعد أصبحت عشيقة للجنرال الروماني مارك أنطوني الذي أنجبت له ثلاثة أطفال. لكن علاقتها بـ انطو...

الشرق بعيون إيطالية

صورة
كانت حملة نابليون العسكرية على مصر، بالإضافة إلى حكايات المستشرقين ومغامرات الرحّالة من بين العوامل التي أسهمت في إلهاب مخيّلة القارّة الأوربية العجوز وتحفيز الأوربيّين على معرفة المزيد عن حياة وحضارة الشرق. وقد أسَرَ ما تبقّى من خيال الأوربّيين ما كان يصلهم من أخبار المتع المحرّمة والمحظيّات والحريم في قصور سلاطين وملوك بلاد الشرق. كانت تحدو الأوربيّين رغبة جارفة في معرفة واكتشاف وفهم الأراضي البعيدة والمختلفة عنهم ثقافة وتاريخاً. ولا بدّ وأن الكثيرين منهم كانوا متأثّرين بكتابات الأديب الفرنسي فلوبير الذي كان قد سبقهم إلى مصر وأقام فيها طويلا وأسهب في وصف مشاهد الحريم والرقص هناك. الايطاليون لم يكونوا بمنأى عن تأثير سحر وفتنة الشرق التي طبعت الرسم الغربي في القرن التاسع عشر. فالرسّام الفينيسي فرانشيسكو هايز ، الذي لم يسافر أبدا خارج ايطاليا، أصابته عدوى الافتتان بالشرق، فرسم العديد من اللوحات المتخيّلة عن ثقافة الشرق وحياة شعوبه. لكن رسّاما آخر، هو ايبوليتو كافي ، قرّر أن يعيش التجربة شخصيا. فباشر في العام 1843 رحلة طويلة أخذته في البداية إلى القسطنطينية حيث رسم فيها بازار العب...

مثالية وليام بوغرو

صورة
تنظر إلى لوحات هذا الرسّام فيدهشك أن لا ترى فيها غير صورٍ لحوريّات وعذراوات يتنزّهن في مناظر بهيّة ومشذّبة، وأمّهات يداعبن أطفالهنّ بحنوّ ومحبّة، وأطفال يشبهون الملائكة يحتضن بعضهم بعضها ببراءة وألفة. تلك هي نظرة وليام بوغرو السامية للجنس البشري. وهي نظرة مشحونة بالجمال والطلاوة والمثالية والخيال، إلى الحدّ الذي يجعلنا نتوق إلى رؤية الواقع وملامسة الأرض مرّة أخرى. كان بوغرو ينظر إلى الفنّ على انه ضرب من الجمال المثالي. وكان يبدي انزعاجه من كلّ محاولات التجريب والخروج عن المألوف. وبذا حبس الرسّام نفسه في قفص ذهبي عندما اعتقد أن الرسم يجب أن يكون عن الجمال والفرح في مقابل الواقع. وبحلول نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت لوحاته، مع لوحات معاصريه الأكاديميين مثل جان ليون جيروم و لورانس الما تاديما و الكسندر كابانيل ، قد انصرفت عنها أذواق الناس واهتمام النقّاد واستقرّ بها المقام أخيرا في أقبية المتاحف. لكن الجنود القدامى لا يموتون إلى الأبد. فمؤخّرا، ومع تجدّد الاهتمام بالأعمال الفنّية الكلاسيكية، انتعشت واقعية بوغرو ورفاقه الاكاديميين من جديد. من الصعب تصوّر الشعبية الكبيرة التي كا...

عودة أمير الظلام

صورة
في الفنّ، هناك من الأشياء ما لا يقلّ إثارة عن إعادة اكتشاف رسّام كبير أو قديم. والأمر يشبه كثيرا العثور على مغلّف مملوء بشهادات الأسهم القديمة في بطانة الجزء الخلفي من أريكة جدّ العائلة. هذا الشيء لا يحدث كثيرا طبعا. لكنه يحدث على أيّ حال. فيرمير كان غير معروف كليّاً طوال ثلاثة قرون قبل أن يعاد اكتشافه في منتصف القرن التاسع عشر. وكارافاجيو كان مجرّد اسم لا أكثر، إلى أن تمكّن مؤرّخ لامع يُدعى روبيرتو لونغي من إعادة اكتشافه في العام 1952م. وأحدث مثال عن الاكتشاف المفاجئ لرسّام قديم يعود تاريخه إلى العام 1972، عندما أقيم في باريس معرض مخصّص لرسّام فرنسي كبير وغامض من القرن السابع عشر يُدعى جورج دي لا تور. وكان عالمان مثابران قد جمعا نماذج قليلة وثمينة من فنّه في باريس عام 1972م. كان جورج دي لا تور يرسم مشاهد الليل كما لم يرسمها فنّان آخر من قبل. شمعة تومض، وجه يضيء، شيء ما يحدث في الظلام، لكن ما هو؟ من الواضح أن لا تور كان تابعا من بعيد لـ كارافاجيو. لكن ألوانه أغرب ومزاجه أكثر رقّة. ومنذ ذلك الاكتشاف الرائد ظهرت بعض الحقائق البسيطة عن الرسّام صاحب الاسم الغامض. ولد جورج دي لا تور ...

الفنّ الاستشراقي: يقظة بعد سُبات

صورة
بدأ الاهتمام بالفنّ الاستشراقي مع حملة نابليون على مصر في العام 1798م. وجاء ازدهاره الحقيقي بعد 40 عاما من ذلك التاريخ. والفضل يعود إلى انتشار خطوط السكك الحديد وتخفيف القيود المفروضة على السفر والتجارة. بعض الفنّانين الاستشراقيين كانوا يرسمون أعمالهم في عين المكان. لكن مع ازدياد شعبية هذا النوع من الرسم، استطاع آخرون رسم لوحات استشراقية دون أن يغادروا أوطانهم. كانوا ببساطة يستخدمون الكتب المرجعية ويستعينون بنساء من بيئاتهم المحلية يلبسونهنّ ثيابا واكسسوارات مستوردة من بلدان الشرق. المواضيع التي كانوا يفضّلون رسمها كانت الحصان وسوق الرقيق والمسجد وطبيعة الأرض والخلفاء والمؤذّنين وعبيد النوبة والجنود. وكان هناك موضوع مفضّل آخر يتمثّل في الحريم والمحظيات شبه العاريات. كلّ هذا كان يُرسم بتفاصيل دقيقة وبأسلوب شديد الواقعية عُرف بالأسلوب الأكاديمي الذي ساد في أوربا لعدّة قرون وانتهى تماما مع مجيء المدرسة الانطباعية. ومع نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت الصور الأكاديمية تتمتّع بشعبية جارفة لدى الناس، تماما مثل الأفلام السينمائية هذه الأيام. ومع ازدياد شعبيّتها تطوّرت واقعيّتها الفوتوغرافي...