خواطر في الأدب والفن
كما يشبّه الفيلسوف الروماني السلوكيات الضارّة داخل الحشود بالعدوى، ويحثّ على اختيار الرفاق بعناية بناءً على سماتهم الشخصية. ويشير إلى أن الصفات، سواءً كانت سلبية أم إيجابية، يمكن أن تنتقل بالعدوى. وهذا التأثير غير الواعي يحدث سواءً ضمن مجموعات أو من خلال التفاعلات اليومية، ما يؤكّد ضرورة اليقظة والانتباه عند اختيار دوائرنا الاجتماعية.
ويشير ديفيد فيدلر الى أنه في عصرنا الحالي، تتردّد أصداء أفكار سينيكا في النقاشات حول وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن للغضب العاطفي أن ينتشر كالنار في الهشيم. وقد أكّدت دراسات علم نفس الحشود أن السلوك البشري يتأثّر بشكل كبير بالآخرين، سواءً عبر الإنترنت أو في الواقع، حيث يمكن لديناميات المجموعة أن تدفع الأفراد لاتخاذ قرارات وتصرّفات غير عقلانية.
ويتناول فيدلر بعض كتابات سينيكا التي تتحدّث عن أهمية تقدير الوقت. إذ يؤكّد سينيكا أن الوقت هو أثمن ما نملك، مشدّداً على أن الحياة محدودة، ويحثّ القرّاء على عدم إهدارها في أمور تافهة. كما يشير إلى أن الكثيرين يصلون إلى نهاية حياتهم وهم يشعرون بالندم لأنهم لم يقدّروا وقتهم حقّ قدره.
وبحسب الكاتب، فإن رسالة سينيكا الأساسية تتمحور حول ضرورة استغلال الوقت والحفاظ عليه، إذ غالباً ما يضيع الوقت بسبب الإهمال والمُلهيات. ويتساءل سينيكا عمّا إذا كان هناك من يقدّر كلّ يوم من أيّام حياته، أو يدرك أن كلّ لحظة تمرّ تقرّبه أكثر من الموت. كما يتأمّل في حياته الخاصّة، مستحضراً الوقت الذي أهدره في أعمال تبيّن لاحقاً أنها لا تستحقّ العناء، ويدعو بدلاً من ذلك إلى استثمار الحياة في أعمال ذات مغزى.
ويحذّر سينيكا أيضا من تأجيل عيش الحياة على أمل التمتّع بوقت فراغ في المستقبل "لأن الحياة غير مضمونة". كما يرى أن العمل الهادف ووقت الفراغ يجب أن يتواجدا معاً، ويدعو للتركيز على ما يهم حقّاً، بدلاً من الضياع في صخب السعي وراء الثروة والمكانة الاجتماعية.
ويربط فيدلر بين وصايا سينيكا عن الوقت وحقائق الحياة المعاصرة فيقول: عند استيقاظك كلّ صباح، فكّر في كيفية قضائك لوقتك. وبدلاً من تصفّح وسائل التواصل الاجتماعي أو الانغماس في مهام لا طائل منها، إسأل نفسك: ما الأمر المهم حقّاً اليوم؟".
ويضيف: إن تبنّي أنشطة تثري حياتك، كخوض حوارات هادفة أو ممارسة هواية تحبّها، أو حتى تخصيص لحظات للتأمّل فيما تقدّره حقاً، من شأنه أن يتيح لك استعادة السيطرة على وقتك. ومن خلال دمج هذه التجارب المُرضية في روتينك اليومي، فأنت لا تكتفي بعدّ الأيام فحسب، بل تجعل لكلّ لحظة في حياتك قيمة ومعنى".
وفي بعض رسائله الأخرى، يتحدّى سينيكا الرؤية الرواقية التي تزعم أنه ينبغي على الحكماء ألا يحزنوا عند فقدان الأحبّة، ويؤكّد أن ذرف الدموع استجابة طبيعية وفطرية لرحيلهم. كما يشدّد على أن الدموع تنبع من مشاعر صادقة ومن روابط إنسانية، مشيراً إلى أن الحزن تجربة مشتركة بين مختلف الكائنات، بما في ذلك الحيوانات. وقد كتب باستفاضة عن الحزن وقدّم نصائح قيّمة حول كيفية عيش الحزن بصدق، لكن دون مبالغة.
كما دعا إلى الاعتدال في الحزن، فبينما يُعدّ الشعور بالأسى أمراً طبيعياً، فإن إطالة أمده أو المبالغة فيه قد يؤدّي إلى انغماس غير صحّي في الذات. فالمشاعر الصادقة يجب أن توجّه تعبيراتنا عن الأسى، بعيداً عن الوقوع في فخّ الاستعراض المسرحي أمام الآخرين. إذ الحزن الحقيقي هو الذي يوازن بين المحبّة والعقل، ويضمن ألا تنحدر المشاعر نحو الجنون أو التبلّد العاطفي.
ولتقليل ألم الحزن، يقترح سينيكا تقبّل حتمية الموت. فإدراك أن الأحبّة قد يرحلون يساعد في تخفيف الصدمة عند وقوع الفقد. ومن خلال تهيئة أنفسنا ذهنيّاً لمواجهة الفقد، يمكننا التعامل مع الألم بمرونة أكبر. كما يؤكّد على أهمية إدراك أن كلّ التجارب والعلاقات مؤقّتة، وهو أمر من شأنه أن يعزّز تقديرنا العميق للوقت الذي قضيناه مع من نحبّهم. كما يقترح تحويل الحزن إلى امتنان من خلال استذكار لحظات الفرح والنعم التي شاركناها مع من رحلوا.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
◦ لو عشت في اليونان أو روما القديمة وأردت تأليف كتاب، فكيف كنت ستفعل ذلك؟ أولاً: كنت ستشتري أوراقاً أو لفائف من ورق البردي للكتابة عليها. وإن لم يكن لديك المال الكافي، فسيتعيّن عليك الكتابة على ظهر ورق البردي الذي تملكه بالفعل أو في هوامشه. وإذا لم تكن تملك أيّ ورق بردي، فستضطرّ للكتابة على موادّ أخرى، كأصداف المحار وعظام الثيران ونحوها.
ثانيا: لا بدّ من الحصول على الحبر. في العالم القديم، كانت هناك أنواع عديدة من الحبر. كان الحبر الأسود العادي يُصنع من سخام الراتنج أو القطران المحترق الممزوج بالصمغ النباتي. كان الحبر يأتي على شكل مسحوق، لذا يجب مزجه بالماء قبل استخدامه.
ثالثا: يجب البحث عن قلم. أحيانا يكون مصنوعا من القصب، ولذا أطلق عليه الإغريق والرومان اسم "كالاموس"، أي قصب. ثم ستحتاج إلى سكّين لشحذ قلمك. وإذا أخطأت في الكتابة، فستمسح ما كتبته بإسفنجة مبلّلة.
وإن صادف أن احتجت إلى الرجوع إلى كتب أخرى أثناء الكتابة، فيمكنك أن تطلب من أصدقائك إرسالها إليك أو أن تطلب من بائعي الكتب نسخها لك. وإلا فقد تضطرّ للذهاب إلى مكتبة، مع أن أفضل المكتبات في الإسكندرية وروما وأثينا قد تكون بعيدة.
وبعد الانتهاء من كتابة مسوّدة كتابك، ستحتاج إلى مراجعته وتصحيحه. ثم يمكنك بعد ذلك تكليف العديد من النسّاخ بنسخه، ثم توزيع هذه النسخ على الأصدقاء وبائعي الكتب. وبعد أن تتمّ كلّ هذا، تأتي الخطوة الأخيرة وهي طرح كتابك للنشر. ك. بانيغيرس
❉ ❉ ❉
◦ ولد بوذا لعائلة من الأمراء البراهمانيين اشتهر أفرادها بنقاء سلوكهم وتفانيهم الروحي الكبير، فأصبح عالما ومعلّما كبيرا. وفي أحد تجسّداته السابقة، كان بوذا يعيش في عزلة ويمارس التأمّل والعبادة. وفي أحد الأيّام، مشى في الغابة برفقة بعض تلاميذه، ووصلوا إلى حافة منحدر صخري عميق.
وعند أسفل المنحدر، رأى الأمير نمرة شرسة، لكنها كانت ضامرة الجسد للغاية من شدّة الجوع. ولم تكن النمرة وحدها، بل كانت محاطة بصغارها المولودين حديثا. وبسبب الجوع القاتل وشدّة الإنهاك، كانت النمرة على وشك أن تفترس صغارها لتظلّ على قيد الحياة، بينما كان الصغار يبكون ويقتربون منها ببراءة.
ثم تذكر القصّة أن مشاعر الرحمة والشفقة تحرّكت في قلب بوذا، وأدرك أنه إذا لم يتصرّف فوراً، فستحدث مأساة، فإما أن تموت النمرة وصغارها من الجوع، أو أن تقتل الأمّ صغارها. وأرسل رفاقه بعيداً للبحث عن طعام للنمرة، لكنه كان يعلم أن الوقت لن يسعفهم. وفكّر بينه وبين نفسه قائلا: هذا الجسد البشري زائل ومليء بالرغبات الدنيوية، فلماذا لا أستخدمه لإنقاذ أرواح هذه الكائنات البريئة؟!"
ثم ألقى الأمير بنفسه من أعلى المنحدر الصخري ليسقط أمام النمرة. في البداية، لم تقوَ النمرة على نهشه لضعفها الشديد. فقام بوذا بجرح رقبته بغصن شجرة حاد، فسال دمه ولعقت النمرة الدم واستعادت قواها، ثم التهمت جسده بالكامل، وبذلك نأت بنفسها عن أكل صغارها ونجت العائلة بأكملها.
في الفلسفة البوذية، تساق هذه القصّة الغريبة للتدليل على الرحمة المطلقة والتغلّب على الأنانية والكرم الأسمى! وهنا يثور سؤال: ما المنطق وراء هذا النوع من التفكير العدمي؟ أعني، ما النمر، وما الحياة التي يعيشها؟ النمر حيوان مفترس وغالبا ما يكون قاسيا بشكل غير عادي، فيقتل الكثير من الحيوانات وحتى البشر، وفي كثير من الأحيان ليس حتى بدافع الضرورة.
وذكَر النمر البالغ يأكل حوالي 150 كيلوغراما من اللحم شهريا. لذا، يأتي سؤال آخر: لماذا تضحّي بجسدك لحيوان مفترس، حتى يتمكّن هذا الحيوان من العيش ويستمرّ في قتل حيوانات أخرى؟ ما الفائدة؟ ما المبرّر أو الداعي؟ هل راعت هذه "الرحمة" الأرواح التي سيقتلها النمر؟!
شبيه بهذا عندما يشتري البوذيون في الصين أسماكا أو سرطانات حيّة لـ "تحريرها" كما يقولون، ثم يرمونها في نهر ملوّث حيث تموت معظم الأسماك، بينما يستفيد الصيّادون من هذه الطقوس الجوفاء. ك. سنغ
وعند أسفل المنحدر، رأى الأمير نمرة شرسة، لكنها كانت ضامرة الجسد للغاية من شدّة الجوع. ولم تكن النمرة وحدها، بل كانت محاطة بصغارها المولودين حديثا. وبسبب الجوع القاتل وشدّة الإنهاك، كانت النمرة على وشك أن تفترس صغارها لتظلّ على قيد الحياة، بينما كان الصغار يبكون ويقتربون منها ببراءة.
ثم تذكر القصّة أن مشاعر الرحمة والشفقة تحرّكت في قلب بوذا، وأدرك أنه إذا لم يتصرّف فوراً، فستحدث مأساة، فإما أن تموت النمرة وصغارها من الجوع، أو أن تقتل الأمّ صغارها. وأرسل رفاقه بعيداً للبحث عن طعام للنمرة، لكنه كان يعلم أن الوقت لن يسعفهم. وفكّر بينه وبين نفسه قائلا: هذا الجسد البشري زائل ومليء بالرغبات الدنيوية، فلماذا لا أستخدمه لإنقاذ أرواح هذه الكائنات البريئة؟!"
ثم ألقى الأمير بنفسه من أعلى المنحدر الصخري ليسقط أمام النمرة. في البداية، لم تقوَ النمرة على نهشه لضعفها الشديد. فقام بوذا بجرح رقبته بغصن شجرة حاد، فسال دمه ولعقت النمرة الدم واستعادت قواها، ثم التهمت جسده بالكامل، وبذلك نأت بنفسها عن أكل صغارها ونجت العائلة بأكملها.
في الفلسفة البوذية، تساق هذه القصّة الغريبة للتدليل على الرحمة المطلقة والتغلّب على الأنانية والكرم الأسمى! وهنا يثور سؤال: ما المنطق وراء هذا النوع من التفكير العدمي؟ أعني، ما النمر، وما الحياة التي يعيشها؟ النمر حيوان مفترس وغالبا ما يكون قاسيا بشكل غير عادي، فيقتل الكثير من الحيوانات وحتى البشر، وفي كثير من الأحيان ليس حتى بدافع الضرورة.
وذكَر النمر البالغ يأكل حوالي 150 كيلوغراما من اللحم شهريا. لذا، يأتي سؤال آخر: لماذا تضحّي بجسدك لحيوان مفترس، حتى يتمكّن هذا الحيوان من العيش ويستمرّ في قتل حيوانات أخرى؟ ما الفائدة؟ ما المبرّر أو الداعي؟ هل راعت هذه "الرحمة" الأرواح التي سيقتلها النمر؟!
شبيه بهذا عندما يشتري البوذيون في الصين أسماكا أو سرطانات حيّة لـ "تحريرها" كما يقولون، ثم يرمونها في نهر ملوّث حيث تموت معظم الأسماك، بينما يستفيد الصيّادون من هذه الطقوس الجوفاء. ك. سنغ
❉ ❉ ❉
◦ قبل كلّ شيء، لا تفقد رغبتك في المشي. فأنا أسير كلّ يوم إلى حالة من العافية، وأتخلّص من كلّ مرض. لقد سرت إلى أفضل أفكاري، ولا أعرف فكرة ثقيلة لدرجة أن المرء لا يستطيع التخلّص منها إلا بالمشي. وكلّما طال جلوس المرء ساكنا، اقترب من الشعور بالمرض. لذا، إذا استمرّ المرء في المشي، فسيكون كلّ شيء على ما يرام. س. كيركغارد
❉ ❉ ❉
◦ كانت الشمس قد أشرقت ببهجة بعد هطول أمطار غزيرة، فبدت الأشجار برّاقة ومبلّلة. وبدافعٍ عفوي ربّما كان محض فيض من الحيوية، قفز الشابّ وأمسك بغصن شجرة، فانهالت عليهما زخّات من قطرات الماء المتلألئة. ضحكا وانطلقا يركضان، بينما راحت الفتاة تنفض الماء عن شعرها وفستانها، وكأنها تشعر بشيء من الضيق. لكنها في الواقع لم تكن كذلك.
كان مشهداً بديعاً أشبه بما نراه في الأساطير. لا أدري لماذا تذكّرت هذا الآن. ربّما لأن المرء في لحظات كهذه يسهل عليه أن يؤمن بأن الماء خُلق في المقام الأوّل من أجل البركة، أما استخدامه في ريّ المزروعات أو غسل الملابس، فليس سوى وظيفة ثانوية. ليتني أوليتُ ذلك اهتماماً أكبر. م. روبنسون
كان مشهداً بديعاً أشبه بما نراه في الأساطير. لا أدري لماذا تذكّرت هذا الآن. ربّما لأن المرء في لحظات كهذه يسهل عليه أن يؤمن بأن الماء خُلق في المقام الأوّل من أجل البركة، أما استخدامه في ريّ المزروعات أو غسل الملابس، فليس سوى وظيفة ثانوية. ليتني أوليتُ ذلك اهتماماً أكبر. م. روبنسون
Credits
archive.org
archive.org

