المشاركات

عرض المشاركات من سبتمبر 20, 2026

نصوص مترجمة

صورة
كان أوّل كتاب اقتنيته في مكتبتي هو "ديكاميرون" لجيوفاني بوكاتشيو. وأتذكّر بشكل غامض أن قصص الكتاب، وبعضها فاحشة، تُروى على خلفية كارثة جماعية. ولم أكن أعلم حينها أن الفتيات السبع والشبّان الثلاثة الذين يتبادلون هذه القصص قد نجوا من الطاعون الأسود ولجأوا إلى فيللا تقع على التلال المطلّة على مدينتهم المنكوبة. وهكذا، بعد عمر طويل، عزمت أخيرا على قراءة بوكاتشيو مرّة ثانية. وكانت مفاجأة! لم يكن كتاب بوكاتشيو تافها أو إباحيّا على الإطلاق، بل قدّم وصفا دقيقا ومفصّلا للوباء الفتّاك؛ الطاعون المميت الذي اجتاح فلورنسا عام 1348. ووصَفَ الكتاب أعراض هذا المرض الوبائي بدقّة متناهية: دمامل في منطقة العانة أو تحت الإبطين، بقع سوداء كبيرة على الذراعين والفخذين وأجزاء أخرى من الجسم. ولم يَغفل الكتاب عن وصف رائحة الجثث الكريهة المنتشرة في أرجاء المدينة. كما رُويت ردود فعل إنسانية مروّعة: مواطنون يشعرون بالاشمئزاز من بعضهم البعض، أخ يتخلّى عن أخيه، وزوجة تهجر زوجها. حتى الأطفال هُجروا وتُركوا في العراء. ولم يكن الناس يفكّرون إلا في النجاة بأنفسهم والفرار من المدينة. لكن كانت هناك...

رجل وكلبه على الشاطئ

صورة
تجسّد كلاب الصيد الذئبية بشكل بليغ صورة روسيا القديمة، فهي أنيقة وجذّابة بشكل لا يقاوَم حتى للثوريين المتشدّدين. ومعروف عن ليون تروتسكي أنه كان محبّا للحيوانات، ولطالما سافر مع رفيقته الكلبة المحبوبة، مايا، التي لم يتخلّ عنها أبدا. وهذه الرواية المكتوبة بإتقان هي في الواقع قصّة ثلاثة رجال أحبّوا الكلاب: الراوي الشاب، والقاتل ذو الدم البارد وتروتسكي نفسه. والقصّة تنتقل من أرض إسبانيا المحترقة في ثلاثينات القرن الماضي، إلى المكسيك، بؤرة الاحتقان السياسي في الأربعينات، إلى موسكو خلال ربيع براغ عام ١٩٦٨، إلى هافانا في السبعينات، وصولا إلى الحاضر القريب، تاركةً القارئ في حالة من النشوة وكأنه عاش ثلاث حيوات كاملة. "الرجل الذي أحبَّ الكلاب"، رواية الكاتب الكوبي ليوناردو بادورا، استغرقت كتابتها ما يقارب ستّ سنوات. وعلى الرغم من ثراء التفاصيل والكثافة التاريخية للرواية، يصرّ بادورا على أنها محض خيال. والروائي يتتبّع رحلة تروتسكي المرهقة من آسيا الوسطى إلى تركيا والنرويج والمكسيك، بينما يتحوّل من رمز قويّ لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى إلى لاجئ كليل الجسد يتنقّل بين بلدا...

نصوص مترجمة

صورة
عندما أُسأل عن مكاني المفضّل في هذا العالم الواسع من بين الأمكنة التي زرتها، لا أتردّد لحظة في القول إنني أفضّل منغوليا، لدرجة أنني قضيت فيها خمسة أشهر، قطعت ألف ميل منها على ظهر حصان. وقد ألّفت كتابا عن رحلتي تُرجم إلى عديد من اللغات، ووقعت في غرام فتاة منغولية لسنوات. وها أنا الآن أعود ثانيةً الى تلك الأرض. من الجوّ، يبدو الفراغ مذهلا. أثناء تحليقي فوق منغوليا قبل الفجر، لم أرَ أيّ أضواء أسفل، بل مناظر طبيعية ممتدّة: نهر متعرّج وسلسلة جبال شاهقة تعبر السهوب وامتداد شاسع من العشب يصل إلى آفاق لا يبلغها النظر. والدليل الوحيد على وجود سكن هنا هو مجموعة من الخيام البيضاء المستديرة، التي تظهر فجأة وبشكل غامض في المراعي، كالفطر الذي ينمو بين عشيّة وضحاها. وفي غضون بضعة أسابيع، تختفي هذه الخيام لتظهر في مكان آخر ولا تترك أثرا سوى دوائر باهتة على العشب، مع انتقال البدو إلى مراعي الشتاء. وبمعنى ما، فإن منغوليا هي آخر مملكة بدوية حقيقية في العالم. فيما بعد، على ضفاف نهر تول، حيث كان زوج من البجع الأبيض يسبحان تحت أشجار الصفصاف، توقّفنا عند خيمة تقليدية، حيث كانت امرأة ذات سا...

خواطر في الأدب والفن

صورة
تتّصف أعمال الأديب الياباني آبي كوبو (1924 - 1993) بطبيعتها المجازية والرمزية وبتناولها مواضيع عالمية وعامّة. كان متأثّرا كثيرا بالكتّاب الأوروبيّين أمثال بيكيت وكافكا. وقصّته الأشهر "امرأة في الرمال" تدور أحداثها في اليابان، لكنها يمكن أن تقع في أيّ مكان آخر. الشخصية الرئيسية في القصّة مولود عام ١٩٢٤، وهو العام الذي ولد فيه آبي نفسه. والبطل جامع فراشات، كما كان آبي. لكن قليلا ما يثبت الفيلم أن المكان هو اليابان أو أن الشخصيات يابانية. الرجل والمرأة يلتقيان في كثبان رملية زاحفة، ويجب عليهما الاستمرار في جَرفها لحماية منزلهما وقريتهما من غمر الرمال. وآبي يمتلك معرفة علمية بخصائص الرمال تجعله هو نفسه شخصية رئيسية في الرواية. يأتي الرجل كغريب الى الصحراء، ويُعتقل ثم يُجبر على جرف الرمل إن أراد أن يأكل. لكنه في النهاية يقبل هذا مرغما، ويتقبّل المرأة التي اقترن بها والمجتمع الذي أسره وربطهما معا. لكن هذا الوضع يبدو مستحيلا، مع أنه حال البشر عموما، فهم يحاولون العيش وسط رمال الحياة المتحرّكة ويكافحون للحفاظ على معيشتهم وإطعام أنفسهم وعائلاتهم. في عام ١٩٦٣، صُنع فيلم را...