نصوص مترجمة


  • عندما أُسأل عن مكاني المفضّل في هذا العالم الواسع من بين الأمكنة التي زرتها، لا أتردّد لحظة في القول إنني أفضّل منغوليا، لدرجة أنني قضيت فيها خمسة أشهر، قطعت ألف ميل منها على ظهر حصان. وقد ألّفت كتابا عن رحلتي تُرجم إلى عديد من اللغات، ووقعت في غرام فتاة منغولية لسنوات. وها أنا الآن أعود ثانيةً الى تلك الأرض.
    من الجوّ، يبدو الفراغ مذهلا. أثناء تحليقي فوق منغوليا قبل الفجر، لم أرَ أيّ أضواء أسفل، بل مناظر طبيعية ممتدّة: نهر متعرّج وسلسلة جبال شاهقة تعبر السهوب وامتداد شاسع من العشب يصل إلى آفاق لا يبلغها النظر.
    والدليل الوحيد على وجود سكن هنا هو مجموعة من الخيام البيضاء المستديرة، التي تظهر فجأة وبشكل غامض في المراعي، كالفطر الذي ينمو بين عشيّة وضحاها. وفي غضون بضعة أسابيع، تختفي هذه الخيام لتظهر في مكان آخر ولا تترك أثرا سوى دوائر باهتة على العشب، مع انتقال البدو إلى مراعي الشتاء. وبمعنى ما، فإن منغوليا هي آخر مملكة بدوية حقيقية في العالم.
    فيما بعد، على ضفاف نهر تول، حيث كان زوج من البجع الأبيض يسبحان تحت أشجار الصفصاف، توقّفنا عند خيمة تقليدية، حيث كانت امرأة ذات ساقين مقوّستين تحلب قطيعا من الخيول البرّية المنغولية. وداخل الخيمة، قدّمت لنا امرأة شابّة كؤوساً من حليب الفرس المخمّر، الذي يعدّ المشروب الرئيسي في منغوليا.
    كان مضيفنا الذي يدفّئ أصابع قدميه بجانب الموقد، يبلغ من العمر تسعين عاما. كان وجهه أشبه ما يكون بخريطة. سألته أن يخبرني عن أفضل سنوات عمره في منغوليا. قال وهو ينظر إليّ بعينين دامعتين: ثلاثينات القرن العشرين". سألته عن السبب فأجاب: كانت تلك سنوات شبابي".
    سافرنا غربا، وعبرنا ممرّا منخفضا إلى سهل واسع، حيث تتراقص أشعّة الشمس والغيوم على الأعشاب المصفرّة. وعلى قمّة تلّ فوق جدول مفضّض، وجدنا مخيّما للشامان. حلّقت الغربان فوق إحدى الخيام. وبداخلها كانت تجلس شامان امرأة في الخمسينات من عمرها.
    للشامانية مكانة راسخة في المخيّلة المنغولية. فحتى مع اعتناق البلاد للبوذية في القرن السادس عشر، وجد الرعاة عزاءً في طقوسها المطمئنة ووعدها بالتواصل مع عالم الأرواح. وفي القرن الحادي والعشرين، ألهمت التغييرات الجذرية التي شهدها العالم الحديث في مجتمع تقليدي كهذا إحياءً للشامانية. كان يوم المرأة حافلا، لكنها وافقت على تخصيص وقت لأداء "استدعاء الأرواح" من أجلي.
    سرنا بعد ذلك لعدّة أميال بمحاذاة نهر ينساب عبر سهل يفيض بالحصى، ثم صعدنا فوق تلال منخفضة ونظرنا إلى وادٍ واسع مغطّى بالعشب الأصفر. أوقفنا السيّارة وترجّلنا منها. وفي وسط الوادي كانت هناك خيمة واحدة بها مدخنة. وفي الطرف الآخر كانت هناك خمس خيام أخرى.
    هنا كانت إقامتنا في الأيّام التالية. شعرت بعزلة رائعة، مكان بعيد عن تعقيدات العالم وصراعاتنا التافهة. وعلى سفح تلّ بعيد، لمحت تمثالا صغيرا لفارس. حتى من هذه المسافة الشاسعة، بإمكانك سماع حفيف خافت لحوافر خيل.
    في الصباح، ذهبنا لزيارة جيراننا، أي السكّان الآخرين الوحيدين في المنطقة، الذين يعيشون في خيمة واحدة في وسط الوادي، على بعد ربع ميل. كان هناك حصانان مربوطان في الخارج. وعلى مجثمين قريبين من الخيمة، كان يجلس نسران ذهبيان مهيبان.
    يعدّ غرب منغوليا موطنا للكازاخ، وهم أقليّة مسلمة ولهم تاريخ طويل في الصيد بالنسور. ويقول الكازاخ إن النسر فرد من العائلة. وعندما يبلغ عمر الطيور ستّ سنوات أو سبع، يطلقها مربّوها في البرّية.
    في هذه المنطقة، لا يمكن التنبّؤ بالطقس. في إحدى الليالي، حلّ الشتاء. استيقظت على صوت الرياح وهي تعبث في حبال الخيمة، بينما سمعنا عواء ذئاب من التلال التي خلفنا. وفي الصباح، كانت أكوام الثلج متراكمة حول الخيام تحت سماء رمادية داكنة. تناولنا فطورا وقهوة، ثم انطلقنا على ظهور الخيل، متّجهين جنوبا نحو عالم أبيض جديد.
    وعلى صهوة جوادي، تذكّرت بهجة رحلتي السابقة وكيف جرّدتني من كلّ قيود الذات؛ من الطموحات والمخاوف والرغبات وكلّ الهموم المزعجة. في عزلة منغوليا الشاسعة، شعرت بالحرّية. أحسست بتضاريس الوادي المنحدر وسقوط الضوء على بحيرة بعيدة وإحساس الحركة وحركات الخيول. الآن، مرّة أخرى، اختُزلت الحياة إلى هذه المباهج البسيطة، وإلى ذلك الشعور النادر: أن هذا يكفي وأنني لا أحتاج لشيء آخر.
    في المساء، دُعينا لتناول العشاء عند صديق منغولي. وجلسنا في دفء خيمته التي كانت تفوح بروائح منغوليا المميّزة: رائحة الزبدة ولحم الضأن ونيران الروث والخيول. كانت السروج مكدّسة عند الباب واللُجُم معلّقة على العوارض الخشبية.
    ذُبحت شاة وتُركت تغلي في قدر على الموقد. أكلنا بأيدينا. كان رأس الخروف يحدّق فيّ بنظرة شرّيرة. وبصفتي ضيف الشرف، طُلب منّي أن أقطع بعض أجزاء الذبيحة وأقدّمها للضيوف الآخرين.
    بعد العشاء، قُدّمتْ "فودكا جنكيز خان"، ثم استمعنا الى عزف على آلة التوفشور، وهي عود منغولي ذو وترين. ملأتْ أصوات الرجال والنساء الخيمة بأغان آسرة واحدة تلو الأخرى. كانت أجمل المغنّيات زوجة صيّاد النسور. جلستْ على كرسيّ منخفض، تنظر إلى يديها المطويّتين في حجرها، وهي تروي حكايات عن الطيور التي تحلّق في السماء مع نهايات الصيف.
    وبعد الأغاني والتمنّيات والضحكات والخطب والأطباق الشهيّة، غادرت. سكنت الرياح، وفي ضوء القمر، امتدّت منغوليا نحو آفاقها اللامتناهية، متوّجةً الآن بتساقط الثلوج. وفي الأفق، تراءت لنا سلسلة جبال وعرة، شامخةً في مواجهة النجوم.
    لم تكن هناك أضواء ظاهرة في أيّ مكان. وعند الغسق، بدت المساحة الشاسعة من المشهد خالية، كما لو كانت حديثة التكوين، وكما لو أننا أوّل من وصل إليها، وكما لو أنها لا تنتمي لأحد. في هذا الفراغ الهائل المذهل، تلاشت كلّ أعباء الحياة. كانت هذه هي منغوليا التي كنت أبحث عنها. س. ستيوارت
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • قبل سنوات، انقسمت الأمّة الأسترالية بين احتفالات الإنغليز وحزن السكّان الأصليين على ما يُسمّى باكتشاف جيمس كوك لأستراليا. برفعه العلم البريطاني على مضيق توريس، أطلق كوك العنان لعواقب وخيمة على السكّان الأصليين في القارّة الأسترالية. وبصفتي مؤرّخا من أهل البلاد، لا يسعني إلا أن أُدرك، في أعقاب هذا الحدث، الأثر المروّع والدمار الثقافي الذي انتشر في جميع أنحاء القارّة في العقود اللاحقة.
    في ذروة هذه الكارثة، كان السكّان الأصليون على وشك الإبادة شبه الكاملة بسبب الأمراض والحروب والسياسات القاسية. أُدرك أنه من غير الواقعي تماما الاعتقاد بأننا كنا سنبقى بمنأى عن الغزو الخارجي وآثاره حتى لو لم تطأ قدما جيمس كوك أرضنا عام 1770.
    إنني معجب بجيمس كوك كملّاح ماهر وقائد ملهم. لقد غرست نشأة كوك في الطبقة العاملة قدرة على رؤية العالم من منظور مختلف، وكان له دور أساسي في تعزيز الولاء لدى الطواقم التي أبحرت تحت قيادته. في عام ٢٠١٤، صعدتُ على متن نسخة طبق الأصل من سفينة إنديفور في المتحف البحري الوطني الأسترالي في دارلينغ هاربور. وأذهلني الإنجاز العظيم المتمثّل في الإبحار بمركب صغير كهذا لمسافة شاسعة وعبر بحار عاتية.
    لكن ماذا عن رحلته إلى خليج بوتاني وأوامره المتعلّقة بالسكّان الأصليين؟ كان كوك قد تلقى تعليمات سرّية من وزارة البحرية البريطانية. وبناءً على ذلك، صدرت له أوامر من التاج نفسه، الذي نصحه بأنه في حال عثوره على القارّة، عليه أن يرسم خرائط سواحلها، ويجمع معلومات عن سكّانها، ويعزّز علاقات الصداقة والتحالف معهم، ويستولي على أيّ مراكز تجارية مناسبة باسم الملك.
    لكن من الواضح أن كوك لم يفتح أيّ حوار أو نقاش جاد، ولم يحصل على أيّ موافقة على ادعائه ملكية ساحل القارّة الشرقي بأكمله. وبذلك، يكون قد انتهك أوامر التاج بشكل مباشر. في الواقع، تشير الأدلة المستخرجة من سجلّاته الخاصّة بوضوح إلى عكس ذلك. فكما دوّن كوك في يومياته: كلّ ما بدا أن السكّان الأصليين يريدونه هو رحيلنا".
    الذكرى المريرة لجيمس كوك، وما يمثّله، لا تزال محفورة بعمق في نسيج العديد من مجتمعات السكّان الأصليين على الساحل الشرقي لأستراليا. وما يزال كوك على رأس قائمة الشخصيات التاريخية المخيفة. وقد ألحق الرجل الخراب بالسكّان الأصليين في جميع أنحاء القارّة على مدى الـ 250 عاما الماضية.
    ومع تغيّر طرق تذكّر هبوط كوك عبر الزمن، أصبح أكثر بكثير من مجرّد تجسيد للحداثة والغزو والتهجير، بل أصبح أيضا وعدا بالسلام والمصالحة! زرع البذور ورحل. ادّعى امتلاك الأرض دون رضا السكّان الأصليين، ولكنه جلب معه أيضا القانون الذي سيعترف بحقوقهم الأصلية بعد أكثر من قرنين.
    كان في آن واحد عامل الدمار وعامل الخلاص. رجل أصبح قصّةً مفتوحة النهاية، تجذبنا إليها باستمرار، رغم علمنا أن القصّة الكاملة ستظلّ عصيّةً على الفهم. قد يُمجَّد كوك ويُشوَّه ويُذمّ، لكن لا يمكن محوه من الذاكرة التاريخية الأسترالية. سنبقى نقف معه على الشاطئ إلى الأبد. ج. مينارد

  • Credits
    archive.org

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    أبو بكر سالم: صورة الفنّان

    الأزرق: تاريخ لون

    لقاء بين امرأة وطائر 1 من 2