:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الأربعاء، فبراير 28، 2024

أدب السهوب


في اتّساع السهوب، حيث تهمس الرياح بالألحان القديمة، تتجوّل روح البدو في آسيا الوسطى بحرّية.
*عبد الله قهور، أديب أوزبكي

تُعتبر الطبيعة من المواضيع المتكرّرة في أدب وشعر آسيا الوسطى، وهي فكرة تعكس العلاقة العميقة بين طبيعة المنطقة ومشاعر شعوبها.
وآسيا الوسطى بلاد متنوّعة التضاريس. فهي موطن لسلاسل الجبال المهيبة مثل تيان شان والبامير وألاي. وغالبا ما يصوّر الأدب هناك الجبال كمصدر للإلهام الروحي وتذكير بعدم ثبات الحياة. ويثير الجمال الوعر للجبال شعوراً بالحنين والصفاء والشوق.
وتتمتّع آسيا الوسطى بتاريخ بدويّ غني، وكثيرا ما تصوّر الأعمال الأدبية نمط الحياة البدويّ بحبّ وحنين. ويثير اتساع الطبيعة والاعتماد على إيقاعاتها إحساسا بالبساطة والحريّة والشوق إلى عصر مضى.
وكتّاب آسيا الوسطى يستكشفون في أعمالهم الفصول المتغيّرة وطبيعة الحياة العابرة. ويحتفلون بجمال أزهار الربيع ودفء الصيف وكآبة الخريف وقسوة الشتاء. وتعمل هذه الدورات الموسمية بمثابة استعارات لمرور الوقت وعدم ثبات الوجود الإنساني.
كما يتعمّق أدب تلك البلاد في التأمّل الروحي المستوحى من التصوّف الإسلامي والمعتقدات التقليدية. ويستكشف الشعراء والكتّاب الرحلة الداخلية ويسعون إلى التنوير الروحي ويجدون العزاء في جمال الطبيعة وفي قوّتها المتسامية.
لكن أكثر ما يميّز أدب آسيا الوسطى عموما هو الحضور القويّ لفكرة السهوب بمراعيها الواسعة وآفاقها التي لا نهاية لها، فتُصوّر على أنها رمز للحريّة والجمال. والكتّاب يعبّرون عن ارتباطهم العميق بالسهوب وإحساس الرهبة الذي تلهمه، مستحضرين ضخامتها واتساعها وجمال أراضيها العشبية الشاسعة وأهميّتها من الناحية الثقافية.
وغالبا ما تُصوّر السهوب على أنها رمز للحريّة والفضاء المفتوح. كما تثير إحساسا بالتحرّر والهروب من قيود الحياة المستقرّة. ويصوّر الكتّاب السهوب كمكان يمكن للمرء أن يتجوّل فيه بحريّة وينغمس في بساطة الطبيعة دون أن تثقل كاهله الأعراف المجتمعية أو نحوها من القيود.
وكثيرا ما يؤكّد أدب آسيا الوسطى على الارتباط العميق بين البدو والعالم الطبيعي في السهوب. ويصف الكتّاب التعايش المتناغم بين البشر والحيوانات والبيئة، وتصبح السهوب مصدرا للإلهام بالإضافة الى أنها توفّر العزاء وتنمّي رابطا روحيّة عميقة.
وترتبط السهوب ارتباطا وثيقا بأسلوب الحياة البدويّ لقبائل آسيا الوسطى وتقاليدهم. ويجسّد الأدب حياة البدو كعلاقة تكافلية مع السهوب، حيث يتحرّك الناس مع قطعانهم متتبّعين إيقاع الطبيعة. كما يستكشف التحدّيات والأفراح والأحزان ومرونة الوجود البدويّ.
وغالبا ما يستخدم كتاب آسيا الوسطى صورا حيّة لالتقاط عظمة السهوب وجمالها المذهل، فيصفون الآفاق الشاسعة والمراعي التي لا نهاية لها والبحيرات المتلألئة والسموات المثيرة. والسهوب تستدعي إحساسا بالجلال وتملأ شخصيّات الروايات والقرّاء بالدهشة والتبجيل.
كما أن السهوب تذكّر بالطبيعة الموقّتة للحياة وعدم ثبات الوجود البشري، كما تعكسه مناظرها الطبيعية المتغيّرة باستمرار والتحوّلات الموسمية ودورات الولادة والموت. وغالبا ما يستخدم الكتّاب السهوب كخلفية للتأمّل في قصر الحياة ومرور الوقت وأهميّة احتضان اللحظة الحالية.
وتلعب منطقة السهوب دوراً محورياً في تشكيل الهويّة الثقافية لمجتمعات آسيا الوسطى. ويعكس الأدب التقاليد والعادات والقيم العميقة الجذور المرتبطة بالسهوب. ويستكشف أهميّة الحفاظ على التراث الثقافي والتحديّات التي تواجهها المجتمعات البدوية في عالم سريع التغيرّ.
لقد ألهمت السهوب عددا لا يُحصى من الشعراء والكتّاب والفنّانين عبر التاريخ، لأن اتساعها وصفاءها يحفّزان الإبداع والتأمّل. وكثيرا ما يحتفل الأدب في آسيا الوسطى بالسهوب باعتبارها منبعا للإلهام، حيث تتدفّق الأفكار وتجد الروح الإنسانية فيها العزاء والتجديد.
ومن خلال تناول موضوع السهوب، يمسك أدب آسيا الوسطى بجوهر التراث البدوي في المنطقة وارتباطه الوثيق بالطبيعة والتأثير العميق للسهوب على حياة ومخيّلة شعوبها.
وهناك الكثير من الاعمال في أدب آسيا الوسطى التي تستكشف موضوع السهوب وتقدّم نظرة معمّقة لتراث تلك المنطقة وجمال أراضيها العشبية. ومن أشهر تلك الاعمال:


  • رواية "اليوم بأكثر من مائة عام The Day Lasts More Than a Hundred Years" للكاتب القرغيزي جنغيز آيتماتوف. وتتناول هذه الرواية قصّة شيخ كازاخي وتجاربه في السهوب، مع عناصر من الواقعية السحرية. ويعكس الكاتب في روايته الهويّة الثقافية لآسيا الوسطى والعلاقة التكافلية بين السهوب وشعوبها.
  • رواية "السهوب الصامتة"The Silent Steppe للكاتب الكازاخي محمد شيخمتوف. وتصّور هذه الرواية حياة عائلة كازاخية في السهوب خلال الحقبة السوفيتية. وتقدّم صورة حيّة لأسلوب الحياة البدوي والتحدّيات التي تواجهها الشخصيات وحبّها العميق للسهوب.
  • رواية "الأيّام الخوالي "Days Gone By للكاتب الاوزبكي عبد الله قادري. وتتعمّق هذه الرواية في تاريخ وثقافة آسيا الوسطى، بما في ذلك السهوب. وبينما تركّز الرواية أساسا على الحياة المستقرّة في مدينة بخارى، فإنها تتطرّق أيضا إلى التقاليد البدوية وتأثير السهوب على هويّة المنطقة.
  • رواية مائة عام في السهوب A Hundred Years on the Steppe للكاتب الكازاخي بايانجالي عليمجانوف. وتقدّم هذه الرواية رؤية بانورامية لآسيا الوسطى، بما في ذلك السهوب. كما تصوّر التراث البدوي للمنطقة والترابط بين سكّانها ومناظرها الطبيعية ودور السهوب في تشكيل حياة الناس وهويّتهم الثقافية.
  • رواية أرض الآباء The Land of the Fathers للكاتب القرغيزي تولوموش أوكييف. وتستكشف التقاليد البدوية لشعب قيرغيزستان، بما في ذلك ارتباطهم بالسهوب، من خلال قصّة شابّ ينطلق في رحلة عبر سهوب قيرغيزستان متأمّلا جذوره وثقافته والأهميّة الروحيّة للأرض.
  • رواية البحيرة الميّتة The Dead Lake للكاتب الكازاخي ثابت ماداليف. وتستكشف الرواية مناظر السهوب وتأثيرها على حياة الشخصيات من خلال تتبّع قصّة شاب يعمل في بحيرة مالحة ومقفرة في السهوب. وتسلّط الرواية الضوء على العزلة والمصاعب والجمال الصارخ للبيئة.
  • مجموعة قصص لحن السهوب The Steppe's Melody للكاتب الطاجيكي سوينشو قابيل. وهي عبارة عن قصص قصيرة تتناول حياة الشعب الطاجيكي الذي يعيش في السهوب. وتعكس القصص جمال السهوب وتحديّاتها وثرائها الثقافي بالإضافة الى مواضيع مثل الهويّة والتقاليد والارتباط الإنسانيّ بالطبيعة.
  • رواية السفينة البيضاء The White Ship للكاتب الآذاري جنكيز عبد اللاييف. وتأخذ هذه الرواية القرّاء في رحلة عبر سهوب آسيا الوسطى وتستكشف التقاليد البدوية والصراع بين أساليب الحياة القديمة والجديدة. كما تتناول مواضيع أخرى كالحفاظ على الثقافة ونموّ الفرد والرابطة بين البشر والطبيعة.
  • رواية الدليل الأزرق The Blue Guide للكاتب الكازاخي توركول أيتماتوف. وتدور أحداث هذه الرواية في السهوب الكازاخستانية، وتحكي قصّة شابّ ينطلق في رحلة للبحث عن جذوره واكتشاف هويّته الثقافية. والكاتب يستكشف العلاقة بين بطل الرواية والسهوب مركّزا على القوّة التحويلية للطبيعة وأهميّة الحفاظ على التراث الثقافي.
  • رواية جميلة Jamila للكاتب القرغيزي جنغيز آيتماتوف. وتدور أحداث هذه الرواية خلال الحرب العالمية الثانية وتحكي قصّة امرأة كازاخية شابّة تُدعى جميلة وعلاقتها الغرامية مع جنديّ جريح. والسهوب تُستخدم كخلفية لهذه العلاقة، مع تركيز على مرونة وشجاعة الشخصيات وسط حقائق الحرب القاسية.
  • رواية البدو The Nomads للكاتب الآذاري قربان سعيد. وتتبع الرواية حياة عائلة قيرغيزية تعيش في السهوب، وتلتقط جمال وتحدّيات وجودهم البسيط. كما تصوّر العلاقة العميقة بين الشخصيات ومحيطها الطبيعي وتقدّم لمحة عن تقاليد وعادات المنطقة.

  • Credits
    voicesoncentralasia.org

    السبت، فبراير 24، 2024

    محطّات


  • يُحكى ان شخصا أهدى نسرين صغيرين إلى أحد الملوك القدماء. كانت سلالة النسرين نادرة، ولم يسبق للملك أن رأى من قبل نسورا بمثل روعتهما. وكان الملك سعيدا جدّا بالهديّة، وقرّر تعيين أحد ذوي الخبرة لرعاية النسرين وتدريبهما. وبعد مرور بعض الوقت، رأى الملك أنهما كبرا وأصبحا أكثر جمالا. وقال للرجل الموكل برعايتهما انه يريد رؤيتهما وهما يطيران.
    حاول المدرّب ان يؤشّر للنسرين بأن يطيرا في السماء تنفيذا لأمر الملك. وبدأ كلاهما يرفرفان بجناحيهما بمجرّد أن رأيا الإشارة. ولكن بينما كان أحدهما يرقى بثقة نحو السماء، طار الآخر لبضع ثوان ثم عاد إلى فرع الشجرة الذي كان يجلس عليه قبل أن يطير.
    بعد أن رأى الملك هذا شعر بأن هناك شيئا غريبا، وأصبح لديه فضول لمعرفة سبب السلوك المتناقض للنسرين. وسأل المدرّب عن السرّ في أنه بينما يطير نسر واحد بشكل جيّد فإن الآخر يبدو متردّدا في طيرانه. فأجاب: كانت هناك مشكلة منذ البداية مع النسر المتردّد، اذ يبدو غير راغب في ترك ذلك الغصن.
    بالنسبة للملك فإن كلا النسرين كانا رائعين. وكان يريد بشدّة أن يرى النسر الآخر يحلّق هو الآخر عاليا في السماء.
    وفي اليوم التالي أعلن الملك في جميع أنحاء البلاد أن الشخص الذي يتمكّن من جعل النسر الآخر يطير عاليا سيكافأ بجائزة كبيرة. وبعد الإعلان أتت اعداد كبيرة من أهل العلم والخبرة وحاولوا توظيف معارفهم لجعل النسر يطير. لكن لم ينجح أحد في تلك المهمّة. وحتى بعد مرور بضعة أسابيع لم يكن هناك تحسّن في وضع النسر. كان يطير لمسافة قصيرة وبعد ذلك يعود إلى فرع الشجرة.
    فقد الملك الأمل في تغيير سلوك النسر وكاد أن ييأس. ثم في أحد الأيام حدث شيء غريب. فقد رأى الملك ان كلا النسرين أصبحا يحلّقان معا عاليا في السماء. ولم يصدّق عينيه، فاتصل على الفور بمدرّبهما ليسأله عن الأمر. فأبلغ الملك بان النسر تخلّى عن تردّده وأصبح يطير بسهولة مع رفيقه.
    وأضاف: لقد نجح شخص واحد في جعل النسر الثاني يطير". فطلب منه الملك إحضار ذلك الشخص الذي حقّق هذا الإنجاز العظيم. وفي اليوم التالي حضر الرجل أمام الملك الذي كان ينتظره بفارغ الصبر ومعه الجائزة الموعودة.
    وخلال الحديث عرف الملك ان الرجل مزارع بسيط. ثم أهداه صندوقا من الذهب مكافأة له على ما فعل. وقال له: انا سعيد كثيرا بما حقّقته، فقط أخبرني ماذا فعلت بالتحديد وكيف فعلت ما عجز عنه كبار العلماء والخبراء؟
    فقال الفلاح: يا مولاي أنا مجرّد مزارع بسيط وليس لديّ معرفة ولا خبرة العلماء. أنا فقط قطعت فرع الشجرة الذي اعتاد النسر الجلوس عليه! وبما أنه لم يعد هناك فرع، لم يكن لدى النسر خيار آخر سوى أن يطير. وقد فعلت هذا بشكل جيّد للغاية".
    النسران في هذه الحكاية تمثّلنا نحن البشر. فكلّ واحد منّا لديه إمكانيات لا يعرفها، مثل ذلك الطائر المهيب. لكن في بعض الأحيان نكون مثل النسر المتعلّق دوما بفرع شجرة مريح.
    المزارع البسيط الذي جعل النسر يطير عاليا يمثّل قوّة التغيير والخروج من منطقة الراحة. وهو لم يكن يملك علما ولا معرفة او خبرة ولا أدوات. وكلّ ما فعله هو قطع ذلك الغصن أو الفرع.
    في حياتنا يمكن أن يرمز الغصن الى مناطق الراحة لدينا، أي تلك الأماكن المألوفة والآمنة التي نميل إلى البقاء فيها وعدم تركها لأننا اعتدناها. لكن النموّ الحقيقي يشبه تحليق النسر في الأعالي، وهو ما يحدث عندما نجرؤ على المغامرة الى ابعد ممّا هو مريح.
    لذا فإن الدرس هنا واضح. فإذا كنت ترغب في الوصول إلى ذرى جديدة، فقد تحتاج إلى قطع بعض الفروع في حياتك. قد تكون هذه الفروع عاداتك القديمة أو شكّك في امكانياتك أو حتى الخوف. والأمر كلّه يتعلّق باتخاذ تلك الخطوة الجريئة مثلما فعل الفلاح، أي إزالة كلّ ما يعيق تحرّكك للأمام.
    فقط تذكّر عندما تترك الفروع التي تقيّدك، فإن السماء ستنفتح امامك بإمكانيات لا نهاية لها وستحقّق أشياء عظيمة مثل ذلك النسر الذي حلّق بشكل رائع في السماء. وهو تذكير بأنه في بعض الأحيان فإن أبسط الاعمال يمكن أن تؤدّي إلى تحوّلات كبيرة ولا تخطر على البال.


  • كان دوستويفسكي معروفا في المقام الأوّل برواياته وأعماله الفلسفية، وليس بنقاشاته للأعمال الفنيّة. ومع ذلك فقد ذكر بعض اللوحات في كتاباته. وتوفّر أوصافه لتلك اللوحات نظرة معمّقة عن أسلوبه الأدبيّ وطبيعة المواضيع التي تناولها.
    ومن المهم أن نلاحظ أن مناقشات دوستويفسكي للوحات غالبا ما تكون جزءا لا يتجزّأ من سياقات سردية أوسع، وهو يذكرها كعناصر رمزية أو موضوعية وليست دراسات نقدية في الفن. ومع ذلك، فإن هذه الاشارات تثبت اهتمامه باستخدام الفنّ البصري لاستكشاف موضوعات نفسية وأخلاقية معقّدة في أعماله الأدبية ولتعميق مواضيع الإيمان والأخلاق والظرف الإنساني.
    طبعا كان دوستويفسكي مسيحيّا متديّنا كما هو معروف، لذا من الطبيعيّ ان تكون اللوحات التي ذكرها في كتاباته ذات طبيعة دينية. ولو عاش حتى مطلع القرن العشرين ورأى اعمال الفنّ الحديث لربّما أدرج بعضها في أعماله.
    وفيما يلي بعض الأمثلة للّوحات التي وظّفها دوستويفسكي في رواياته:
    *مقتل مارات لجاك لوي ديفيد: في رواية "الأبله"، يزور بطل الرواية الأمير ميشكين معرضا فنيّا ويرى فيه هذه اللوحة الشهيرة. ودوستويفسكي يستخدم اللوحة لتوضيح عاطفة ميشكين العميقة وتعاطفه مع معاناة الإنسان.
    *قيامة ليعازر لرمبرانت: في رواية "الأبله" يصف دوستويفسكي لوحة تصوّر الشخصية الدينية "ليعازر أو لازاروس" وهو يقوم من بين الأموات. في الرواية تناقَش اللوحة خلال اجتماع في منزل إيبانتشين وتثير جدلاً فلسفيا ولاهوتيا بين الشخصيات.
    *العائلة المقدّسة لرافائيل: في "الأبله" يشير دوستويفسكي إلى هذه اللوحة خلال محادثة بين شخصية ناستاسيا فيليبوفنا والأمير ميشكين. وتصبح اللوحة نقطة محورية لنقاشهما حول الجمال والفنّ وطبيعة الخير والشرّ.
    *الحكم الأخير لهانز ميملينغ: يذكر دوستويفسكي هذه اللوحة في روايته "الإخوة كارامازوف". ويتحدّث عن اللوحة كاستعارة للمعضلات الأخلاقية والوجودية التي تواجهها شخصيات الرواية ولتعكس مواضيع مثل الذنب والفداء والحكم الإلهي.
    *الناسك لميخائيل نيستيروف: على الرغم من أن هذه اللوحة لم تُذكر بالاسم، إلا أن دوستويفسكي يشير في روايته "الإخوة كارامازوف" إلى لوحة تحمل نفس سماتها. وتصوّر اللوحة شخصية حكيمة ونبيلة تمثّل ناسكا أو مرشدا روحيّا يتحوّل الى رمز للبصيرة الأخلاقية وموجّه للشخصيات.
    *حلم القدّيس يوحنّا لهانز ميملينغ: في " الإخوة كارامازوف"، يشير فيودور كارامازوف إلى هذه اللوحة وهو في حالة سكر ويناقش معتقداته المشوّهة وفهمه المنحرف للدين.
    *شفاء المشلول لجان بابتيست غروز: يشير دوستويفسكي إلى هذه اللوحة في مشهد يتحدّث فيه إيفان كارامازوف مع شقيقه أليوشا، واصفا اللوحة بأنها صورة للرحمة الإنسانية واللطف ويقارنها بالواقع القاسي للعالم.
    *النزول من على الصليب لروهير فان دير وايدن: يشير دوستويفسكي بإيجاز إلى هذه اللوحة في روايته "الجريمة والعقاب". حيث يتأمّل بطل الرواية راسكولنيكوف اللوحة أثناء زيارته لحانة. وتصويرها لمعاناة المسيح وتضحيته يتردّد صداه مع ذنبه وبحثه عن الفداء.
    *مادونا سيستينا لرافائيل: يرد ذكر هذه اللوحة الشهيرة في رواية "المراهق". بطل الرواية أركادي دولغوروكي يزور معرضا فنيّا ويرى اللوحة هناك. المشهد يعكس التأثير العاطفي للعمل الفنّي على أركادي ويجسّد مثاليّته الشبابية وشوقه للجمال.
    *مادونا ديل ساكو لأندريا ديل سارتو: في رواية "الإخوة كارامازوف"، يتحدّث إيفان كارامازوف عن هذه اللوحة خلال محادثة مع شقيقه أليوشا، فيصفها بأنها تصوير لمعاناة ويأس الإنسانية وللثيوديسيا "أو العدالة الإلهية".
    *العشاء الأخير لليوناردو دافنشي: على الرغم من عدم ذكر اللوحة بالاسم، إلا أن هناك إشارات إليها في "الإخوة كارامازوف". والرواية تتضمّن مناقشات وتأمّلات حول واقعة العشاء الأخير باعتبارها تمثيلاً رمزيّا للخيانة والشعور بالذنب والفداء.
    تلك مجرّد أمثلة عن اللوحات التي أشار اليها دوستويفسكي في رواياته واستخدمها لاستكشاف بعض الموضوعات الفلسفية والأخلاقية والروحية ولإضفاء عمق ورمزية إلى أعماله الأدبية.
    وغالبا ما كان الكاتب يستخدم اللوحات الفنّية كرموز أو تمثيلات مجازية لمفاهيم مجردّة. ومن خلال الإشارة إلى أعمال فنّية محدّدة، فإنه يضفي عليها معنى أعمق ويدعو القرّاء إلى تفسير رمزيّتها لاستكشاف تعقيدات الإيمان والأخلاق والتجربة الإنسانية.
    واللوحات تعمل أيضا كمحفّز للنقاشات الأخلاقية والفلسفية بين شخصيات الكاتب. إذ تنخرط الشخصيات في مناقشات وأحاديث حول معنى الأعمال الفنّية وآثارها، وتُستخدم كنقطة انطلاق لاستكشاف أسئلة عميقة حول طبيعة الخير والشرّ ووجود الله.
    وأوصاف دوستويفسكي للصور الفنيّة تثير استجابات عاطفية ونفسية قويّة لدى شخصيّاته وقرّائه على حدٍّ سواء. ويؤدّي تأمّل الأعمال الفنّية إلى تحفيز التأمّل الذاتي ولحظات التجلّي لدى الشخصيّات، ما يسمح لهم بمواجهة صراعاتهم الداخلية وشكوكهم ورغباتهم.

  • Credits
    dostoevsky.org

    الجمعة، فبراير 16، 2024

    محطّات


  • يعتقد معظم الناس أن الشيخوخة أمر لا مفرّ منه، وبالتالي يخافونها قبل قدومها بوقت طويل. فقط القليلون مقتنعون بأن الشيخوخة هديّة من السماء ونعمة كبيرة لا تُقدّر بثمن.
    ذات مرّة سُئل حكيم: ما الشباب وما الشيخوخة؟ فقال: الشباب برعم رقيق ضعيف يتأرجح عند هبوب أدنى رياح، وقد لا ينجو من العواصف، لكنهّ يقوى تدريجيا، وعندما ينضج قد يصبح برعما كبيرا أو صغيرا، طريّا أو ذابلا، كثيفا أو مترهّلا. لكنه لا يمكن أن يتفتّح إلا عندما يكبر.
    وشيخوخة بعض البشر تشبه زهرة باهتة ينساها الجميع، في حين أن شيخوخة آخرين تشبه زهرة ذات رائحة كريهة، لذا يهرب منهم الناس ولا يرغبون في ان يكونوا بالقرب منهم. ولكن هناك شيخوخة أخرى تشبه زهرة جميلة وعطرة ينجذب اليها الناس لأنها محبوبة ومعتنى بها جيّدا.
    في الشباب لا يجب ان يخشى الانسان من الشيخوخة. ولكن عليه القيام بكلّ شيء ممكن، حتى إذا أتى وقتها أزهرت في الروح زهرة جميلة يُعجب برائحتها الزكيّة كلّ من يقترب من صاحبها لأن عطرها هو الهدوء والحكمة.
    يُحكى في سالف الزمان أن مرضا رهيبا انتشر في قرية بعيدة وأخذ يعيث فسادا وفتكا بأهلها. وكانت هناك امرأة عجوز تُكثر من زيارة البيوت بيتا تلو آخر. واقتربت من بيت رجل مسنّ وحيد كان يعيش بمفرده لسنوات طوال. وكان لا يتّصل بأيّ شخص. ولما رأى الرجل المسنّ المرأة العجوز فجأة عند بابه، عرف فيها صورة الموت وأنها أتت اليه لقبض روحه.
    فقال لها: هناك غيري ممّن سيرحّبون بك، فاذهبي إليهم. فقالت له: لقد اتيت اليك أنت بالذات لأنك عشت حياة فارغة لا معنى لها وفشلت في انتهاز فرصتك في السعادة. وكلّ انسان تأتيه هذه الفرصة، ولكن مرّة واحدة فقط. وأنت لم تتمكّن من الحفاظ على عائلتك ولم تكن مفيدا لأيّ شخص ولم تعش، بل سعيت وراء أفكار وهمية تلاشت مثل سحائب الصيف. وفي هذه المطاردة التي لا معنى لها، فشلت في التعرّف على القيمة الحقيقية للحياة وأضعت وقتا ثمينا.
    فسالها المسنّ: هل من طريقة أخرى؟ فقالت له: ليس هناك سوى الموت الذي ينتظرك. لقد كنت للتوّ في منزل جارك، وعمره نفس عمرك ولكنّي لم آخذه. كان سعيدا برؤيتي وقال انه غير خائف من الموت، لأنه فعل كلّ ما يستطيع في هذه الحياة. كان يعمل من أجل خير الناس. بنى منزلا لعائلته وزرع حديقة لأحفاده. وعندما كان صغيرا ونشيطا أعطى أكثر ممّا أخذ. والآن أصبح متعبا من صخب الحياة وضجيجها ومستعدّا للراحة الأبدية.
    قال لها: فلماذا لم تأخذيه إذن؟
    قالت: لأن عائلته طلبت منه ألا يموت. لقد كانوا صادقين في طلبهم. لذا أعطيته المزيد من الوقت ليكون بجانبهم. وأضافت: ربّما لا تكون الشيخوخة هي ما ينبغي أن تخاف منه، بل الفراغ الذي زرعته من حولك".
    ما الذي يجب الخوف منه في الشيخوخة؟ شيء واحد فقط، هو ادراكك أنك عشت حياتك عبثا للحدّ الذي اضعت فيه فرصتك لتكون سعيدا.

  • ذهب كاتب إلى بيت حكيم ليؤلّف كتابا عن حياته.
    وقد سأله أوّلا: يقول الناس أنك عبقري. فهل أنت كذلك؟
    ردّ الحكيم بابتسامة خفيفة: يمكنك أن تقول ذلك".
    فقال الكاتب: لكن ما الذي يجعل المرء عبقريّا؟
    قال الحكيم: القدرة على أن يرى.
    فكّر الكاتب في الكلمات الغامضة للحكيم وسأله وهو مندهش: يرى ماذا؟
    أجاب الحكيم بهدوء: يرى الفراشة في يرقة، والنسر في بيضة، والقدّيس في شخص أنانيّ، والحياة في الموت، والوحدة في الانفصال، والإلهي في الإنساني والإنساني في الإلهي.


  • التدوين العلاجي أو التنفيس عن المشاعر بالكتابة (Expressive writing/Healing writing) ثبت أنه مفيد لصحّتنا من نواح متعدّدة. والفكرة هي أنه عند وقوع أحداث مزعجة أو صادمة في حياتنا، فغالبا ما لا نستطيع علاج ما حدث بشكل كامل، فيصبح الحدث والمشاعر المحيطة به عالقة في ذاكرتنا لوقت قد يطول وقد يقصر.
    والفعل البسيط المتمثّل في التعبير كتابةَ عن الأفكار والمشاعر المتعلّقة بالأحداث الصعبة والمزعجة يمكن أن يؤثر علينا إيجابا وذلك من خلال الاعتراف بالمشاعر وقبولها والتعبير عنها ثم التخلّي عنها او تجاوزها.
    والتعبير عن المشاعر بالكتابة يمكن ان يوفّر فرصة لبناء سرد شخصي حول ما حدث. كما انه يمكّننا من وضع تجربتنا في سياق مكاننا الأوسع في العالم. كما تساعد الكتابة التعبيرية على إنشاء روابط عن أسباب ونتائج أحداث الحياة وتزيد من قدرتنا على التأمّل الذاتي والوعي والمرونة. كما أن تحويل المشاعر والأفكار الى كلمات من شأنه أن يوسّع نطاق اهتمامنا ويقدح زناد البحث عن الحلول ويتيح للعقل أن يكون أكثر مرونة ويعزّز مشاعر الحكمة والأمل في المواقف الصعبة.
    كتابة الانسان عن أفكاره وعواطفه وتجاربه المؤلمة في الحياة يمكن ان تكون وسيلة لتعزيز التأمّل الذاتي والشفاء العاطفي والنموّ الشخصي. وهناك العديد من الفوائد الأخرى التي يمكن تلخيصها في ما يلي:
    استكشاف الذات والبصيرة: تمكّنك كتابة اليوميات من استكشاف أفكارك ومعتقداتك وخبراتك الداخلية بطريقة أعمق وأكثر استبطانا. ومن شأن هذا أن يساعدك على اكتساب فهم أفضل لنفسك وقيمك ودوافعك، ما يؤدّي إلى زيادة الوعي الذاتي والنموّ الشخصي.
    تقليل التوتّر: يمكن أن يساعد الانخراط في كتابة اليوميات العلاجية في تقليل مستويات التوتّر من خلال توفير فرصة لتفريغ أفكارك وتوضيحها. كما تساعدك الكتابة عن الأحداث أو التحدّيات المجهدة على اكتساب المنظور وحلّ المشكلات وإيجاد طرق جديدة للتعامل مع المواقف الصعبة.
    تعزيز الوضوح وصنع القرار: تدوين أو كتابة أفكارك ومخاوفك يمكن أن يجلب الصفاء الى عقلك. فمن خلال تنظيم أفكارك على الورق، يمكن ان تكتسب رؤى جديدة وتحدّد الأنماط وتتخذ قرارات أكثر استنارة.
    الشفاء من الصدمة: يمكن أن تكون كتابة اليوميات أداة قيّمة للأفراد الذين عانوا من الصدمات أو أحداث الحياة المريرة. فالكتابة عن التجارب المؤلمة بطريقة آمنة ومنضبطة يمكن أن تساعد في معالجة المشاعر وفهم الاحداث وتعزيز الشفاء.
    زيادة الثقة بالنفس: تدوين اليوميات بانتظام يمكن أن يؤدّي إلى تعزيز الثقة بالنفس واحترام الذات. فعندما تفكّر في إنجازاتك ونقاط قوّتك ومجالات نموّك، يمكنك عندها الخروج بتصوّر أوضح وأكثر إيجابية عن الذات وتقدير للامكانيات.
    تحسين حلّ المشكلات: تتيح لك الكتابة عن التحدّيات أو المعضلات استكشاف وجهات نظر وحلول مختلفة عن طريق العصف الذهني وتقييم النتائج المحتملة، ما يؤدّي الى تعزيز مهاراتك في حلّ المشكلات ويساعدك على التعامل معها بعقلية بنّاءة أكثر.
    توثيق النموّ الشخصي: مع مرور الوقت يتيح لك الاحتفاظ بيوميات إمكانية تتبّع نموّك وتقدّمك الشخصي. ومن خلال مراجعة ما كتبته، يمكنك أن ترى كيف تطوّرت وتغلّبت على العقبات وكم حقّقت من إنجازات شخصية في الفترة الماضية.

  • Credits
    psyche.co

    الخميس، فبراير 08، 2024

    محطّات


  • يبدأ فيلم "نوستالجيا أو الحنين" لأندريه تاركوفسكي (1983) بلقطة ضبابية بالأبيض والأسود للريف الروسي، حيث يتحّرك صبيّ وثلاث نساء باتجاه الماء. ثم ينتقل الفيلم إلى مشهد ضبابيّ آخر في إيطاليا، حيث تسافر سيارة فولكس فاغن عبر الريف الجبلي. ثم يعتاد المشاهدون على هذه الانتقالات بين ذكريات أندريه غورتشاكوف عن منزله الروسي وإقامته الحالية في إيطاليا حيث يعاني من شعور بالضيق والحنين.
    وقد جاء أندريه إلى إيطاليا برفقة مترجمته للبحث في حياة المؤلّف الموسيقي الروسي بافيل سوسنوفسكي. وكان سوسنوفسكي يشعر باليأس والإحباط في منفاه الإيطالي، لذا أقدم على الانتحار عند عودته الى الوطن. كانت فكرة الاختيار بين المنفى والحنين الى الوطن رغم القمع الذي كان يعانيه مصدر قلق رئيسي أيضا لتاركوفسكي نفسه عندما كان يفكّر في مغادرة الاتحاد السوفيتي.
    يقول أحد النقّاد: لا يوجد شيء أكثر ترابيةً وجسدية من عمل تاركوفسكي، هذا المخرج الصوفيّ المشهور". ويعزو هذه الجسدانية الترابية إلى الاحترام الأرثوذكسي الروسي للطبيعة كمكان يتمّ فيه تقديس الخالق من خلال خلقه. كان تاركوفسكي ينظر للمعنى من جانبه العاطفي أكثر من العقلاني، لذا كان أسلوبه البصري يميل نحو الشوق والحزن.
    وكثيرا ما كان يمزج في أفلامه النموّ الترابيّ الرطب للطبيعة في مشاهد من الأماكن المقدّسة والذكريات. في فيلم "نوستالجيا"، يمثّل الصدع في نفسية أندريه الانحلال المعماري، حيث تكون المساحات الداخلية مساميّة ومفتوحة لعناصر الطبيعة.
    ويستخدم تاركوفسكي لقطات طويلة وبطيئة تحدث فيها حركة قليلة أو لا حركة على الإطلاق، ما يشير إلى أفكار بطل الرواية التي تتحرّك وتنتقل إلى الوراء. وإيقاع الفيلم وصوره غير العاديّة تتجنّب التقاليد السينمائية المألوفة ومفاهيم الجمال القديمة.

  • كان أحد الحكماء يحاول توضيح نقطة ما. وكان محدّثه غير مقتنع بكلامه. لذلك حاول اتباع طريقة أخرى معه. فقال للمجادل: حسنا، لنرَ الآن. كم رجلا لدى البقرة؟" وجاء الردّ: أربع بالطبع". قال الحكيم: هذا صحيح. والآن، لنفترض أنك تسمّي ذيل البقرة رجلا؛ كم رجلا لدى البقرة؟ فأجاب الرجل بثقة: خمس طبعا». فردّ الحكيم: الآن هذا هو المكان الذي أخطأت فيه. إن تسمية ذيل البقرة بالرجل لا يجعل منه رجلا!

  • كيف يستمرّ الأحياء في العيش
    وكيف يستمرّ الموتى في العيش معهم
    بحيث في الغابة
    حتى الشجرة الميّتة تعكس ظلّها
    وتتساقط أوراقها واحدة تلو الأخرى
    وتتكسّر أغصانها في الريح
    ويتقشّر لحاؤها ببطء
    ويتشقّق جذعها
    ويتسرّب المطر عبر شقوقها
    ويسقط الجذع على الأرض
    ويغطّيه الطحلب
    وفي الربيع تجده الأرانب
    وتبني مسكنها بداخله
    مع صغارها
    ويعيشون بأمان
    داخل الشجرة الميّتة
    في الطبيعة،
    كما في الحبّ،
    لا يضيع شيء.
    -لارا غيلبِن


  • عندما نشر بيير كورنيه مسرحيّته "السِيد" لأوّل مرّة عام 1636، لاقت استحسانا كبيرا من الجمهور والنقّاد على حدّ سواء. وقد فُتن الفرنسيون بالمسرحية واُعجبوا بالقصّة المثيرة للدون رودريغ وحبيبته تشيمين.
    واليوم تُعتبر "السِيد" أفضل اعمال كورنيه وواحدة من أفضل مسرحيّات القرن السابع عشر.
    وقد تحوّلت هذه المسرحية قبل سنوات الى فيلم تاريخي مشهور. واشتهرت أيضا الموسيقى الفخمة التي وضعها للفيلم الموسيقي البلغاري ميكلوش روشا.
    تعتمد قصّة السِيد على حياة رودريغ دياز دي فيفار الذي عاش في القرن العاشر وحارب في وقت ما ضدّ المسيحيين أحيانا، وأحيانا ضدّ المسلمين. لكنّه في المسرحية يصوّر كمسيحي. واسمه، أي السِيد، هو الاسم الإسباني المشتقّ من كلمة عربية هي "السيّد" التي تعني الشيخ او الزعيم.
    تبدأ قصّة السيد عندما تعلَم تشيمين ابنة دون غوميز من خادمتها إلفيرا أن والدها وافق على زواجها من دون رودريغ، فتشعر بسعادة غامرة لأنها تحبّ رودريغ كثيرا. لكنّها تحاول كتمان فرحها بسبب عدم قدرتها على التنبّؤ بمزاج والدها.
    وفي ما بعد يغضب والد تشيمين، أي دون غوميز، عندما يكتشف أن الملك قد منح شرف تعليم ابنه أمير قشتالة لوالد رودريغ، أي دون دييغو. كان غوميز يعتقد بأنه أحقّ بهذه الوظيفة من دييغو، لذا يقرّر أن يواجهه. دييغو، العجوز العاقل المعتدل المزاج، يحاول تهدئة غوميز ويعرض عليه صداقته. لكن غوميز الغاضب يقوم بصفع العجوز. وردّا على ذلك يسحب دييغو سيفه للدفاع عن شرفه. لكنّه أكبر سنّا من أن يكون ندّاً لدون غوميز الأصغر منه بكثير. وهنا يجرّد غوميز العجوز من سلاحه ويهينه أكثر قبل ان يغادر المكان.
    يشعر دون دييغو بالحرج من تلك المواجهة، ويطلب من ابنه رودريغ الدفاع عن اسمه وقتال غوميز. لكن رودريغ الذي يحبّ ابنة غوميز بجنون يرفض طلب والده في البداية. ولكن عندما يصرّ والده على أن يضع شرف عائلته فوق كلّ شيء، يقبل مبارزة دون غوميز.
    وعندما يصل خبر هذا الخلاف إلى بلاط الملك يقرّر منع المبارزة. لكن غوميز يتحدّى الأمر ويصرّ بغطرسة على قتال الشاب رودريغ. وعندما يحين وقت المبارزة، رغم أمر الملك بمنعها، وبسبب الاستفزازات المستمرّة من دون غوميز، يتواجه الرجلان لوضع حدّ للشجار بينهما نهائيّاً.
    وفي البلاط، يسمع الملك عن المبارزة وينتقد دون غوميز بسبب سلوكه الطفولي وقسوته تجاه الشابّ رودريغ. ثم يعبّر عن قلقه بشأن هجوم محتمل للبحرية المغاربية التي تقترب من شواطئ بلاده. وفي هذه اللحظة يصل أحد النبلاء ويبلغ الملك أن الشابّ رودريغ قتل دون غوميز.
    في المشهد التالي، يأتي رودريغ إلى منزل تشيمين، وعندما تواجهه خادمتها يبلغها انه ما يزال يضمر الحبّ لتشيمين. فتطلب منه الخادمة الهرب لأن الفتاة لا تريد سوى الانتقام منه على قتله والدها. فيجيب أنه إذا كان الانتقام هو ما تريده تشيمين فإنه مستعدّ بكلّ سرور لأن يُقتل على يدها.
    ثم تقترب تشيمين منهما فيختبئ رودريغ في الزاوية. وتخبر تشيمين إلفيرا عن مشاعرها المتضاربة. فهي من ناحية تلوم غطرسة والدها على كلّ شيء. ومن ناحية أخرى فإن الشرف يملي عليها قتل رودريغ. ثم يظهر رودريغ من مخبئه ويطلب من تشيمين أن تقتله بنفس السيف الذي قتل به والدها. لكنها لا تفعل ذلك.
    وهنا يهاجم المغاربة المملكة الاسبانية ويخوض رودريغ الحرب للدفاع عن وطنه ويُظهر شجاعة في المعركة ويحظى بشعبية كبيرة بين مواطنيه. حتى المأسورين من المغاربة يحبّونه ويطلقون عليه لقب "السِيد" أي الزعيم.
    لكن تشيمين لا تستطيع التخلّي عن سعيها لقتل رودريغ. ويوافق شابّ يُدعى دون سانشي على مبارزة وقتل رودريغ من أجل تشيمين، بينما تعده هي في المقابل بأن تتزوّج ممّن سينتصر في المبارزة. وقبل المواجهة يخبر رودريغ تشيمين بأنه لن يدافع عن نفسه ضدّ دون سانشي وأنه إذا كان الانتقام هو ما تريده حبيبته فينبغي أن تحصل عليه. وبعد ذلك، يأتي دون سانشي إلى تشيمين وسيفه يقطر دماً. فتعتقد أن رودريغ قد قُتل، فتبكي وتعترف بأنها كانت تحبّه وتقرّر دخول دير وتعلن الحزن عليه الى أن تموت.
    وفي نهاية المسرحية، يخبر الملك تشيمين أنه أثناء المبارزة قام رودريغ بتجريد دون سانشي من سلاحه، ثم قرّر أن يعفو عنه، وأخبرها أيضا أن رودريغ ما يزال على قيد الحياة. ثم يبلغها الملك بأنها خدمت والدها بما فيه الكفاية من خلال مطالبة دون سانشي بالانتقام له وأنها لم تعد بحاجة لأن تثأر من رودريغ. ثم يأمر الملك أن يتزوّج الاثنان خلال عام يتفرغ خلاله رودريغ للدفاع عن بلاده ضدّ المغاربة كي يصبح أكثر جدارة بحبّ تشيمين.


  • Credits
    andrei-tarkovsky.com

    الاثنين، يناير 29، 2024

    قصاصات ورق


    القراءة تسهم في تحسين أنفسنا عندما نقرأ للآخرين ونطّلع على ما اجتهدوا من أجله.
    هنا مجموعة من العبارات والأقوال كنت قد دوّنتها على قصاصات ورق في أوقات مختلفة، بعضها قرأته في مجلّة أو جريدة، وبعضها سمعته في الراديو أو التلفزيون أو على لسان شخص ما..

  • كلّما لمسنا الطبيعة، أصبحنا نظيفين. والأشخاص الذين اتّسخوا بسبب الكثير من الحضارة، عليهم أن يمشوا في الغابة أو يستحمّوا في البحر. كما أن الدخول إلى اللاوعي وإلى نفسك من خلال الأحلام، هو ملامسة للطبيعة من الداخل.
  • نحن جميعاً في الحضيض، لكن البعض منّا ينظر إلى النجوم.
  • كلّ المذاهب واحد، ومن يراها اثنين فهو أحول.
  • إذا سمعتَ موسيقى بيتهوفن، فأنت تهبّ واقفاً. فإن تبعتها موسيقى لموزارت فستجد أن جسمك يتحرّك لا اراديّا وكأنك ترقص.
  • للآخرين دروبهم
    وخطاهم العجلى على تلك الدروب
    ولي خطايْ
    ولهم شيوخ طريقةٍ
    كلّ يقلّد شيخه عبر الزمان
    وليس لي شيخ سوايْ
  • تعبيرات الجمال من امرئ القيس وحتى أصغر شاعر كلّها مقرونة بعبارات تدلّ على الفتك والدموية والموت: الجمال الصاعق، الجمال الطاغي، الجمال المستبد، الجمال القاتل. والحبّ دائما مفتوح على الرعب: أغرّكِ منّي أن حبّك قاتلي، وابن عربي: كلّ حبّ لا يقضي على المُهَج لا يعوّل عليه"، بل إن في "مصارع العشّاق" للشاعر لوركا مقطعا من روميو وجولييت يقول: عندما رآها شهق شهقة الموت". وهكذا..
  • إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمةٍ ** تُروّي عظامي بعد موتي عروقُها
  • لا يمكن القبول بأيّ صيغ مطلقة للحياة. ولا يمكن لأيّ قانون مسبق أن يتنبّأ بكلّ ما يمكن أن يحدث في حياة الإنسان. فبينما نعيش، ننمو ونتغيّر وتتغيّر معتقداتنا. ويجب أن تتغيّر. لذا يجب أن نتعايش مع هذا الاكتشاف المستمر. ويجب أن نكون منفتحين على هذه المغامرة بوعي متزايد بالحياة. وينبغي أن نراهن بوجودنا كلّه على رغبتنا في الاستكشاف والتجربة.
  • في قُرانا
    إنّما نغمضُ عين الميْتِ حتى لا يرانا.
  • أعتقد أن مهمّة الفيزياء هي الهروب من سجن الأفكار المقبولة والبحث عن طرق جديدة للتفكير في العالم ومحاولة تنظيف البحيرة الضبابية من الأحلام غير الحقيقية التي تعكس الواقع كما تعكس البحيرة الجبال.
  • عندما يكون المرء بمفرده في الليل في أعماق هذه الغابة، يكون السكون رهيباً وسامياً في نفس الوقت. ويبدو كما لو أن كلّ ورقة تتحدّث.
  • فقط من خلال الذهاب وحيدا في صمت وبلا أمتعة، يمكن للمرء حقّا الوصول إلى قلب البرّية. وجميع الرحلات الأخرى هي مجرّد غبار وفنادق وأمتعة وأحاديث.
  • شيّد المستعمر بنية تحتية جيّدة، لا محبّةً منه للشعوب المستعمَرة، وإنما لتساعده في اداره البلاد. وعملَ مشاريع لكي يكسب. وكلّ شيء أنجزوه في البلدان التي استعمروها كان بسواعد أهلها. وعلّموهم لغتهم كي تساعدهم الطبقة المتعلّمة على اداره البلاد. وإذا كانت الحكومات المستبدّة التي ورثت العهد الاستعماري رديئة، فهذا لا يعني أن الاستعمار كان جيّداً.
  • عندما يريد الله ان يوقّع باسم مستعار يختار "الصدفة".
  • الحياة المنعزلة والهادئة في الريف، تقديم يد المساعدة للآخرين، والعمل الذي يُرجى من ورائه فائدة، ثم الراحة والطبيعة والكتب والموسيقى وحبّ الجار. هذه هي فكرتي عن السعادة.


  • لقد استغرق الأمر أكثر من ثلاثة آلاف عام لتنمو بعض الأشجار في هذه الغابات. الأشجار التي لا تزال في كامل قوّتها وجمالها تلوّح وتغنّي في الغابات العظيمة. وعبر كلّ القرون الرائعة المليئة بالأحداث اعتنى الله بهذه الأشجار، وأنقذها من الجفاف والأمراض والانهيارات الجليدية وآلاف العواصف والفيضانات؛ لكنه لم يستطيع إنقاذها من الحمقى.
  • لو يدرك الجلّاد وهو يُوثق اليدين
    أن له ظهراً وركبتين.
  • جنسنا البشري لن يدوم طويلاً. فلا يبدو أنه مصنوع من المادّة التي سمحت للسلحفاة، مثلا، بالاستمرار في الوجود دون تغيير تقريبا لمئات الملايين من السنين، أي أكثر ممّا كنّا موجودين حتّى. نحن ننتمي إلى جنس من الأنواع قصير العمر. وجميع أبناء عمومتنا انقرضوا بالفعل. والأكثر من ذلك أننا نتسبّب في إحداث الضرر. ومن غير المرجّح أن تنقذنا التغيّرات المناخية والبيئية الوحشية التي أحدثناها.
  • أهمّ ما في لعبة الحياة أن تكون منافسا نظيفا وأمينا. وربّما كان ذلك أهمّ من الكسب نفسه. إن خسارة نظيفة لهي بالتأكيد أفضل من نصر قذر.
  • يجب دائما أن تكتمل القوّة بالنعومة. إذا قاومت أكثر من اللازم، فسوف تنكسر. وهكذا، فإن الشخص القويّ يعرف متى يستخدم القوّة ومتى يستسلم، والحظ السعيد أو العاقبة السيّئة يعتمدان على ما إذا كنت تعرف كيف ومتى تستسلم.
  • ظهرت ورقة آينشتاين البحثية عام 1905 وغيّرت فجأة تفكير الناس حول الزمكان. ونحن مرّة أخرى في منتصف شيء من هذا القبيل. وعندما يهدأ الغبار، قد يتبيّن أن الزمن - أيّا كان - أكثر غرابة وأكثر وهماً بكثير ممّا تخيّله آينشتاين.
  • في الأنظمة المستبدّة كلّ تراتبية تقوم على الضحايا، وكلّ شخص ضحيّة لآخر، الذكور ضحايا النظام الذي عمله خصي المجتمع بالكامل نساءً ورجالا، وخصي الرجال خصوصا. وهؤلاء، انتقاما لرجولتهم المطعونة، يمارسون استبدادا على زوجاتهم. والنظام المستبدّ فيه ذكر واحد هو الحاكم، والباقون يتحوّلون الى إناث.
  • الضعف أحيانا مصدر قوّة. وضعفك هو ما يجعلك في كثير من الأحيان أكثر قوّة.
  • طرقَ شخص باب الصوفيّ المشهور ابي يزيد البسطامي قائلا: هل البسطامي موجود؟ فردّ الشيخ: هذا سؤالي عن نفسي طوال 50 عاما". والمعنى ينصرف الى أهميّة أن يكون لنا وجود حقيقي، وليس مزيّفا، على هذه الارض وأن نكون فاعلين ومؤثّرين لا عابرين وهامشيين.
  • كلمات الانسان مثل الرصاص، فلا تضرب في الهواء، بل صوّب رصاصك في المكان الصحيح.
  • الضوء ليس النور. الضوء اخترعه اديسون. النور يدخل قلبك وأنت في العتمة. والعتمة ليست الظلام. في المغارة يُعتم قلبك، لكن يدخل إليه نور وأنت لا تراه. النور لا يُرى، والضوء يُرى. والظلام غير العتمة أيضا. والكون كلّه ظلام، والنجوم فقط هي المنيرة.
  • يجب ألا يكون الإنسان زائفا يتظاهر بغير حقيقته، يزخرف نفسه من الخارج وهو خاوٍ من الداخل. الساقية القليلة الماء شديدة الصخب، أما تلك المليئة فهادئة ولا تُصدِر ضجيجا.
  • من جهتي، لا أعرف شيئا على وجه اليقين، لكن منظر النجوم يجعلني أحلم.
  • نحن جميعا في أعماق كهف، مقيّدون بجهلنا وأحكامنا المسبقة. وحواسّنا الضعيفة لا تكشف لنا إلا عن الظلال. وإذا حاولنا أن نرى أبعد، سنقع في حيرة؛ لأننا غير معتادين، لكننا نحاول. وهذا هو العلم.
  • انتباهك قويّ. كن على دراية بالمكان الذي يتركّز فيه معظم انتباهك كلّ يوم. طوّر عادة البقاء واعيا باهتمامك. اسأل نفسك، ما الذي أركّز عليه الآن؟ هل هو شيء يريحك أم يستنزفك؟
  • سُئل سقراط عن رأيه في كتاب فقال: ما فهمته منه كان عظيما، وكذلك ما لم افهمه". والمعنى هو ان الاشياء التي لا نفهمها ولكنّها تدفعنا للتفكير والتأمّل هي في نفس منزلة وقيمة الاشياء التي نفهمها، وأن غاية العقل هي الطريق للفهم وليس النتيجة النهائية.
  • الأربعاء، يناير 24، 2024

    محطّات


  • كان جورج كارلِن (1937 – 2008) ممثّلا كوميديا وناقدا اجتماعيّا أمريكيّا، وقد اشتهر بروح الدعابة السوداء وبأفكاره حول السياسة واللغة وعلم النفس والدين والعديد من الموضوعات المحظورة. كان مراقبا ماهرا وذكيّا للعالم من حوله، وخاصّة للبشر ونقاط ضعفهم. وتجلّت طبيعته العملية والمجتهدة في قدرته على التواصل مع الناس من خلال روح الدعابة الثاقبة والبارعة في كثير من الأحيان.
    ويقال أن الأشخاص الذين يستمعون إليه يبدؤون في كره أنفسهم بعد مرور بعض الوقت لأنه يصوّر أعماقهم بأقصى قدر من الدقة، وفي النهاية يشعرون بأنهم لا يختلفون عن أيّ شخص أحمق آخر على هذا الكوكب. كان يدخل غرفة مليئة بالناس ويلقي بأصعب الحقائق في وجوههم ويهدم كلّ معتقداتهم وتصوّراتهم، ثم يترك الغرفة وهو ما يزال حيّا بل ومحاطا بالتصفيق من الجميع.
    هنا بعض آراء جورج كارلِن المتضمّنة في لقاءاته وفي سيرته الذاتية:
    *لا تقلّل أبدا من قوّة الأشخاص الأغبياء في مجموعات كبيرة.
    *هناك ليال تصمت فيها الذئاب ولا يعوي إلا القمر.
    *يعجبني أن أرى منظر زهرة أو بقعة صغيرة من العشب تنمو في صدع خرسانيّ. إنه عمل بطوليّ للغاية.
    *نحن البشر مهمّون جدّا في نظر أنفسنا. والجميع سوف ينقذون شيئا الآن. "أنقذوا الأشجار، أنقذوا النحل، أنقذوا الحيتان، أنقذوا تلك القواقع." وأعظم غرورا من هذا كلّه: أنقذوا الكوكب! مع اننا لا نعرف حتى كيف نعتني بأنفسنا!
    *لقد مرّ كوكب الأرض بما هو أسوأ بكثير منّا نحن البشر. مرّ بالزلازل والبراكين والصفائح التكتونية والانجراف القارّي والتوهّجات والبقع الشمسية والعواصف المغناطيسية والانعكاس المغناطيسي للقطبين. ومرّ بمئات آلاف السنين من القصف بالمذنّبات والكويكبات والنيازك، والفيضانات وموجات المدّ والجزر والحرائق والتآكل والأشعّة الكونية والعصور الجليدية المتكرّرة. فهل تعتقد ان بعض الأكياس البلاستيكية وبعض علب الألمنيوم ستُحدث فرقا؟ هذا الكوكب لن يذهب إلى أيّ مكان، بل نحن!
    نحن الذين سنذهب. لذا احزموا أمتعتكم. سنذهب بعيدا. ولن نترك الكثير من الأثر هنا. سيظلّ الكوكب هنا بعد ان نكون قد اختفينا منذ زمن طويل. وسوف يشفي وينظّف نفسه، لأن هذا عمله. إنه نظام تصحيح ذاتيّ. سوف يتعافى الهواء والماء وتتجدّد الأرض. نحن مجرّد طفرة فاشلة أخرى، خطأ بيولوجيّ مغلق آخر، طريق تطوّري مسدود. ولسوف يهزّنا الكوكب مثل مجموعة رديئة من البراغيث.
    *الحياة تصبح بسيطة حقّا بمجرّد أن تخلّص نفسك من كلّ ذلك الهراء الذي علّموك إيّاه في المدرسة.
    *من المهمّ في الحياة ألا تهتمّ بشيء. هذا سيساعدك كثيرا.
    *أؤيّد تماما فصل الكنيسة عن الدولة. فهاتان المؤسّستان تفسداننا بما فيه الكفاية، لذا فكلاهما معا موت مؤكّد.
    *لا تعلّموا أطفالكم القراءة فقط. علّموهم أن يتساءلوا عمّا قرأوه وأن يشكّكوا في كلّ شيء.
    *لا يبدو أن الناس يدركون أنه لا يوجد أيّ شفاء أو راحة دائمة على الإطلاق في هذا العالم. لا يوجد سوى فترة توقّف قصيرة قبل الحدث المروّع التالي. وينسى الناس أن هناك شيئا اسمه الذاكرة، وأنه عندما "يُشفى" الجرح فإنه يترك ندبة لا تختفي أبداً.
    *نحن أمّة من الأغنام، وهناك شخص آخر يملك العشب.
    *أعتقد أنه من واجب الممثّل الكوميدي معرفة أين رُسم الخطّ ثم يتجاوزه.
    *بداخل كل ساخر مثالي إنسان مُحبَط.
    *لا أحبّ تقبيل المؤخّرات أو التلويح بالأعلام. أحبّ الأشخاص الذين يخالفون النظام والفردانيين. إعتنق الاستقلالية والفردية والنزاهة. وتجنّب المجموعات بأيّ ثمن. أبقِ دائرتك صغيرة. ولا تنضمّ أبدا إلى مجموعة تحمل اسما. وإذا توجّب عليك الانضمام بشكل لا مفرّ منه الى تجمّع، مثل نقابة أو جمعية تجارية، فلا بأس. لكن لا تشارك. وإذا أخبروك أنك لست لاعبا في الفريق، فهنّئهم على ملاحظتهم!
  • جاء الحصان، الذي كان مزيّنا بسرجه المبهرج وعاضّاً على لجامه الرغوي، بينما كان صهيله العالي والصاخب يتردّد عبر الجبال القريبة. لم يكن قد قطع مسافة طويلة قبل أن يتجاوز الحمار، الذي كان ينوء تحت عبء ثقيل ويتحرّك ببطء في نفس المسار. وعلى الفور نادى الحصان على الحمار بلهجة متعجرفة ومتغطرسة وهدّده بأن يدوسه ويدفنه في التراب إذا لم يفسح له الطريق. ولم يجرؤ الحمار المسكين الصبور على الاعتراض، فخرج بهدوء من طريقه بأسرع ما يمكن وتركه يمرّ.
    وبعد فترة وجيزة، أصيب الحصان نفسه برصاصة في عينه أثناء اشتباك صاحبه مع العدوّ، ما جعله غير صالح للاستعراض أو أيّ عمل آخر، فجُرّد من حليته الجميلة وبيع لشخص آخر. ثم التقى به الحمار وهو على تلك الحال البائسة وظنّ أن الوقت قد حان للتحدّث اليه فقال: مرحبا يا صديقي، هل هذا أنت؟ حسنا، لطالما اعتقدت دائما أنك ستتخلّى عن كبريائك في يوم من الأيام."
    الدرس المستفاد من هذه الحكاية هو أن الكبرياء والغطرسة أمران غريبان على العظماء حقّا. والذين يُظهرون الغطرسة، بدلاً من الصداقة والشفقة، عندما يتولّون مناصب عالية، لن يواجهوا سوى الازدراء بمجرّد أن تتغيّر حظوظهم في الحياة ويغادروا الجاه او المنصب.


  • الرسائل المتبادلة بين الرسّام الروسي إيليا ريبين ومواطنه الروائي ليو تولستوي تلقي بعض الضوء على وجهات نظرهما الفنّية والفلسفية، بالإضافة الى علاقتهما الشخصية.
    كان ريبين وتولستوي معجبين كثيرا ببعضهما البعض. وقد تراسلا في مواضيع مختلفة، بما في ذلك الفنّ والأدب والروحانية والقضايا الاجتماعية. وغالبا ما تناولت رسائلهما دور الفنّ في المجتمع وطبيعة الإبداع والعمليات الفنّية الخاصّة بكلّ منهما.
    وقد رسم ريبين تولستوي في عدّة مناسبات. وأسفرت صداقتهما عن عدّة بورتريهات. وإحدى أبرز تلك اللوحات تعود الى عام 1887 وتصوّر تولستوي وهو يقرأ في ضيعته في ياسنايا بوليانا بموسكو. في هذه اللوحة يظهر تولستوي وهو جالس على كرسي وممسك بكتاب. وهو يظهر كرجل مسنّ ذي لحية بيضاء طويلة ويرتدي لباسا ريفيّا بسيطا يُعرف بالقفطان.
    وتجسّد اللوحة تركيز تولستوي العميق، كما تقدّم صورة للكاتب والفيلسوف المتفاني ذي المعرفة الواسعة والتأثير العالمي. ويضيف استخدام ريبين البارع للضوء والظلّ إلى الصورة عمقا وواقعية كما يسلّط الضوء على ملامح وجه تولستوي ويؤكّد على نظرته الثاقبة والذكيّة.
    واللوحة لا تُعتبر فقط تصويرا بارعا للكاتب، ولكنها أيضا تجسّد جوهر مساعي تولستوي الفكرية وارتباطه بالريف الروسي.
    وعندما عُرضت اللوحة لأوّل مرّة، حظيت باهتمام كبير وثناء من الجمهور ونقّاد الفن. وكان يُنظر إليها على أنها تصوير قويّ وحميم لتولستوي، حيث لم تلتقط مظهره الجسدي فحسب، بل أيضا عمقه الفكري وطبيعته التأمّلية. وحظي اهتمام ريبين الدقيق بالتفاصيل والاستخدام الماهر للضوء والظلّ والقدرة على نقل أجواء دراسة تولستوي بتقدير كبير من قبل النقّاد.
    كما لاقت اللوحة صدى لدى الجماهير بسبب تصويرها لتولستوي كشخصية موقّرة وأيقونة أدبية. كان تولستوي كاتبا مؤثرا للغاية في عصره وقد التقطت صورة ريبين له جوهر عبقريّته الأدبية، بالإضافة إلى دوره كفيلسوف.
    ولا يزال يُحتفل بهذه اللوحة باعتبارها تصويرا مبدعا لتولستوي وعملا مهمّا في تاريخ الفنّ الروسي. وكثيرا ما يعاد استنساخها والإشارة إليها في المناقشات حول حياة تولستوي وأعماله ومساهمات ريبين في فنّ البورتريه.
    المعروف أن ريبين رسم تولستوي في مناسبات أخرى أيضا وطوال فترة صداقتهما وأظهر جوانب مختلفة من مظهر الكاتب وشخصيّته.
    وقد حدث اوّل تبادل للرسائل بين الاثنين عام 1887 عندما بعث ريبين إلى تولستوي رسالة يعبّر فيها عن إعجابه برواية "آنا كارينينا". وردّاً على ذلك، كتب تولستوي رسالة شكر إلى ريبين، يشيد فيها بمواهبه الفنّية ويعبّر عن أفكاره حول الرواية.
    وعلى الرغم من أن المجموعة الكاملة من الرسائل بين الاثنين ليست متاحة على نطاق واسع، إلا أنه يمكن العثور على مقتطفات ومراسلات مختارة منها في السير الذاتية والمنشورات المختلفة لكلّ منهما. وتوفّر هذه الرسائل رؤى قيّمة حول النقاشات الفكرية والفنّية بين اثنين من عمالقة الثقافة الروسية في ذلك العصر.
    يقول ريبين واصفا أحد لقاءاته بتولستوي في أكتوبر عام 1880: في الحقيقة كنت اظنّ انني لن أتمكّن من زيارته. وكنت أخشى أن أشعر بخيبة أمل بطريقة ما، لأنني رأيت أكثر من مرّة في حياتي كيف أن الموهبة والعبقرية لا تتناغم مع الشخصية الحقيقية للكاتب.
    ويضيف: لكن ليو تولستوي كان مختلفا، فهو انسان رائع جدّا، وفي الحياة هو عميق وجدّي كما هو حال إبداعاته. وأمامه شعرت بأنني صبيّ تافه. كنت اريد أن أستمع إليه إلى ما لا نهاية. ولم يكن بخيلاً، فقد كان يتكلّم كثيراً ومن قلبه. وكم تمنّيت لو أستطيع أن اكتب كلّ ما قاله بأحرف ذهبية على ألواح من رخام وأعود لقراءة وصاياه كلّ يوم في الصباح وقبل الذهاب الى النوم.

  • Credits
    ilya-repin.ru

    الأربعاء، يناير 17، 2024

    محطّات


  • قصّة حياة هذا الرجل تعلّمنا أن البشر لا يولدون وحوشا او سفّاحين بالفطرة. البيئة التي يعيشون فيها هي التي تحوّلهم أحيانا إلى مجرمين. وهذا ينطبق على الصبيّ الجورجي الذكيّ والفخور يوسب، الذي أراد فقط إنهاء الفقر في مسقط رأسه، لكنّه أصبح فيما بعد سببا في موت ملايين الأبرياء.
    والكثيرون لا يعرفون أن يوسب "جوزيف"، أو "ستالين" كما يُلقّب، كان من أصل جورجي، وأنه كان جورجيّا فخورا وحتى قوميّا جورجيا نشطا خلال سنوات مراهقته.
    وفي العادة، ومثل معظم الناس، نشأ ستالين مع والدته وأبيه في مدينة غوري في شرق جورجيا. كانت والدته امرأة صارمة، لأن والده كان مدمنا على الكحول وعنيفا، وكان يسيء معاملتهما لدرجة أن أمّه أخذت يوسب بعيدا، هربا من قسوة الأب.
    وقد نشأ ستالين فقيرا، لكنّه تفوّق في المدرسة. وتربّى في بيئة مسيحية متديّنة للغاية، وكانت والدته امرأة قويّة الإيمان. كان يحبّ قراءة الكتب وكتابة الشعر، وكان معجبا بأعمال الكاتب القومي الجورجي رافائيل إريستافي، وكتب بنفسه العديد من القصائد الوطنية. كما كان رسّاما موهوبا وشاعرا بارزا. وكان يقضي ساعات طويلة من يومه في قراءة الكتب، بل وتعلّم لغات أخرى غير لغته الأم، كالألمانية لغة كارل ماركس.
    وعندما بلغ الثانية عشرة، اختطفه والده وأجبره على العمل في مصنع. ومن هناك تشكّل في ذهنه انطباع سيّئ عن الرأسمالية. وفي مدرسته، اصطحبه معلّمه وبعض الطلاب الآخرين ليشهدوا شنق بعض قطّاع الطرق من الفلاحين الفقراء. وعندما رأى موتهم تعاطف معهم وتمنّى أن يصبح مسئولا كي يصلح مشاكل بلده ويبحث عن حلّ لفقر الناس. وأدّى غضبه وحنقه المكتوم والمبكّر إلى العديد من اعتداءاته وقسوته اللاحقة.
    وعندما سجّل في مدرسة تبليسي، كان الكهّان الذين يعملون هناك من القوميين الروس الذين حظروا اللغة الجورجية والملابس والتعابير التقليدية القوقازية. وهنا بدأ يصبح متمرّدا وأخذ يقرأ الكتب القومية الجورجية، كما قرأ كتاب "رأس المال" لكارل ماركس وكتاب تشارلز داروين "أصل الأنواع".
    وسرعان ما أصبح ملحدا وأعلن عن نفسه بتلك الصفة. ثم بدأ بسرقة الكتب من المكتبة ونشر الدعاية الماركسية بين زملائه من الطلاب. ثم قرأ رواية "قاتل الأب" للكاتب الجورجي ألكسندر كاسبيجي، وبدأ يطلق على نفسه اسم "كوبا" نسبة إلى البطل قاطع الطريق في الرواية، بل وطلب من أصدقائه أن ينادوه بهذا الاسم.
    وتدريجيا بدأت درجات يوسب تنخفض في الامتحان، وفي النهاية ترك المدرسة اللاهوتية. وأصبح ماركسيّا وانضمّ إلى مجموعة اشتراكية جورجية كانت تعقد اجتماعات سرّية، وكان معظم أعضائها من الروس.
    ومع تزايد نشاطه الماركسي، أصبح مراقَبا من قبل الشرطة السرّية الروسية. ثم قابل الماركسي الروسي فلاديمير لينين، ومع مرور الوقت أصبح رجل عصابات وقرصانا وثوريّا عدوانيّا. ثم بدأ في تنفيذ عمليات سطو وهاجم القوزاق وعقد اجتماعات ماركسية كبيرة في جميع أنحاء الإمبراطورية الروسية. ثم قُبض عليه ونُفي الى سيبيريا، واستطاع أن يهرب من المنفى خمس مرّات.
    وكان يوسب كلّما أصبح أكثر ثورية، صار أقلّ جورجيةً. وعندما طالب البلاشفة الجورجيون بالحكم الذاتي لجورجيا ومقاومة السياسات القومية البلشفية والحفاظ على لغتهم وثقافتهم وتقاليدهم وتراثهم، عارض يوسب، الذي أصبح الآن "ستالين"، الفكرة وأصبح السبب الرئيسي لسقوط الحكومة الجورجية.
    ولو كانت الحياة أكثر رحمة ورياح التاريخ مختلفة، لكان يوسب رجلاً قوميّا ثوريّا جورجيّا ومقاوما للإمبراطورية الروسية. لكنه بدلاً من ذلك أصبح العامل الوحيد في التحويل القسري لجورجيا كي تصبح سوفيتية.
    وفي وقت تالٍ أصبح ستالين "الدكتاتور السوفييتي" وفعل أشياء فظيعة لإخوانه وقومه في القوقاز، وحتى لمواطنيه الجورجيين. والخوض في الفظائع المنهجية التي ارتكبها هذا الرجل ضدّ عشرات الملايين من الناس في إمبراطوريّته تحتاج لكتب ومجلّدات، وخاصّة تهجيره للشعوب والمجموعات العرقية في القوقاز.
    من القومي الجورجي "كوبا" إلى الماركسي الروسي "ستالين"، ومن مواطن جورجي فخور بقومه إلى ديكتاتور ماركسي سوفييتي يكره موطنه القوقاز! كان الطريق الذي سلكه ستالين طويلا ومليئا بالانحناءات والتعرّجات ونقاط التحوّل.
    والشيء المثير للاستغراب أن ستالين لم يفقد أبدا لهجته الجورجية السميكة أثناء تحدّثه بالروسية. وحتى يومنا هذا، هناك بعض الجورجيين الذين يحبّونه فقط لأنه كان من أصل جورجي، وخاصّة الجيل الشيوعي الأكبر سنّا والمتحدّرين من مسقط رأسه غوري.

  • الزمن عامل نسبيّ ومرتبط كثيرا بالظروف والسياقات. فلو سمعت مثلا كاتبا يقول انه كتب روايته في ثمانية او عشره أشهر فغالبا هو يقصد انه كتبها على مدى سنوات قد تكون طويلة. لكن تفاصيل الرواية من أحداث وشخصيات وتواريخ وخلافها لم تتبلور وتتّضح في ذهنه بشكل كامل الا في اخر عشرة أشهر أو نحوها.
    وأحيانا قد يعيش رجل مع زوجته بسعادة رغم انهما تزوّجا في سنّ متأخّرة. وربّما تمنّيا لو أن الله كتب لهما أن يلتقيا قبل زواجهما بعشرين عاما كي ينعما بالسعادة لفترة أطول. والحقيقة انهما قبل عشرين عاما لم يكن لديهما من خبرات وتجارب الحياة ما يتمتّعان به اليوم، وبالتالي ربّما ما كانا قد تآلفا وتزوّجا في ذلك الوقت. وفي الغالب فإن صعوبات ومشاقّ الحياة وتمكّن الزوجين من تجاوزها معا هو ما يقوّي العلاقة ويجعلهما يتمسّكان ببعضهما البعض بالرغم من كلّ المشاكل والتحديّات.
  • يقول نصّ بابليّ قديم: ليس المنفى هو الانتقال بين الحدود والجغرافيا واللغات. بل المنفى الحقيقيّ هو أن يصادَر الحاضر منك وتصبح مجبرا على تأمّل ماضيك او منشغلا بما سيحصل لك في المستقبل". وهناك اليوم شعوب بأكملها منفيّة في أوطانها لأن حاضرها مصادَر لسبب أو لآخر.
  • من أروع ما يُروى عن جلال الدين الرومي قوله: دخلت الى قلبي لأرى كيف هو، ووجدت شيئا ما هناك جعلني اسمع كل العالم يبكي". وغالبا يشير الشاعر الى كميّة الظلم الفادح المنتشر في هذا العالم نتيجة غياب العدالة والانسانية.
    ثم يقول في اقتباس رائع آخر: الذين يستسلمون للجوهر الإلهي يعيشون في طمأنينة وسلام حتى عندما يتعرّض العالم بأسره للاضطراب". والمعنى هو ان الذين يسلّمون أمرهم إلى الله هم الذين يعيشون في طمأنينة. ومهما اضطرب العالم من حولهم فإنهم يحتفظون بسلامهم الداخلي لأنهم في حمى الحقّ سبحانه.
  • وأخيرا للشاعر الآذاري جامي جملة بديعة يصف فيها الرومي بقوله: لم يكن نبيّا، لكنّه أُوتي كتاباً".


  • منذ القدم ارتبطت الحيوانات بمعانٍ رمزية وكان الانسان يقارن نفسه بها ويرى لها شبيها في الأشياء من حوله. وبدورهم أحبّ الرسّامون الحيوانات وضمّنوها في أعمالهم.
    ومن أشهر اللوحات التي تتضمّن صورا لحيوانات لوحة جورج ستبس "ويسل جاكيت" او سترة الصافرة، وهو اسم لحصان مشهور. وقد رسمه الفنّان بحجم طبيعي، ويظهر في اللوحة وهو يرتفع بجسمه الضخم على قائمتيه الخلفيتين أمام خلفية من لون بنّي بالكامل. ونظرا لأن الخلفية فارغة، فقد اعتقد الناس أن اللوحة غير مكتملة، لكن من المرجّح أن الفنّان رسمها متعمّدا بهذه الطريقة. وقد اشتهر ستبس بلوحاته عن الخيول، وكان يُدخل في صوره تفاصيل كثيرة كما يفعل معظم الفنّانين في تصاويرهم.
    وهناك أيضا لوحة دا فنشي "بورتريه سيسيليا جاليراني". كانت هذه المرأة خطيبة لدوق ميلانو، وهي التي كلّفت الفنّان برسم هذه اللوحة. كان دافنشي وقتها يعمل في بلاط الدوق. والحيوان الذي تمسك به المرأة هو من فصيلة ابن عرس، ومن فرو هذا الحيوان تُصنع المعاطف الشتوية الفاخرة، وأصبح استخدامه يرمز للطهر وضبط النفس، وهما الصفتان اللتان أراد الدوق أن ترتبط بهما خطيبته. وقد تمّ تكبيره للتأكيد على صفاته الرمزية. وقيل أيضا إن الحيوان رُسم ليكون إشارة إلى الدوق نفسه، وربّما رُسم ايضا كي يغطّي بطن المرأة الحامل.
    وهناك أيضا لوحة "الأرنب الصغير" لالبيرت ديورر المرسومة بالألوان المائية قبل أكثر من 500 عام. عندما رسم الفنّان اللوحة لم يكن العالم قد عرف التحنيط بعد، لذا كان على ديورر إما رسم العديد من الاسكتشات الأوّلية للأرانب البرّية أو الرسم من أرنب حيّ أو ميّت. ويقال أن بالإمكان رؤية انعكاس إطار نافذة في عين الأرنب، وهو ما دفع الكثيرين للاعتقاد بأن الحيوان كان يعيش في محترف الرسّام عندما رسمه.
    "كنيسة سيستين الخاصّة بالقدماء" وصف أطلق على واحدة من أكبر مجموعات الفنّ الصخري في العالم والتي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ في غابات الأمازون المطيرة. وقد عثر علماء الآثار على عشرات الآلاف من اللوحات التي تصوّر بشرا وحيوانات رُسمت قبل ما يقرب من 12500 عام في المنحدرات القريبة من كولومبيا. وتضمّ الصور العديد من الحيوانات المعروفة، وحتى المخلوقات التي تُعتبر منقرضة مثل الباليولاما والمستودون وغيرهما.
    الرسّام الألماني فرانز مارك كان إنسانا ذا حسّ مرهف. وكان يجد في الطبيعة المكان الذي يُشعِره بالهدوء والسكينة. لوحاته تعكس التوتّرات التي عاشتها أوربّا في مطلع القرن الماضي بعد الحرب. لكنه كرّس جزءا من فنّه لدراسة تشريح الحيوانات التي كان يرى فيها رمزا مثاليا للحقيقة والنقاء والجمال. الثيران نادرا ما تُصوّر على أنها حيوانات مسالمة وضعيفة، ولكن في لوحة مارك هذه يمكننا رؤية الجانب الأكثر ليونةً من الحيوان الذي اعتدنا رؤيته وهو يقاوم بشجاعة عنف وقسوة الانسان.

  • Credits
    suite101.com

    الأربعاء، يناير 10، 2024

    محطّات


  • لا شيء يثير الحزن كالمدن. قد يكون للريف رومانسيّوه مثل بايرون وشيللر وكولريدج وشيللي وغيرهم الذين ربطوا صراعات الطبيعة الملحمية بأهمّ مآسي النفس البشرية. لكن الكئيبين والحزانى لا يهتمّون بالمآسي الكبيرة ولا بالمباهج، بل بأمزجة المَلل والحزن والعزلة.
    التجربة الأدبيّة للفضاء الحضريّ هي في كثير من الأحيان تجربة الشوق والحنين والاغتراب والفقد. وبالنسبة للكتّاب، فإن المدينة ليست مجرّد مكان، بل قصّة رمزية وتجسيد مادّي لعدم تكرار التجربة ولحتمية الاضمحلال.
    لكلّ مدينة تاريخية علامتها المميّزة من الحزن المرتبط بها بشكل لا يمكن محوُه، وكلّ مدينة مرتبطة بالندوب التي تحملها. فمثلا تتمتّع لشبونة بحنينها المرتبط بإرث المدينة المتمثل في اختفاء البحّارة والمستكشفين الذين تحطّمت سفنهم بحثا عن آفاق غريبة.
    واسطنبول لديها الحزن "هوزون بالتركية"، وهو علامة فارقة من الكآبة المشوبة بالدِين والمتجذّرة في حنين المدينة إلى ماضيها المجيد. وكما كتب أورهان باموك مرّة: يواصل سكّان إسطنبول حياتهم ببساطة وسط الأنقاض، هذه الآثار هي تذكير بأن المدينة الحالية فقيرة ومرتبكة لدرجة أنها لا تستطيع ابدا أن تحلم مرّة أخرى بالنهوض والعودة إلى ما كانت تتمتّع به في الماضي من الثروة والقوّة والسلطة والثقافة."
    في كلّ حالة، يخلق الحزن جغرافيا نفسية تشكّلها أسماء الشوارع. والطرق التاريخية والقناطر والأزقّة الخلفية تتضاعف كمظاهر للغياب والفقد. والذات التي تتجوّل في المدينة الحزينة تحمل ثقل تاريخ تلك المدينة.
    ويصبح المشهد الحضري نوعا من الشبكة الرمزية، حيث تأخذ كلّ صورة، من القصور الى السقالات والكتل الحجرية، معنىً مجازيّا للمتجوّل الحضريّ وتحكي قصّة تاريخ انتهى بالفعل. ويصبح الفضاء الحضري، بشبكته من الارتباطات الشخصية، مقبرةً للذاكرة.
    التفاعل بين الغياب والحضور يتّخذ طابعا أكثر تأثيرا في تصوير الروائي ستيفان تسفايغ لفيينا. عاش تسفايغ اليهودي النمساوي أهوال الحربين العالميتين قبل انتحاره عام 1942، وهو يصنع قصّة أقلّ من مرثيّة: روايات عن المنفيين في المقاهي الفارغة، ومدن المنتجعات الباهتة، والفنادق المهجورة. ومع ذلك، فإن فيينا - التي كانت يوما ما عاصمة "إمبراطورية هابسبورغ القديمة التي حكمت أوروبّا ذات يوم والتي لم يشب مجدها القديم شائبة - أصبحت الآن مجرّد ظلّ لما كانت عليه قبل الحرب.
    إحدى قصص تسفايغ الأكثر إثارةً للمشاعر تحكي قصّة راوٍ يبحث عن أحد معارفه القدامى، وهو جامع كُتب عانى من السجن على أيدي السلطات في زمن الحرب. هنا مقهى فيينا النموذجيّ الخانق المليء بالدخان، ولكن المزيّن بزخارف فيينا الجديدة: أرائك مخملية وحجرة ألمنيوم لامعة. والمقهى يثير قلق الراوي الوجودي فيقول:
    كنت أدرك أنه لا بدّ أنني كنت هنا مرّة من قبل، منذ سنوات، وأن هناك ذكرى من نوع ما مرتبطة بهذه الجدران وهذه الكراسي وهذه الطاولات، وهذه الغرفة المليئة بالدخان والتي تبدو غريبة بالنسبة لي. لكن كلّما حاولت أن أحدّد تلك الذكرى، أصبحت أكثر صعوبة واستعصاءً. ومع ذلك، كنت أعلم أنني كنت هنا ذات مرّة وأن شيئا من ذاتي القديمة التي نمت منذ فترة طويلة بقي هنا بشكل غير مرئيّ، مثل مسمار مخبّأ بين الخشب. مددت يدي إلى الغرفة، وأجهدت كلّ حواسّي، وفي نفس الوقت فتّشت عن نفسي."
    ومن بين المدن الأخرى التي أصبحت في الأدب مرادفة للحزن ترييست، الميناء الواقع على الحدود بين إيطاليا وسلوفينيا والذي كان يؤوي بعض الادباء المنفيين مثل جيمس جويس وريتشارد بيرتون وغيرهما. وقد أحيا جويس ذكرى هذه المدينة باعتبارها "ترييست المحزنة"، مستغلا وجه التشابه بين اسم المدينة والكلمة الفرنسية التي تعني الحزن.
    وكاتبة الرحلات الويلزية جان موريس أصدرت قبل سنوات كتابا عنوانه "ترييست ومعنى اللامكان"، تحدّثت فيه عن تعاسة هذه المدينة التي تقع اليوم ضمن حدود إيطاليا.
    وتشرح موريس في الكتاب كيف ان هذه المدينة تثير في نفسها شعورا بالحزن وشوقا غريبا إلى شيء لا تعرفه، وكيف أن هذا الشوق ينشأ من الانفصال بين حاضر ترييست وبقايا مجدها السابق. ومثل فيينا، تغيّرت ترييست التي كانت ذات يوم مبنيّة على الطراز الهابسبيرغي وأصبحت في القرن العشرين مدينة مختلفة تماما.
    فمبانيها ذات الطراز النمساوي المجري، وساحاتها الباروكية، كلّها تشير إلى فخامة قديمة لا يمكن أن تستعيدها ترييست المعاصرة. وتضيف: إنها اليوم مجرّد ظلال لما كانت عليه في الماضي. فلم تعد القاطرات البخارية الضخمة تهسهس في المحطّة الآن، ولم يعد مدير المحطّة يرحّب بالشخصيات المهمّة ببدلته ذات الأزرار الضيّقة ولم يعد هناك قطار سريع إلى فيينا".
    وتضيف الكاتبة: ترييست تدفع المرء لأن يطرح على نفسه أسئلة حزينة، مثل لماذا أنا هنا والى أين أنا ذاهب؟ لقد ساورني هذا الإحساس عندما زرتها لأوّل مرّة وأنا في سنّ المراهقة، وما زلت أشعر به الآن وكلّما زرتها".
    ثم تقتبس عن الشاعر ووردزورث قوله: نحن البشر يجب أن نحزن عندما يختفي حتى ظلّ لشيء كان عظيما في يوم من الأيّام".
    إن الطبيعة تكرّر نفسها. ومن يمت يولد من جديد، والليل يصبح نهارا، والوحل يغذّي البذور. لكن المدن غير قابلة للاختزال والتكرار. وعندما يموت الرجال الذين بنوها، وتتقدّم مسيرات التاريخ التي تترك آثارها المعمارية على الواجهات وزوايا الشوارع والنوافير والساحات، فإن ما يبقى من المدن هو مجرّد ذكريات: علامات على عمل يد شخص ما في مكان معيّن، وجه ملاك حجريّ فوق مدخل، عمود منحني، وأشكال منحوتة في بوّابات من الحديد. وكلّ هذه التفاصيل كانت تعني شيئا لشخص ما، ولكنها الآن ليست سوى شهادات على العصور الغابرة. فالمدن التاريخية، في نهاية المطاف، هي إرث البشر الموتى.
    في فيينّا تسفايغ وفي ترييست موريس، يأتي الشعور بالحزن من الوعي العميق بالمدينة باعتبارها مستودعا وقبرا في نفس الوقت، مكانا بقي فيه شيء من الماضي، لكن مثل هذه البقايا لا تلفت الانتباه إلا إلى ما هو غائب. إنها تشير إلى الانقسام بين الماضي والحاضر، بين المدينة التي كانت والمدينة كما هي عليه الآن، تذكير بالناس الذين لم يعودوا يسكنون هناك. البيوت موجودة والسكّان لا. المدن الحزينة أجساد لكن بلا أرواح.
    في كتابه "تشريح الحزن"، يصف روبرت بيرتون الحزن بأنه صفة الفناء. وهذا الوعي بالفناء هو الذي يدفع الكتّاب إلى تجربة الكآبة الحضرية. وفي حزنهم على ما لا يمكن أن يعود، فإنهم يندبون ما لا تستطيع الطبيعة - التي تكرّر نفسها دائما - أن تجسّده: نهاية الموت.


  • من المصطلحات المهمّة والتي يحسن أن يعرفها أيّ مترجم أو مثقّف اليوم مصطلح علم الجمال Aesthetics، وهو فرع من الفلسفة يبحث في طبيعة الجمال والفنّ والذوق. كما يستكشف الأسئلة حول طبيعة التعبير الفنّي والتجارب الجمالية والمعايير التي نحكم من خلالها على شيء ما على أنه جميل أو فنّي.
    وهناك الأنطولوجيا Ontology، وهي دراسة الكينونة أو الوجود. هذا العلم يدرس طبيعة الوجود والواقع، بما في ذلك الأسئلة المتعلّقة بوجود الأشياء المجرّدة وطبيعة الهويّة وفئات الوجود.
    أيضا هناك الديالكتيك Dialectics، وهو طريقة للتفكير أو الخطاب تتضمّن فحص وحلّ التناقضات أو التعارضات. وترتبط عادةً بعمل فلاسفة مثل هيغل وماركس، اللذين وظّفا أطرا جدلية لتحليل الظواهر الاجتماعية والتاريخية والفلسفية.
    وأخيرا النفعية Utilitarianism، وهي نظرية أخلاقية ترى أن أفضل عمل هو الذي يزيد من سعادة أو منفعة أكبر عدد من الناس. كما تؤكّد النظرية على عواقب الأفعال كأساس للتقييم الأخلاقي.

  • هاتان اللوحتان تحملان نفس الاسم: حصان خائف من البرق". لكنّ تناول كلّ من الرسّامين اوجين ديلاكروا و ثيودور جيريكو للموضوع يبدو مختلفا بعض الشيء.
    ديلاكروا كان رسّاما محترفا للخيول. وهي موضوع شائع في لوحاته. لكن هذه اللوحة من عام 1829 تبدو فريدة من نوعها من حيث انه رسم الحصان بلا فارس. وبدلا من توثيق حدث تاريخي من قبيل معركة أو حرب، اختار أن يركّز على دراسة تشريح الحيوان وإظهار خوفه.
    والدراسة تجسّد سطوة الطبيعة وتأثيرها على مملكة الحيوان. وسلوك الحصان الجامح والمضطرب هو انعكاس للقوّة التدميرية للعاصفة وأثرها الانفعالي حتى على أقوى الحيوانات. كما يمكن أن تكون اللوحة إشارة الى هشاشة الحياة ووقوف المخلوقات عاجزة أمام القوى الخارجة عن سيطرتنا.
    اللوحة رسمها ديلاكروا عام 1829 بالألوان المائية وأهداها لرسّام صديق يُدعى لوي أوغست شوايتر.
    أما جيريكو فكان فارسا ماهرا وشغوفا بالخيل وخبيرا بتشريحها. وفي عام 1813، رسم العديد من الدراسات الزيتية واللوحات النهائية، بما فيها هذه اللوحة لخيول في اسطبلات الإمبراطور في فرساي. وتُدلّل هذه اللوحات على براعة الفنّان في الملاحظة الدقيقة والطبيعة التفصيلية.
    في اللوحة يلتقط الرسّام اللحظة التي يتفاعل فيها الحصان مع صاعقة البرق التي يُفترض أن يصاحبها دويّ رعد.
    ومن الملاحظ أن جيريكو تجنّب الدراما والإثارة المبالغ فيها التي نقلها ديلاكروا في صورته، واختار أن يرسم الحصان في لقطة جانبية وبحال من الخوف والترقّب.

  • Credits
    books.google.com

    الأربعاء، يناير 03، 2024

    محطّات


  • الفنّ مثل الفلسفة من حيث كونه تجربة شخصيّة وذاتيّة عميقة. لذا فإن استكشاف الأعمال الفنّية المختلفة يمكن أن يؤدّي إلى تفسيرات متنوّعة ورؤى فلسفية. وهناك العديد من اللوحات الشهيرة التي تتضمّن عمقا فلسفيّا وقدّمت مساهمات كبيرة في مجال الفنّ والفلسفة. وتمثّل هذه اللوحات مجموعة متنوّعة من الأساليب والفترات والموضوعات الفلسفية. كما أنها تدعو المتلقّي إلى الانخراط في التأمّل والتفسير والتفكير في الأسئلة الأساسية حول الوجود والهويّة والإدراك والحالة الإنسانية. واستكشاف هذه الأعمال والغوص في الأفكار الفلسفية التي تثيرها يمكن أن يوفّر رحلة رائعة من الاكتشاف والتأمّل.
    ومن أشهر هذا النوع من اللوحات "مدرسة أثينا" لرافائيل، وتصوّر هذه التحفة الفنّية مجموعة من الفلاسفة القدماء مثل أفلاطون وأرسطو وسقراط وابن رشد وغيرهم. واللوحة ترمز إلى السعي وراء المعرفة واستكشاف الأفكار الفلسفية.
    وهناك لوحة "المفكّر" لأوغست رودان، والتي على الرغم من أنها ليست لوحة فنّية بل منحوتة، إلا أنها واحدة من أكثر صور التأمّل الفلسفي شهرةً. ويمثّل الشخص الظاهر في المنحوتة عمق الفكر والنضال الفكري والوجودي للإنسانية.
    وهناك لوحة "المتجوّل فوق بحر الضباب" لكاسبار ديفيد فريدريش التي تعود إلى العصر الرومانسي، وتصوّر شخصا يقف على حافّة جرف صخري ويحدّق في منظر طبيعيّ ضبابي أمامه. وقد فُسّرت اللوحة على أنها استكشاف لعلاقة الفرد بالطبيعة والتجربة الوجودية للذات في مواجهة العالم.
    وهناك لوحة "ابن الإنسان" لرينيه ماغريت التي تصوّر رجلاً يرتدي معطفا بينما وجهه محجوب بتفّاحة ولا تظهر سوى إحدى عينيه. اللوحة تثير أسئلة حول الهويّة والتصوّر الذاتي والأقنعة التي يرتديها افراد المجتمع.
    وهناك أيضا لوحة "ليلة مرصّعة بالنجوم" للفنّان فنسنت فان جوخ، وتجسّد تجربة الفنّان الذاتية لسماء الليل. واللوحة تتجاوز مجرّد التجسيد وتتعمّق في الأبعاد العاطفية والروحانية وتثير التأمّل الفلسفي حول طبيعة الكون والوجود الإنساني.
    أيضا يندرج ضمن هذا النوع من اللوحات "حديقة المسرّات الأرضية" لهيرونيموس بوش الغنيّة بالرمزية والاستعارة. وتستكشف اللوحة موضوعات الأخلاق والخطيئة والحالة الإنسانية. تفاصيل اللوحة المعقّدة وصورها الخيالية تثير التأمّل حول طبيعة الخير والشر.
    وهناك لوحة "العشاء الأخير" لليوناردو دافنشي التي تصوّر وجبة العشاء الأخيرة للمسيح مع حواريّيه. واللوحة تثير تساؤلات حول الإيمان والخيانة والتضحية وطبيعة الألوهية. وقد حُلّلت الصورة مرارا بسبب رمزيّتها والعلاقات الديناميكية والنفسية بين الشخصيات.
    وهناك أيضا لوحة "ثبات الذاكرة" لسلفادور دالي التي تستكشف مفهوم الزمن وطبيعة الواقع. الساعات الذائبة والتفاصيل الشبيهة بالحلم في الصورة تثير أسئلة فلسفية حول طبيعة الوجود والإدراك.
    وأخيرا وليس آخرا هناك لوحة "الصرخة" لإدفارد مونك، وهذه اللوحة الأيقونية معروفة بتعبيرها عن القلق الوجودي والاضطراب النفسي. كما أنها تجسّد التجربة الإنسانية العالمية للرهبة الوجودية وأصبحت رمزا لمعاناة الإنسان.

  • في البريّة الشاسعة والوعرة في الشمال، كان هناك ذئب وحيد. ولم يكن مثل الذئاب الأخرى في القطيع، لأنه اختار التجوّل في البريّة بمفرده. ومنذ صغره، كان يشعر بنداء داخلي يدعوه إلى العزلة.
    وبينما كان القطيع يصطاد معا ويعتمد على قوّته العددية، كان هو يجد عزاءه في صمت البريّة. كان يتجوّل في كثير من الأحيان بين الجبال المغطّاة بالثلوج، وكان فروه الرمادي المشوب بفِضّة يمتزج بتناغم مع مناظر الطبيعة الشتوية.
    ولم تستطع الذئاب الأخرى فهم خيار زميلها. كانت تعتقد أن القوّة تأتي من عملها كقطيع ومن الاتحاد والعمل الجماعي.
    وكثيرا ما كانت تحثّه على الانضمام إليها مرّة أخرى، لكنه ظلّ ثابتا على قناعته. وفي أحد الأيّام، أثناء فصل الشتاء القاسي، ضربت الأرض عاصفة ثلجية قويّة. وكافحت المجموعة للعثور على الطعام، واختبروا اتحادهم بينما الجوع يكاد يفتك بهم. لكن زميلهم الوحيد في عزلته لم يكن منزعجا. فقد اعتاد على الاعتماد على حواسّه القويّة واتصاله العميق بالعالم الطبيعي للحصول على طعامه.
    وفي هدوء العاصفة، كان يستطيع سماع حفيف خافت لفريسة مختبئة تحت الثلج. وشهدت الذئاب الأخرى، التي أضعفها البرد والجوع القاسي، مطاردات زميلها الوحيد وعمليات صيده الناجحة. فاقتربت منه وقد امتلأت أعينها بمزيج من الرهبة واليأس. وقد دافعت عن زميلها بأنها كانت مخطئة. وطلبوا منه تعليمهم طرق البقاء على قيد الحياة لوحدهم.
    وبقلبه المليء بالتعاطف، وافق على مشاركة القطيع معرفته. وعلّمهم كيف يستمعون إلى همسات الرياح وآثار الحيوانات وإيقاعات الأرض. وأظهر لهم أن العزلة لا تعني الانعزال، بل الاتصال بعمق بالعالم من حولهم.
    ومع تحوّل الأيّام إلى أسابيع، تعلّمت المجموعة قوّة البقاء بمفردها عند الحاجة. واكتشفوا أنه في أوقات العزلة، يمكنهم الاستفادة من قوّتهم الداخلية ومن حدسهم، تماما كما فعل زميلهم. وفي الشتاء التالي، عندما ضربت العاصفة الثلجية ثانية، جهّز القطيع نفسه. واصطادوا بكفاءة ومرونة أكبر، وكانت وحدتهم أقوى من أيّ وقت مضى.
    وفي النهاية، تعلّموا أن العزلة ليست رفضاً للآخرين، بل طريقة لتعزيز القوّة الداخلية والحكمة.
    ومن خلال عزلته، تعلّم الذئب الاعتماد على نفسه وشارك هذه الحكمة مع من هم بأمسّ الحاجة إليها. وهكذا، أصبح الذئب المنفرد أسطورة في عالم الطبيعة ورمزا لقوّة العزلة التي يمكن العثور عليها في هدوء البريّة.
    واستمرّت قصّته منذ ذلك الوقت وإلى اليوم، مذكّرة أنه في أحضان العزلة، يمكن للمرء أن يكتشف قوّته الداخلية، وبالتالي أن يساعد الآخرين على اكتشاف مواطن قوّتهم.


  • هناك العديد من الاعمال الروائية المستوحاة من الشرق والتي تقدّم وجهات نظر مختلفة حول الثقافات والمجتمعات الشرقية. وهذه الروايات توفّر للقارئ فرصة ليغمر نفسه في النسيج الثريّ للثقافات والتاريخ والفلسفات الشرقية. كما أنها تقدّم لمحات عن تعقيدات مجتمعات الشرق وتستكشف موضوعات مثل التقاليد والتغيير الاجتماعي والصراع الثقافي والحبّ والديناميات الاجتماعية والهويّة الشخصية والتفاعل بين الشرق والغرب.
    ومن أشهر تلك الروايات "شوغن Shogun" لجيمس كلافيل، وتدور أحداث هذه الرواية التاريخية الملحمية في اليابان الإقطاعية وتتتبّع رحلة بحّار إنغليزي يشارك في صراعات السلطة بين أباطرة الساموراي في القرن السابع عشر. وتقدّم الرواية صورة مفصّلة للثقافة والتقاليد اليابانية وقواعد الشرف عند مقاتلي الساموراي. وقبل سنوات تحوّلت الرواية الى مسلسل تلفزيوني من بطولة الممثّل ريتشارد تشامبرلين.
    هناك أيضا رواية "الأرض الطيّبة The Good Earth" من تأليف الكاتبة الامريكية بيرل بك. هذه الرواية الحائزة على جائزة بوليتزر تدور أحداثها في ريف الصين، وتصوّر حياة فلاح صيني يُدعى وانغ لونغ وكفاحه من أجل البقاء. وتستكشف القصّة مواضيع مثل الأسرة والتغيير الاجتماعي والعلاقة بين الإنسان والأرض.
    وهناك رواية "الأروقة البعيدة The Far Pavilions" للكاتبة مارغريت كاي، وتدور أحداث هذه الرواية التاريخية في الهند البريطانية في القرن التاسع عشر، وتحكي قصّة رجل إنغليزي نشأ في امارة غولكوت الهندية. والقصّة تقدّم تصويرا حيّا للديناميكيات الثقافية المعقّدة والتوتّرات الدينية والأحداث السياسية خلال فترة الحكم البريطاني للهند. وقد تحوّلت الرواية منذ سنوات الى مسلسل بنفس الاسم من بطولة كريستوفر لي و ايمي إرفنغ.
    وأيضا هناك رواية "تاريخ العصفور الآلي The Wind-Up Bird Chronicle" لهاروكي موراكامي. وتتناول هذه الرواية السوريالية والاستبطانية حياة رجل عاديّ في طوكيو يبحث عن زوجته المفقودة. ويمزج الكاتب في الرواية بين عناصر الواقعية السحرية والأحداث التاريخية ويستكشف موضوعات مثل الهويّة والذاكرة وتساؤلات الوجود.
    ومن الروايات الأخرى المهمّة من هذا النوع "مذكّرات فتاة غيشا Memoirs of a Geisha" للكاتب آرثر غولدن، وتدور أحداث هذه الرواية في اليابان وتقدّم نظرة حميمة على حياة الغيشا وتستكشف موضوعات مثل الحبّ والتضحية وتعقيدات الثقافة اليابانية التقليدية.
    أيضا هناك رواية "عدّاء الطائرة الورقية The Kite Runner" للكاتب الافغاني خالد حسيني، وتدور أحداث الرواية في أفغانستان، وتتتبّع حياة صديقين على خلفية الاضطرابات السياسية والحروب والتحوّل الثقافي الذي شهدته تلك البلاد في العقود الاخيرة. كما تتعمّق القصّة في موضوعات الصداقة والتضحية وتأثير الحرب على الأفراد والمجتمعات.
    رواية "إله الأشياء الصغيرة The God of Small Things" للكاتبة الهندية أرونداتي روي تندرج ضمن هذا النوع من الرواية، وتدور أحداثها في ولاية كيرلا بالهند، وتحكي قصّة عائلة وتداعيات الحبّ الممنوع والتسلسل الهرمي الاجتماعي. كما تتناول موضوعات مثل الحبّ والطائفة والطبقة وتعقيدات المجتمع الهندي.
    وأخيرا هناك رواية "زهرة الثلج والمروحة السرّية Snow Flower and the Secret Fan" للكاتبة ليزا سي، وتدور أحداثها في الصين في القرن التاسع عشر. وتستكشف الرواية الصداقة التي استمرّت مدى الحياة بين امرأتين، كما تتعمّق في مواضيع مثل الصداقة النسائية والتقاليد الثقافية والحياة المقيّدة للنساء في الصين في تلك الفترة.

  • Credits
    suite101.com