:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الجمعة، أغسطس 14، 2020

ديلاكروا: الرحلة الجزائرية

غادر الرسّام اوجين ديلاكروا فرنسا متوجّها إلى المغرب في يناير من عام 1832، أي بعد عامين من احتلال بلده للجزائر. كان قد أصبح فنّانا مشهورا بعد أن رسم "دانتي" و"موت ساردانابولوس" و"الحرّية تقود الشعب".
وقد سافر بمعيّة دبلوماسيّ يُدعى شارل دي مورناي الذي كان يرأس وفدا كلّفه الملك لوي فيليب بمقابلة سلطان المغرب مولاي عبدالرحمن الذي أدّى دعمه للمقاومة الجزائرية إلى تهديد استمرار التوسّع الفرنسيّ غرباً.
وأثناء توقّف ديلاكروا في الجزائر، استُجيب لرغبته في الدخول إلى جزء من بيت احد الأهالي، حيث تعيش النساء فيه في عزلة عن الرجال. وقد لاحظ الرسّام الحريم من مسافة عبر رواق يؤدّي إلى غرفتهن. وفي نهاية الغرفة رأى ثلاث نساء مع خادمتهن وهن يجلسن حول أرغيلة وفي جوّ يوحي بلحظات من الخصوصية.
في ذلك المكان، تشكّلت في ذهن ديلاكروا الملامح الأوليّة للوحته "نساء الجزائر" التي وصفها احد النقّاد في ما بعد بأنها انجازه الأكبر.
وهناك غموض يحيط بهويّة اثنتين من النساء، الأولى وتُدعى منى بنسلطان، وتظهر في أقصى يسار اللوحة متكئةً على أريكة وجالسةً في مواجهة الناظر. أما الثانية فتُدعى زهرة بنسلطان التي تجلس متربّعة في الوسط وهي تتحدّث بهدوء مع رفيقتها إلى اليمين.
قد تكون المرأتان شقيقتين أو ابنتي عمّ أو زوجتين لنفس الرجل. والاسمان العربيان ليسا دليلا كافيا على أنهما مسلمتان بالضرورة. كما أن لباسهما ليس ممّا ترتديه عادةً النساء اليهوديات في شمال أفريقيا.
النساء الثلاث يجلسن بين الظلّ والضوء، وأذرعهنّ وأقدامهنّ المشمّرة توحي بأن الوقت صيف. وهنّ يجلسن على سجّاد تركيّ الطراز مزيّن بموتيفات امازيغية، مع وسائد من مخمل. واللون الأرجوانيّ الغالب على اللوحة يخلق جوّا غامضا وحالماً.
الأشياء الظاهرة في الغرفة، كالباب الخشبيّ المذهّب والستارة والزخارف والنقوش على الجدار، كلّها عناصر تشي بالروابط الوثيقة بين الجزائر وموانئ الشرق في القرن التاسع عشر.
الاكسسوارات والأزياء والديكور والمجوهرات وطريقة الجلوس رُسمت أوليّا وبتفصيل كبير أثناء زيارة ديلاكروا للجزائر. وقد أضاف إليها ملحقات وموادّ أخرى عندما جلس ليرسم اللوحة في باريس.
المعروف أن الفنّان رسم نسختين من هذه اللوحة تفصل بينهما 15 عاما. لكن اللوحة فوق هي الأشهر. وقد اشتراها ملك فرنسا عام 1834 وقدّمها هديّة إلى متحف لوكسمبورغ. ثم انتقلت في ما بعد إلى متحف اللوفر حيث ظلّت فيه إلى اليوم.
الأسطورة الأوربّية عن فانتازيا الحريم تكرّست في القرن التاسع عشر بعد ترجمة انطوان غالان لكتاب "ألف ليلة وليلة" إلى الفرنسية عام 1717. ثم تعمّق المفهوم الأوربّي عن الشرق أكثر فأكثر من خلال صور ديلاكروا.
وقد كتب الرسّام في ما بعد إلى صديق له يقول: لم أرَ في حياتي اغرب مما رأيته في طنجة. فهذه المدينة هي حكاية خارجة من كتاب الليالي العربية. إنها مزيج مدهش من الأعراق والأزياء والألوان".
لوحة "نساء الجزائر" تُوازن بين الكلاسيكية والرومانسية. الإلهام الشرقيّ وثروة الألوان التعبيرية هي ملامح رومانسية. والنظام الإيقاعي للأشكال والشغف المحسوب هي ملامح كلاسيكية. الضوء والظلّ يلعبان هنا دورا مهمّا. والتلوين يخلق جوّا من الدفء قيل إن رسّاما لم يحقّقه من قبل باستثناء فيلاسكيز في لوحته "النسّاجات".
وعندما تنظر إلى اللوحة سيُخيُّل لك أن الوقت فيها متوقّف. وليس فيها أيّ حبكة أو فعل أو قصّة. إنها صورة نقيّة، لكنها ساحرة وجذّابة بما لا يُوصف.


والسمات العديدة فيها، كالنظرات المتلصّصة والظلال المنوّمة والألوان اللامعة والهدوء المهيمن، كلّها عناصر عن الطبيعة المتناقضة للوحة كثمرة للمزاوجة بين الواقع والخيال.
مزيج الألوان ووضعيات الأيدي وطيّات الملابس والضوء غير المتوقّع والتباين بين الشخصيات دفعت احد النقّاد للقول إن اللوحة مليئة بالأفكار والرؤى.
وقال ناقد آخر: إن هذه اللوحة تعكس الحياة المملّة لهؤلاء النساء اللاتي يفتقرن للأفكار الجادّة والعمل المفيد الذي يمكن أن يمنع عنهن الشعور بالسأم في هذا السجن الذي يقبعن وراء جدرانه".
ألهمت لوحة "نساء الجزائر" أجيالا متعاقبة من الرسّامين، مثل فان غوخ وغوغان وسيزان. كما كانت مصدر إلهام لبيكاسو وماتيس والانطباعيين الذين أتوا في ما بعد.
كان بيكاسو مهجوسا كثيرا بـ "نساء الجزائر". وفي عام 1954، أي بعد مرور 120 عاما على رسم ديلاكروا للوحة، رسم بيكاسو 15 لوحة، بالإضافة إلى مئات الاسكتشات. وكانت كلّها عبارة عن تنويعات على لوحة ديلاكروا.
وإحدى تلك اللوحات أصبحت أغلى لوحة في العالم، عندما بيعت قبل خمس سنوات بـ 180 مليون دولار. ونُقل عن بيكاسو وقتها قوله: لو رأى ديلاكروا لوحتي لأحبّها وقدّرها. لقد رسم لوحته وفي ذهنه روبنز. ورسمتها أنا وفي ذهني ديلاكروا. لكني فعلتها بشكل مختلف".
كان ديلاكروا أوّل رسّام فرنسي يعبر البحر المتوسّط. وقد تأثّر في استشراقه بنموذج اللورد بايرون الذي شارك في حرب الاستقلال التي خاضها اليونانيون ضد الأتراك العثمانيين.
وكان عمر ديلاكروا عندما زار الجزائر والمغرب 34 عاما. وقد مكث فيهما ستّة أشهر فُتن خلالها بهذا الشرق الجديد وبألوانه الساطعة وبالعرب ونسائهم وخيولهم الساحرة، وهي العناصر التي ظلّ يرسمها طوال حياته.
وفي الجزائر والمغرب رأى نسخة من الشرق الأسطوريّ والرائع الذي طالما تخيّله. ولم توفّر له تلك الرحلة الفرصة ليرسم ما رآه فحسب، وإنّما أتاحت له فرصة للتأمّل الفلسفيّ. وقد كتب في مذكّراته يقول: عشت في الجزائر والمغرب ستّة أشهر فقط. ومع ذلك أحسست أنني عشت هناك أكثر ممّا عشت في باريس بعشرين مرّة".
كان ديلاكروا يعتقد بأن أسلوب حياة الأقدمين يوشك على الانتهاء، وهو انطباع ظلّ معه حتى مماته. كما كان يؤمن بأن الحلقات المفقودة من الحضارة موجودة في الشرق، وأن حجم الإرث الحضاري للشرق يكفي لإلهام عشرين جيلا من الرسّامين.
لكن لأن ديلاكروا سافر إلى شمال أفريقيا كجزء من بعثة دبلوماسية فرنسية بعد عامين من غزو فرنسا للجزائر، فقد ظنّ البعض بأن اللوحة كانت شكلا من أشكال الدعاية لطموحات فرنسا الاستعمارية. غير أن النظر إلى اللوحة عن قرب يثبت أنها بعيدة عن رسم الآخر الغرائبي، أي نموذج اللوحات الاستشراقية السائد آنذاك.
كان ديلاكروا يؤمن بأن حضارة الجزائر، رغم كونها اقلّ تطوّرا من فرنسا، إلا أنها اقرب إلى الطبيعة، كما أن فيها بعضا من قيم روما القديمة التي كانت تتآكل في الغرب. صحيح أن الرسّام كان متأثّرا بفكرة التفوّق الأوربّي، لكنه فوجئ بنبل الناس في الشرق مقارنةً بما كان يعتبره "فساد الفرنسيين".
كان ديلاكروا جزءا من حركة فلسفية وفنّية تتضمّن الفنون الفكرية والبصرية والأدبية. وهو نفسه كان شاعرا ومؤلّفا وعاشقا للتاريخ والأدب. وقد تضمّنت تجربته في شمال أفريقيا لوحات أخرى مثل "متعصبّو طنجة" و"زواج يهودي" وغيرهما.

Credits
louvre.fr
eugenedelacroix.net

الأحد، أغسطس 09، 2020

تشيكوف: نظرة مختلفة

لأكثر من مائة عام، يجلس رجلان ملتحيان وطاعنان في السنّ على أكتاف الروس الذين ينوءون تحت حملهما الثقيل: تولستوي وديستويفسكي. تولستوي يجلس على الكتف الأيمن وديستويفسكي على الكتف الأيسر، أو العكس.
العبء الثقافي الذي يمثّله هذان الرجلان ستشعر به بعد لحظات قليلة من لقائك مع أيّ شخص غريب يكون على دراية بسيطة بالأدب الروسيّ. فعندما يعرف انك روسيّ، سرعان ما يهتف: آه تولستوي وديستويفسكي"!
الميراث الأدبيّ الضخم للرجلين يثقل كواهلنا كـ "رُوس"، بل ويسحقنا بلا رحمة. والمشكلة انه يتوجّب علينا أن نحملهما معنا أينما ذهبنا أو ارتحلنا إلى أن نموت.
ما من شكّ في أن الرجلين عبقريّان. لكن المحزن أن حجم وعمق كتاباتهما حَجَب بريق كتّاب روس آخرين لا يقلّون أهميّة وموهبة. وأعرف على الأقل كاتبا واحدا ينافسهما، بل ويتفوّق عليهما أحيانا. هذا الكاتب اسمه انطون تشيكوف. وهناك عدد من الأسباب التي تجعل من تشيكوف ندّاً قويّا لتولستوي وديستويفسكي.
السبب الأوّل هو أن تشيكوف كان كاتبا موجزا. صحيح أن طول أو حجم كتاب ما ليس معيارا صالحا للحكم على جودته وقيمته. فهناك روايات كثيرة طويلة وضخمة، لكنها مملّة وثقيلة، لدرجة انه يتعذّر عليك قراءة بضع صفحات منها. لكن تشيكوف مختلف من هذه الناحية.
وعندما تقرأ المجلّدات الأربعة لرواية "الحرب والسلام" مثلا، فستقدّر عالياً ميزة الإيجاز والاختصار التي يفتقر إليها تولستوي، وبدرجة اقلّ ديستويفسكي.
تشيكوف هو ملك القصّة القصيرة. وهو عادةً لا يحتاج سوى لبضعة اسطر وتفاصيل صغيرة ليصوّر قصّة الحياة الكاملة لشخصية من شخصياته، وهي مهمّة تتطلّب من ديستويفسكي أو تولستوي عشر صفحات كاملة من الحشو والإطناب الذي لا لزوم له. وتشيكوف هو الذي قال ذات مرّة جملة مهمّة أصبح الروس يردّدونها كما لو أنها حكمة: الإيجاز هو توأم الموهبة".
والسبب الثاني هو أن أبطال تشيكوف هم من النوع الذي يسهل عليك أن تتعاطف معهم. والحقيقة أن الأدب الروسيّ حافل بالقصص التي تستثير الحزن وتكسر القلب. لكن الطريقة التي يتعامل بها تشيكوف مع المسألة مختلفة تماما.
في المقابل، فإن شخصيات تولستوي وديستويفسكي معقدّة جدّا وتعاني كثيرا، وهو أمر مألوف في أدب القرن التاسع عشر. كما أن كتاباتهما تتضمّن أفكارا كثيرة عن الله والحبّ وعن الروح الروسية. وكلّ هذا أصبح نوعا من الكلام المملّ والمزعج.
وعلى النقيض من شخصيات هذين الاثنين الذين يشبهون أبطال الكتب المقدّسة، فإن أبطال قصص تشيكوف أناس عاديّون، وأحيانا مضحكون ومثيرون للشفقة. لكنهم دائما يحلمون بحياة أفضل، على الرغم من أنهم غارقون في مشاكلهم اليومية.
وكلّ الطيف الواسع من المشاعر التي يعبّر عنها تشيكوف في قصصه يمكن اختزالها بقوله الساخر: هذا يوم جميل، ولا اعرف ما إذا كان يتعيّن عليّ أن اشرب كوبا من الشاي أو اشنق نفسي".


السبب الثالث هو أن تشيكوف لا يقدّم في كتبه مواعظ من أيّ نوع، في حين أن لدى تولستوي وديستويفسكي منظومتهما القيمية الصارمة: في حالة ديستويفسكي هناك نسخة متشدّدة من الأرثوذوكسية المُطعّمة بولاء لا يفتر للقيصرية المحافظة. وفي حالة تولستوي هناك الفوضوية السلمية المتطرّفة على طريقة غاندي.
صحيح أن تلك القيم والمفاهيم لا تهيمن على نثرهما دائما، لكنها تطلّ من كتاباتهما بشكل متواتر ومن حين لآخر. وإن كنت من النوع الذي يكره الخطب والمواعظ الفجّة، فستجد أن من الصعب عليك تقبّلها أو هضمها.
قال شخص ذات مرّة: عندما اقرأ تولستوي اشعر انه يعبس في وجهي. ورغم انه يقول كلاما صحيحا أحيانا، إلا أن الأمر يظلّ مزعجا".
لكن هذا لا يحدث مع تشيكوف. فهو لا يقدّم دروسا أو مواعظ أبدا، فقط يحفزّك على أن تظلّ إنسانا نبيلا وصبورا أمام تحدّيات الحياة. وهناك دائما في مسرحياته وقصصه القصيرة بصيص من الأمل، هذا الأمل بشيء ما أفضل يتخلّل جميع أعماله.
السبب الرابع هو أن تشيكوف كان إنسانا عظيما وصاحب مبدأ. كان يمزج بين الأدب وبين الطبّ مهنته الأولى والأساسية. وقد قال مرّة: الطبّ زوجتي الشرعية والأدب عشيقتي". ولم يكن يدخّر جهدا أبدا في مساعدة جميع الناس، وخاصّة الفلاحين والعمّال الفقراء الذين كان يعالجهم مجّانا.
في عام 1890، ذهب إلى جزيرة سخالين التي تبعد عن موسكو أكثر من 6400 كيلومتر. وأثناء تلك الرحلة ألّف كتابا عن المعاملة غير الإنسانية التي يتلقّاها السجناء الذين يُرسلون إلى هناك.
السبب الخامس هو أن تشيكوف معروف عالميّا بسبب إرثه المسرحيّ. وهو يُعتبر احد اكبر الكتّاب الذين تُمثّل أعمالهم بشكل دائم على خشبة المسرح، جنبا إلى جنب مع شكسبير وإبسن وسترندبيرغ. تحفه الأدبية الكبيرة مثل "طائر النورس" و"بستان الكرز" و"الأخوات الثلاث" لا تشيخ أبدا، لأن فيها عمقا ولأنها مفتوحة دوما على مختلف التأويلات.
كان وسيما، ذكيّا وعطوفا. وفي سنواته الأخيرة، افتتح عيادة لمعالجة ضحايا الكوليرا والمجاعة بالمجّان. كما بنى ثلاث مدارس لمساعدة أبناء المزارعين الفقراء ومدّهم بالتعليم بلا مقابل.
في عام 1901، تزوّج تشيكوف من ممثّلة كانت قد شاركت في بعض مسرحياته. وبعد 3 سنوات توفّي في ألمانيا وعمره لا يتعدّى الـ 44 بعد معاناة طويلة مع مرض السلّ. وحتى عندما علم بموته الوشيك ظلّ يتصرّف بكرامة، ولم يغادره حسّ الدعابة إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، وضرب مثالا ممتازا للشخص الذي لا يشتكي لأحد ولا يتذمّر من الحياة.
إجمالا كانت كتابات تشيكوف أكثر إمتاعا وتشويقا وواقعية من كتابات كثيرين غيره. وفي النهاية ستجد انك بطل من أبطال تشيكوف ولا يمكن أن تكون بطلا من أبطال تولستوي أو ديستويفسكي ما لم تقتل سيّدة عجوزا بفأس أو تهزم نابليون!

Credits
lithub.com
rbth.com