المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف رينوار

الموسيقى كَشِعر

صورة
الموسيقى الانطباعية هي حقبة في تاريخ الموسيقى تمتدّ من حوالي عام 1880 إلى عام 1920. ورغم أنها في الأساس ظاهرة فرنسية، إلا أنها اتّسعت بعد ذلك لتشمل كلا من انجلترا وإيطاليا والولايات المتّحدة. بالتأكيد سمع معظمنا بأسماء رسّامين مثل مونيه ورينوار وسيسلي وكميل كورو وميري كاسات. وهؤلاء كانوا يعرضون لوحاتهم في باريس في بدايات القرن الماضي، وكانت تحظى بإعجاب قطاع لا بأس به من الجمهور. في تلك الفترة، كان يعيش في باريس شعراء كانوا يسمَّون بالشعراء الرمزيين، مثل شارل بودلير وبول فيرلين وستيفان مالارميه. وأشعار هؤلاء، بالإضافة إلى رسومات مونيه ورفاقه، تحوّلت إلى مادّة استلهم منها الموسيقيون الانطباعيون أفكارا لموسيقاهم. وأشهر هؤلاء الموسيقيين كان كلود ديبوسي الذي يُعزى إليه الفضل في تأسيس الموسيقى الانطباعية. لكن كان هناك موسيقيون آخرون ساروا على نهجه، مثل موريس رافيل مؤلّف موسيقى بوليرو المشهورة، وغابرييل فوريه الذي ألّف قطعا جميلة مثل النشيد الجنائزي ، بالإضافة إلى الموسيقيّ الايطاليّ ارتورو ريسبيغي. لكن بطبيعة الحال فإن أشهر هؤلاء كان ديبوسي. والناس يتذكّرونه بمؤلّفاته المشه...

خواطر في الأدب والفن

صورة
بين الدبلوماسية والفنّ تقول القصّة إن هنري الثامن ملك انغلترا كان يبحث لنفسه عن زوجة جديدة. وقد اخبره بعض المقرّبين منه عن أرملة جميلة، هي كريستينا ابنة ملك الدنمارك الذي تربطه علاقة قربى مع بعض أباطرة روما القدماء. في ذلك الوقت، أي حوالي منتصف القرن السادس عشر، لم يكن من المتيسّر دائما أن يرى الرجال النساء اللاتي يريدون الاقتران بهنّ. وكان الملوك والأمراء كثيرا ما يقرّرون زيجاتهم بناءً على صورة للمرأة المراد الزواج منها. كان عمر هنري وقتها يقترب من الخمسين، وكان متزوّجا من ثلاث نساء، لكنه كان يفكّر في الاقتران بامرأة رابعة. والأميرة الدنماركية لم تكن قد تجاوزت الثامنة عشرة من عمرها. لكن كان على الملك أن يعرف أوّلا مستوى جمالها ونوعية شخصيّتها. وكان قد سمع عنها كلاما مشجّعا من بعض أفراد حاشيته. لكنه كان بحاجة لشيء ما أكثر من مجرّد السماع. لذا أرسل رسّام البلاط هانس هولبين في مهمّة إلى الدنمارك كي يرى الزوجة الموعودة ويرسمها. كانت الدنمارك في ذلك الوقت ما تزال منتمية إلى أفكار القرون الوسطى وكانت فيها طبقة نبلاء قويّة وثقافة فروسية. وقد ذهب هولبين إلى الدنمارك وم...

ديغا والحياة الحديثة

صورة
ما أن يُذكر اسم إدغار ديغا حتى تخطر في الذهن تابلوهاته الفخمة التي تصوّر فتيات صغيرات يتحرّكن كالفراشات وهنّ يتعلّمن فنّ رقص الباليه. كان ديغا محبّا لمظاهر الحياة الحديثة. وقد رسم النساء كثيرا في لوحاته، وخاصّة نساء الطبقة العاملة وهنّ يمارسن الأعمال المنزلية اليومية من غسيل وتنظيف وكوي وخلافه. وهؤلاء النساء لم يكنّ من طبقته هو. إذ كان محسوبا على الطبقة البورجوازية الباريسية آنذاك. ورسوماته عن الطبقات الاجتماعية والمهن والسلوكيات المرتبطة بها تُعتبر من بين أفضل الأعمال التشكيلية التي تؤرّخ لتلك الفترة، أي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. على المستوى الشخصي، كان ديغا شخصا عصبيّا. وكان يعاني من ضعف النظر لدرجة أنه كان يخاف من فقدانه بصره. لكن، وربّما لهذا السبب بالذات، كان متقبّلا للآخرين وذا حساسية عالية، بحسب ما كتبه عنه الكاتب والناقد الفنّي الفرنسي إدمون دو غونكور. كان ديغا يعرف طبيعته الصعبة. وقد اعترف ذات مرّة لزميله الرسّام بيير رينوار بقوله: لديّ عدوّ واحد رهيب لا يمكنني التوافق معه. هذا العدوّ، بطبيعة الحال، هو نفسي". وقد عَرف ديغا من خلال أولئك الذ...

محطّات

صورة
قاموس الشيطان كان امبروز بيرس واحدا من أشهر الكتّاب الساخرين في أمريكا في القرن التاسع عشر. كان يكتب المقالة والقصّة القصيرة والقصيدة، كما كان كاتب عمود يوميّ في العديد من الصحف في زمانه. لكن ما أن يُذكر اسم بيرس حتى يأتي إلى الذهن كتابه المشهور قاموس الشيطان الذي ينافس أشهر الأعمال الكلاسيكية الساخرة. وهذا الكتاب عبارة عن إعادة تعريف للكثير من مفردات القاموس الانجليزي بطريقة ساخرة تتناول أحوال المجتمع والسياسة والدين. وكان المؤلّف قد كتب هذه التعريفات تباعا في إحدى الصحف الأسبوعية ثم جُمعت في كتاب عام 1911 ونُشر تحت اسم قاموس الشيطان. هنا بعض تعريفات بيرس الساخرة والطريفة.. العفو حالة من الأريحية تُظهِرها الدولة تجاه بعض مرتكبي الجرائم الذين تعرف أن معاقبتهم قد تكلّفها غالياً. السلام فترة من الخداع بين جولتين من القتال. الصادق صفة تُطلق على الشخص الأبكم والأمّي! البلادونا كلمة تعني بالإيطالية السيّدة الجميلة، وبالإنجليزية نوع من السمّ القاتل. وهذا مثال صارخ على الهويّة الأساسية لكلّ من اللغتين. فكّر مرّتين قبل أن تتحدّث إلى صديق في حاجة. الإنسا...

رينوار: الأعوام الأخيرة

صورة
"لا تضع على صدري حجرا ثقيلا. أريد أن اذهب لأتنزّه في الريف لبعض الوقت". كان هذا آخر ما طلبه الرسّام بيير أوغست رينوار من ابنه جان قبيل وفاته. وعندما توفّي في الثالث من ديسمبر عام 1919 نتيجة إصابته بالتهاب رئوي، كانت آخر كلمات قالها وهو يحدّق في لوحة صغيرة تصوّر باقة من شقائق النعمان كان قد انتهى للتوّ من رسمها: الآن بدأت أفهم شيئا ما". قبر رينوار يُميّزه شاهد بسيط من الرخام. في هذا المكان، يرقد الرسّام وإلى جواره كلّ من زوجته ألين وأبنائه الثلاثة. القبور بسيطة كبساطة الحياة التي عاشها الرسّام وكرّسها كليّا لفنّه ولتصوير السعادة. وما يزال بالإمكان زيارة محترفه المتواضع في الجزء الخلفيّ من حديقة منزل العائلة الذي تشغله الآن صوفي رينوار، إحدى حفيداته. المحترف فارغ إلا من كرسيّ وحامل لوحة كان رينوار يستخدمهما عندما أصبح معاقا. ويتفرّع عنه عدّة مسارات كان الفنّان يسلكها، إمّا مشياً على الأقدام أو بالدرّاجة الهوائية، عندما يبحث عن موضوعات ليرسمها. مناظر رينوار لا تخلو من صور لأطفال وأزهار ونساء يتحمّمن في غابات مضيئة أو أنهار من الفضّة. موهبته المبكّرة أهّلته لحيا...

رجل الغيم

صورة
للحظات، شعرتُ بالغيرة من الغيوم. لماذا كان يحدّق فيها باحثا عن ملاذ عندما كنت بجانبه؟! كاميلا شمسي، روائية وكاتبة باكستانية لزمن طويل، ظلّت الغيوم مصدرا لاهتمام وافتتان البشر، رغم أن تصنيفها من قبل خبراء الأرصاد تمّ فقط في وقت مبكّر من القرن التاسع عشر. ترى، هل الغيوم كائنات؟ هل هي ظواهر؟ شكل من أشكال الإدراك؟ صحيح أننا أصبحنا اليوم نعرف الكثير من أسرار الغيوم، مثل أنها تتشكّل عندما يرتفع الهواء الرطب إلى طبقات الجوّ العليا ومن ثمّ يبرد ويتكثّف متحوّلا إلى مطر. لكن ازدياد شعبية هواية اكتشاف الغيوم وتعقّبها يوحي بأنها ما تزال تخفي أكثر ممّا يمكن للعين أن تراه. الغيوم تجذب العين إلى أعلى، إلى حيث ديناميات الفضاء والسماء الواسعة، مثل الحركة والارتفاع والمسافة. وبالنسبة إلى معظمنا، فإن الغيوم تثير الأفكار والحالات الداخلية المرتبطة بالتسامي والتأمّل والعزلة. الغيوم محيّرة، ليس لأنها تتكوّن من مزيج من العناصر، أو لأنها تغيّر شكلها باستمرار، ولكن لأنها تتحدّى الظواهر المرئية. نقطة التحوّل في فهم الإنسان لظاهرة الغيوم حدثت في أوائل القرن التاسع عشر، عندما نشر العالم الانجل...

الفنّ في زمن الحرب

صورة
كثيرا ما تقترن باريس في الأذهان بكونها مدينة الهدوء والدّعَة والترف، حيث الموسيقيون الذين يعزفون ألحانهم في الطرقات، وأصوات نغمات الكمان والأكورديون التي تصدح في الليل، وأزهار الربيع التي تنشر شذاها في أجواء أمسيات المدينة الحالمة. لكن هذا لم يكن حال باريس في عام 1870. فقد قرّر الفرنسيّون آنذاك، بزعامة نابليون الثالث، شنّ حرب على بروسيا. ونتيجةً لذلك، انفتحت بوّابات الجحيم على مصاريعها في باريس خلال خريف وشتاء ذلك العام. وكما يحدث عادة عندما يشتبك بَلَدان في حرب، فقد فرّ السكان -أو على الأقلّ أولئك الذين لم يتحمّلوا الحرب- محاولين البحث عن ملاذ آمن خارج مناطق القتال. ولم تكن توقّعات الإمبراطورية الفرنسية المترهّلة بإحراز نصر سريع وحاسم متطابقة مع إمكانيات آلة الحرب البروسية الضاربة وإصرار البروسيين على إحباط الهجوم الفرنسيّ. وبعد هزيمة الفرنسيين في سبتمبر من ذلك العام، تدهورت الحياة على نحو خطير في باريس. وواجه الفنّانون تحدّي الحرب بوسائل مختلفة. بعضهم هرب إلى لندن أو بروكسل، كما فعل كلّ من كلود مونيه وأوجين بُودان وشارل دوبينييه. أما كميل بيسارو، فرغم أنه كان يعيش بأمان ...

محطّات

صورة
أوراق الخريف الرسّامون الذين يتقنون تصوير الفصول هم في الغالب محبّون للطبيعة وملاحظون عن قرب لما يطرأ عليها من أحوال وتغيّرات. أحيانا تنظر إلى لوحة ما فيخطر بذهنك أن الرسّام أودع فيها إشارة أو أكثر تقول لك مسبقا عن أيّ وقت في اليوم وعن أيّ فصل تتحدّث، وذلك من خلال الألوان وعرض ضربات الفرشاة وكثافة الطلاء. وبالنسبة للرسّامين، لا ينافس الربيع في جماله ورونقه سوى الخريف. والخريف ليس مجرّد طور من أطوار الطبيعة، وإنما حدث تتغيّر فيه الحياة وحركة وإيقاع الأشياء بشكل جذريّ. وهناك مناطق كثيرة في العالم معروفة بجمال خريفها وبالمناظر الأخّاذة للسماء الخريفية وأوراق الشجر المتساقطة، التي تختصر بعض بهاء فصل الخريف. وعلى الرغم من أن ألوان الخريف لا تدوم طويلا، إلا أن هذا الفصل من السنة أصبح فكرة مفضّلة في الشعر والموسيقى والرواية والتصوير الفوتوغرافي. وهو عند البعض رمز للتحوّل والتغيير والولادة الجديدة. بينما يرى فيه آخرون رمزا لدورة الحياة والموت التي تمرّ بها جميع الكائنات والمخلوقات. وفي الأحلام، يقال أن منظر أوراق الخريف المتساقطة قد يعني أن ذكريات الإنسان ومهاراته الق...

فيتشين: جسر بين ثقافتين

صورة
"كان شتاء عام 1920 واحدا من أصعب الشتاءات في تاريخ الثورة الروسية. كان كلّ شيء يتّجه للأسوأ. وأصبح المواطنون المتحمّسون لرؤية روسيا جديدة وحرّة جائعين ونصف متجمّدين وجدّ مكتئبين. كان الوضع الاقتصادي في البلاد كلّها قد وصل إلى حالة يُرثى لها. أضف إلى ذلك أن الشتاء البارد بشكل غير عاديّ أنهك الناس أكثر وجعلهم فريسة للصقيع والظلام، وقبل كلّ شيء الجوع. وما بين الموجات المخيفة من فقدان التعاطف الإنساني وعدم اكتراث الطبيعة، كان يتعيّن علينا أن نتحوّل إلى الطبيعة وأن نصلّي من أجل الرحمة". - من مذكّرات الكسندرا فيتشين "مسيرة الماضي" في فترة عصيبة من التاريخ، كان نيكولاي فيتشين (1881-1955) يدرس في مدرسة الفنّ في كازان. كان يتنقّل جيئة وذهابا باستخدام القطار على خط موسكو - كازان في عطلة نهاية الأسبوع. وبالإضافة إلى مشاكل النقل ونقص الطعام والوقود، كان من الصعب عليه أيضا تدبير الألوان وقماش الرسم. في سيرته الذاتية، يقول فيتشين عن فترة دراسته آنذاك: كان البرد لا يطاق في الداخل. كنّا نرسم على معاطف الفرو والقفّازات والأحذية الثقيلة. كان من المستحيل خلع الم...

جمال التفاصيل

صورة
هناك الكثير من التفاصيل والأشياء الصغيرة التي قد تفوتنا ملاحظتها في بعض الأحيان. وأحيانا، تستطيع أن تكتشف في لحظة واحدة ما لا تستطيع اكتشافه في يوم كامل. وأتفه الأمور، ظاهريا، قد تنطوي على جمال عظيم إذا ما أتيح لها عين مبصرة ومتيقّظة. ضربات أجنحة طائر. قطعة من شوكولاتة جيّدة الصنع تذوب حقّا في فمك. مشوار بالسيّارة إلى مكان هادئ وبعيد عن الزحام والضجيج في ليلة شتوية، بعد أن تسكن الرياح وتصمت حتى الحيوانات والحشرات الصغيرة. عندما توقف محرّك السيارة وأنت جالس بداخلها، ستستمع وتستمع إلى أن تسمع الصمت نفسه وهدير اللاشيء. رينوار كان شغوفا كثيرا بالأشياء التي قد تبدو تافهة في الظاهر. وكثير من لوحاته تتضمّن موضوعا مهيمناً. قد يكون شخصا ما، أو مجموعة من الناس، أو جمادا مرسوما بشكل بارز في وسط اللوحة. هذه الأشياء المسيطرة هي فقط الطبقة السطحية في اللوحة. والهدف منها تشتيت انتباه الناظر. قد تكون الشخصية المهيمنة آسرة. امرأة جميلة، على سبيل المثال. لكنّها في الوقت نفسه، وفي أحيان كثيرة، قد تكون بسيطة ومملّة. اللعبة الحقيقية في لوحات رينوار تتضمّن مشهدا غير مرئي بما فيه الكفاية في الخلفية. في ك...

دردشة مع فرناندو بوتيرو

صورة
الرسّام الكولومبي فرناندو بوتيرو شخص مثير للجدل. النقّاد لا يستسيغونه كثيرا. بينما يتنافس جامعو الأعمال الفنية على شراء واقتناء لوحاته. شهرته في بلده كولومبيا لا تختلف عن شهرة مواطنه الروائي غارسيا ماركيز. ورغم ارتباطه الكبير بوطنه، إلا انه لا يقضي فيه أكثر من شهر واحد في السنة لأسباب أمنية. وفي كلّ الأحوال، لا ينام بوتيرو في بيته إلا بصحبة شخصين أو ثلاثة، كما يستخدم في تنقّلاته اليومية سيّارة مضادّة للرصاص. بوتيرو حلّ مؤخّرا في لندن، وكانت تلك مناسبة للحديث معه وسماع بعض الحكايات منه عن الاختطاف والفساد وسرّ حبّه للنساء البدينات. بوتيرو رجل غاضب غالبا. وقد أتى إلى لندن لحضور أوّل معرض يقام للوحاته في المملكة المتّحدة منذ 26 عاما. "لا أحد دعاني إلى هنا. وإحساسي أن هذا الأمر قد يكون مجرّد مصادفة". غير أن بوتيرو يعتقد انه محظور. "لقد ظلّ النقّاد يكتبون عنّي طوال حياتي بغضب وحنق". لوحات بوتيرو، التي يصوّر فيها جنرالات كولومبيا وصالات الرقص ومحلات الدعارة والرهبان والأساقفة وأفراد الطغمة العسكرية الحاكمة، معروفة في جميع أنحاء العالم. بعض نقّاد الفنّ المعاصر يصفون...