المشاركات

عرض المشاركات من مايو 24, 2026

ظِلّ المسافر

صورة
في صيف عام 1694، أكمل ماتسو باشو عامه الخمسين. غادر الشاعر إيدو للمرّة الأخيرة، وقضى بعض الوقت في أوينو مسقط رأسه، ثم في كيوتو. في ذلك الوقت، كان باشو يعكف على تأليف آخر أعماله "الطريق الضيّق إلى أقاصي الشمال". وقد أنجز هذا الكتاب قبيل وفاته في نفس تلك السنة، وهو عبارة عن يوميّات سفر تمزج بين النثر والشعر، وثّق فيها رحلته الملحمية التي امتدّت لمسافة 1500 ميل عبر براري شمال اليابان. ❉ ❉ ❉ منذ حوالي عشر سنوات، تخلّيتُ عن حياة المدينة. والآن أقترب من الخمسين، وأبدو كحلزون بلا قوقعة، وتعلو وجهي سُمرة بفعل لفح شمس كيساكاتا الحارقة، بينما أعاني من كدمات في كعبي من أثر المشي على شواطئ بحر الشمال الوعرة. وها أنا ذا الآن أسبح بين أمواج بحيرة بيوا. خلف إيشياما، يقع تلّ اشتُقّ اسمه من معبد قديم. وإذا عبرتَ الجدول الضيّق الذي يجري بجانبه ثم صعدتَ المنحدر، فستصل إلى مزار هاتشيمان. عادةً، لا يزور المكان إلا القليل من الناس، وهو مُهيب وساكن للغاية. وبجانب المزار كوخ مهجور، مصنوع بابه من القصب، وتنمو الشجيرات وأعشاب الخيزران على أفاريزه، والسقف يتسرّب منه الما...

خواطر في الأدب والفن

صورة
كان الرسّام سلفادور دالي مولعا بتناول الطعام الفاخر في مجموعات كبيرة، وعلى موائد طويلة، مع نبيذ فاخر، في أفضل مطاعم باريس ونيويورك. وكان يصرّ دائما على دفع الفاتورة بنفسه. وعندما يحين وقت الدفع، كان يوقّع الشيك بهدوء وثِقة. وقبل أن يسلّمه للنادل، كان يقلِب الورقة ويرسم على ظهرها رسما تخطيطيا سريعا: أفيال، خيول، أشكال سريالية. ثم يوقّع أسفل الرسم ويسلّم الشيك للمطعم. كان الرسّام يعلم تماما ما سيحدث بعد ذلك. لن يبادر صاحب المطعم لصرف الشيك. بل سيضعه في إطار ويعلّقه على الحائط في أفضل مكان في قاعة الطعام. لوحة أصلية ومؤطّرة لدالي تفوق قيمتها سعر أيّ وجبة. وقد احتفظت مطاعم عديدة بالشيكات التي تحمل رسومات دالي وتواقيعه كتذكارات لا تقدَّر بثمن. ويقال إن هذا تكرّر مرّات عديدة على مرّ السنين، في باريس ونيويورك. في إحدى الليالي، في مطعم باريسي، طلب دالي من النادل ورقة، ثم رسم عليها فيلا رافعاً خرطومه، ووقّع أسفل الرسم، ثم سلّمها له. وربح اسم المطعم كثيرا من هذه الصفقة. لم يكن ما فعله دالي مجرّد غرابة أطوار، بل كان إدراكا منه بأن قيمة حضوره وتوقيعه قد تجاوزت بالفعل سعر أيّ قائ...

نصوص مترجمة

صورة
أجلسُ لتأليف كتاب مرّة كلّ أربع أو خمس سنوات، وعادة ما يستغرق الأمر عاما لإنجازه. أقصر مدّة استغرقها تأليف كتاب كانت تسعة أشهر، وأطول مدّة كانت ثمانية عشر شهرا. أقضي معظم وقتي في زيارة المكتبات، وأبعث رسائل إلكترونية إلى مؤرّخين آخرين في نفس المجال. ثم أقرأ المصادر الثانوية من جميع الكتب السابقة حول الموضوع. وبعدها يأتي وقت الأرشيف بصحبة حاسوبي الخاص. عندما أكون جاهزا للكتابة، يكون النصّ قد بلغ 400 صفحة على الأقل. هي عملية بطيئة، لكنها تعني أنه عندما تبدأ الكتابة، تكون الاقتباسات متاحة بالفعل على الحاسوب، وجاهزة للنسخ واللّصق. في المرحلة الأخيرة، أتوقّف عن الخروج كثيرا، ولا أتناول الغداء خارج المنزل أبدا. أستيقظ في الخامسة والنصف صباحا. أضع نسخة مطبوعة من الفصل الذي أعمل عليه بجانب سريري. وعندما أستيقظ، أصعد إلى سطح المنزل وأنا بكامل نشاطي، فأعيد قراءة ما كتبته وأصحّح الأخطاء في النسخة المطبوعة. يستغرقني كتابة فصل واحد حوالي شهر. وبحلول نهاية الشهر، أكون قد راجعت كلّ شيء حوالي ثلاثين مرّة، وأعيد تحريره كلّ صباح. لا أفعل ما يفعله الروائيون، أي كتابة مسوّدة أوّلية ثم العود...