المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف كورساكوف

خواطر في الأدب والفن

صورة
يركّز الرسم الصيني من منظور الكونفوشية على تمجيد فضائل الإحسان والصلاح واللياقة، والتي تجسّد القيم الأخلاقية والمثل الاجتماعية. والطاوية، بدعوتها إلى التوحّد مع الطبيعة والسعي إلى التوازن، تنبع بعمق من المناظر والعناصر الطبيعية داخل بيئة الرسم الصيني. فالجبال والأنهار وأشجار الخيزران، التي يُنظر إليها كرموز للنزاهة والمرونة والتواضع، لا تصوَّر فقط لجاذبيّتها الجمالية، بل باعتبارها تجسيدا للتعايش المتناغم بين الين واليانغ ورمزا للبحث الطاويّ عن التوازن والهدوء. والبوذية، بتأمّلاتها في المعاناة وعدم الثبات والتنوير، تنعكس في الرسم لتوضّح عوالم الوجود البشري والمسارات المؤدّية إلى اليقظة الروحية. وتشكّل زهرة اللوتس، التي تخرج نقيّة من الوحل، زخارف متكرّرة ترمز إلى النقاء والتنوير في خضمّ معاناة العالم. إن التيّارات الفلسفية المتعدّدة والكامنة في الرسم الصيني تنتج سردا يتجاوز مجرّد المتعة الجمالية، ليتحوّل الرسم إلى تساؤلات وجودية وأخلاقية وكونية. لذا فإن النظر إلى لوحة صينية يعني الدخول في حوار مع حكماء العصور القديمة والتأمّل في التشابك بين الطبيعة والروح والإبحار عبر المس...

الربيع في الموسيقى الكلاسيكية

صورة
في الموسيقى الكلاسيكية مؤلّفات كثيرة تحتفل بالفصول الأربعة وبالتغيّرات التي تطرأ على الطبيعة مع مقدم كلّ فصل. وأوّل عمل موسيقيّ يخطر بالبال عند الحديث عن الفصول هو كونشيرتو الفصول الأربعة للمؤلّف الموسيقيّ الايطاليّ انطونيو فيفالدي. أيضا لا يمكن نسيان سيمفونية الرعاة التي ألّفها بيتهوفن وصوّر فيها مشاهد وأصوات الطبيعة في فصل الربيع. الربيع، بشكل خاصّ، له مكانة خاصّة في الموسيقى الكلاسيكية. وليس هناك من احتفل بالربيع وأجوائه وطقوسه كالمؤلّفين الموسيقيين الروس، وهي ظاهرة نجدها أيضا في الأدب والشعر الروسيّ. تشايكوفسكي، مثلا، كتب كونشيرتو اسماه الفصول . هذا الكونشيرتو يتألّف من اثنتي عشرة حركة، كلّ منها مخصّص لشهر من أشهر السنة. والمؤلّف في كلّ قطعة يصوّر مشاعره وانفعالاته وتجاربه، وكذلك مشاهد الحياة المرتبطة بكلّ فصل. الحركة المخصّصة لشهر مارس، مثلا، وعنوانها أغنية القبّرة ، تستثير مزاجا يذكّر ببدايات الربيع. وعندما تبدأ الأرض بالظهور وسط الثلج الذي يكون قد ذاب شيئا فشيئا مع بزوغ أوّل خيوط ضوء الشمس التي تلامس وجه الطبيعة الناعسة، يبدأ غناء القبّرات معلنةً للعالم عن مقدم...

عصر تولستوي وتشايكوفسكي

صورة
يزخر الرسم الروسي بالعديد من بورتريهات الكتّاب والموسيقيين والممثّلين ورعاة الفنّ في روسيا. وبعض تلك البورتريهات يعود تاريخها إلى زمن آخر القياصرة، ثمّ الثورة والعهود التي تلتها. أحد الكتّاب تأمّلَ في صور هذه الشخصيات الروسية واكتشف انه يندر أن ترى واحدا منها وهو يبتسم. ربّما كان هناك اعتقاد شائع بأن البورتريه مثل الحديث المتوتّر بين الرسّام وجليسه، يمكن أن يقرّبنا من الموضوع أكثر ممّا تفعله الصور الفوتوغرافية الحديثة. وهذا أحيانا صحيح. في البورتريه الذي رسمه فاسيلي بيروف لدستويفسكي نقف وجها لوجه مع الروائيّ الكبير. وهو في الصورة يبدو في حالة انحناء ويرتدي جاكيتا بنّيّ اللون، نظراته منسحبة وبعيدة، بينما أصابعه متشابكة. الضوء يلمع على جبينه الفتيّ. وعلى شعره ولحيته ونظراته المتحفّظة ثمّة إحساس بالإنهاك وتركيز داخليّ مثير للاهتمام. كان دستويفسكي في ذلك الوقت ما يزال يعيش ذكريات اعتقاله المريرة قبل ثلاثين عاما عندما كان في الثامنة والعشرين من عمره على خلفية انتسابه لجماعة بتراشيفسكي الراديكالية. وقد سيق إلى معسكرات العمل الشاقّ في سيبيريا واُجبر على الخدمة في الجيش، وهو ما أ...

موزارت: القدّاس الجنائزي

صورة
من أكثر أعمال الموسيقى الكلاسيكية شهرة وإثارة وغرابة القدّاس الجنائزي لموزارت. وأحد أهمّ الأسباب في كون هذا العمل مثيرا ومشهورا هو طبيعة القصص التي نُسجت حوله والتي يشبه بعضها الأساطير. وأنت تسمع قدّاس موزارت، يُخيّل إليك انك تمشي باتّجاه حفرة كبيرة. والحفرة تقع على الجانب الآخر من هاوية لا يمكن أن تراها إلا عندما تصل إلى حافّتها. موتك ينتظرك في هذا الجُبّ. وأنت لا تعرف هيئته ولا صوته ولا رائحته. أيضا أنت لا تعرف ما إذا كان جيّدا أو سيّئا. فقط تمشي باتجاهه. إرادتك عبارة عن آلة كلارينيت وخطى قدميك مجموعة من آلات الكمان. وكلّما اقتربت من الحفرة، كلّما ساورك إحساس بأن أمرا ما مرعبا ينتظرك هناك. ومع ذلك فأنت تمرّ بهذا الرعب كنوع من النعمة أو المنحة. مشيك الطويل ما كان ليكون له معنى لولا وجود هذه الحفرة في نهايته. وأنت تحدّق في الهاوية، تسمع فجأة ضوضاء أثيرية تتهشّم فوقك. في الحفرة ثمّة جوقة كبيرة. هذه الجوقة هي المُضيف السماويّ، وفي الوقت نفسه جيش الشيطان. وهي أيضا كلّ شخص أحدث فيك تغييرا أثناء حياتك على هذه الأرض: الأفراد الكثيرون الذين أحبّوك، عائلتك، أعداؤك، والنساء ال...

موزارت و سالييري

صورة
في صباح الخامس من ديسمبر عام 1791م، توفّي وولفغانغ اماديوس موزارت عن خمسة وثلاثين عاما. وبعد وفاته بأيّام، نشرت إحدى صحف برلين تحقيقا يشير إلى أن جسد الموسيقيّ كان متورّما بعد موته، الأمر الذي يوحي باحتمال انه مات مسموما. لكنْ من كان يتمنّى موت موزارت؟ أرملته، كونستانزا، لم تتحدّث كثيرا عن قصّة السمّ، ومن ثمّ لم تشر بإصبع الاتهام إلى احد. وقد نسي الناس الحكاية لبعض الوقت. غير أنها بُعثت من جديد بعد ذلك بثلاثين عاما. ولم يكن المشتبه به في موت موزارت سوى زميله الموسيقيّ الإيطالي انطونيو سالييري. كان سالييري يكبر موزارت بخمس سنوات فقط. وقد اختاره الإمبراطور جوزيف الثاني موسيقيّا للبلاط عام 1774م. كان عمره وقتها أربعة وعشرين عاما. وعندما وصل موزارت إلى فيينا بعد ذلك بسبع سنوات، كان سالييري يحظى بالكثير من الاحترام، خاصّة لدى أفراد الطبقة الارستقراطية. ولم يمض وقت طويل حتى أصبح سالييري ينظر إلى موزارت باعتباره منافسا وموسيقيّا عبقريّا لا يمكن أن يجاريه احد. والكثيرون في أوساط الموسيقى في فيينا لم يكونوا يشكّون في حقيقة أن سالييري كان يضمر الحسد لـ موزارت. ولم يكن موزارت نفسه حريص...

أصداء الليالي العربية

صورة
عندما تُرجم كتاب ألف ليلة وليلة إلى الانجليزية والفرنسية في بدايات عصر التنوير الأوربّي، أصبح أفضل الكتب مبيعاً بين المثقّفين الغربيين، في حين كان ما يزال يُنظر إليه في العالم العربي باعتباره مجرّد مجموعة من الحكايات الشعبية الرخيصة. وعلى امتداد تاريخها الطويل، فتنت الليالي العربية الكثير من الكتّاب والفنّانين، من غوستاف فلوبير وأوسكار وايلد وغارسيا ماركيز، إلى نجيب محفوظ وإلياس خوري وريمسكي كورساكوف ودوغلاس فيربانكس وآخرين. الباحثة والروائية مارينا وورنر تحاول من خلال هذه الدراسة استكشاف قوّة كتاب ألف ليلة وليلة وأثره الكبير والواسع في الثقافة الغربية المعاصرة. في بعض الليالي المؤرّقة، وعلى الرغم من المفروشات الوثيرة في غرفة نومه الملكية أو الأنغام المهدّئة التي يعزفها له موسيقيّوه أو حتى الاهتمام الرائع الذي تبديه واحدة أو أكثر من محظيّاته الثلاثمائة، لم يكن الخليفة العبّاسي العظيم هارون الرشيد يستطيع النوم بسهولة. كان من عادة الخليفة أن يتمشّى بصحبة مرافقه المفضّل مسرور في حدائق القصر أو في أسواق بغداد متنكّرا. وكان أحيانا يستدعي العلماء ليتبادلوا معه أطراف الحديث كعلاج...

قصص ما قبل النوم

صورة
بعض الأعمال الموسيقية العظيمة لا تحتاج سوى إلى ومضات سريعة من الإلهام والخيال حتى تتجسّد وتكتمل. وشهرزاد هي مثال على هذا. فقد كتبها نيكولاي ريمسكي كورساكوف في فترة لا تربو على الثلاثة أشهر. ومع ذلك انتشرت بسرعة واشتهرت على نطاق واسع وأصبحت اليوم من بين أفضل الأعمال الكلاسيكية التي تُعزف بانتظام. وقد اعتمد كورساكوف في تأليفها على حكايات ألف ليلة وليلة. وكلّ مقطع في شهرزاد يعبّر عن صورة ما أو عن مزاج معيّن في تلك الحكايات. وقد اختار الموسيقيّ أن يطلق على كلّ حركة من الحركات الأربع عنوانا وصفيا خاّصا به. فالحركة الأولى اسمها البحر وسفينة السندباد. والحركة الثانية تصوّر حكاية الأمير كالندار الذي يتخفّى في الحكاية بقناع ساحر أو مهرّج. والحركة الثالثة تصوّر قصّة الحبّ بين الأميرة بدور والأمير قمر الزمان. والحركة الرابعة تصوّر سلسلة مشاهد تبدأ بالمهرجان في بغداد ثمّ مشهد البحر فتحطّم السفينة. على أن أهمّ سمة في هذا العمل الموسيقي الجميل هي صوت الكمان المنفرد الذي يُسمع في كافّة أجزائه. أنغام الكمان السائلة في شهرزاد تولّد إحساسا رومانسيا عميقا تتخلّله بين وقت وآخر لحظات تأمّل وحزن وشجن...

فنّ البورتريه: صورة المبدع

صورة
الهدف المشترك للكاتب والرسّام والموسيقي هو التقاط المَشاهد أو الحالات الانفعالية والمزاجية وتصويرها ومحاولة إبراز الرؤى المنفردة على الورق أو رقعة الرسم أو من خلال النغم. الكتّاب يكتبون غالبا عن الفنّانين والموسيقيين في الروايات والمقالات والسير الذاتية. بينما الرسّامون يصوّرون الكتّاب والموسيقيين الذين عرفوهم وأولئك الذين يجدون في حياتهم ما يدفعهم الفضول لرسمه. وكثيرا ما يرسم الرسّامون بوتريهات للكتّاب أو الموسيقيين لكي تراهم الأجيال القادمة. لكن أفضل اللوحات هي التي تأتي من تصوّر واضح أو علاقة خاصّة بالموضوع. ومثلما أن للموسيقى والرسم علاقة مشتركة باللون والنغم والشكل والإيقاع، فإن تصوير الملحّنين والموسيقيين يتطلب مهارة محدّدة لإيصال الموسيقى داخل روح الموضوع. غوته أديب وعالم وفيلسوف ألماني من زعماء حركة العاصفة والاندفاع الأدبية. تطوّر فنّه وزادت خبرته بعد زيارته لايطاليا وتأثّره بالثورة الفرنسية. في العام 1786 سافر غوته إلى ايطاليا. ومن هناك كتب إلى أصدقائه في ألمانيا يخبرهم بانطباعاته ومشاهداته عمّا أصبح يُعرف في ما بعد بالرحلة الايطالية. كان غوته مدفوعا بدراسة السمات الطبي...

أجواء روسيّة

صورة
أوّل مرّة سمعت فيها موسيقى موديست موسوريسكي "ليلة على الجبل الأجرد" كانت منذ سنوات في احد برامج الدراما أو لعله كان برنامجا وثائقيا. والحقيقة أن هذه القطعة بالذات ليست من تلك النوعية من الموسيقى التي يتمنّى الإنسان أن يسمعها في كلّ حين. فهي موسيقى متوتّرة، مظلمة بل وعنيفة إلى حدّ ما. لكنها مشهورة جدّا، وقد عرفها الناس أكثر بعد أن وظفت في الفيلم المشهور اوديسّا الفضاء. والمقطوعة تذكّرنا أجواؤها إلى حدّ كبير بالموسيقى المسماة طيران الفالكيري لـ ريتشارد فاغنر، وبموسيقى ريتشارد شتراوس هكذا تحدّث زرادشت Thus Spoke Zarathustra المستوحاة من عنوان رواية لـ فريدريك نيتشه. موسوريسكي استلهم هو الآخر معزوفته من قصّة قصيرة للكاتب الروسي غوغول يمزج فيها بين حكايات الجان والقوى الغريبة بأسلوب فلسفي وتأمّلي. وتزدحم القصّة بمشاهد الغربان والساحرات والأرواح والأشباح والليل والظلام وأجراس الكنائس. إلى آخره. والانطباع الذي تثيره هذه الموسيقى في النفس هو مزيج من الخوف والترقّب. وما يكثف هذا الإحساس في نفس السامع بدايتها الدراماتيكية الصاخبة التي تصوّر لحظة وصول الآلهة السوداء إلى الجبل الأ...

الفصول الأربعة

صورة
لو كان انتونيو فيفالدي ما يزال حيّا لكان عمره اليوم 330 عاما. ورغم أن هذا مجرّد افتراض بعيد الوقوع، فإن الأمر المؤكد هو أن فيفالدي ما يزال حيّا بالفعل من خلال موسيقى كونشيرتو الفصول الأربعة الذي ما يزال يعزف إلى اليوم ويستمتع به الناس ويتحدّثون عنه بعد كلّ هذه السنوات الطويلة. وهناك شبه إجماع في أوساط المهتمّين بالموسيقى بأن هذا الكونشيرتو الذي كتبه فيفالدي وعمره لا يتجاوز الخامسة والعشرين هو أشهر عمل موسيقي كلاسيكي، بل وأكثر الأعمال الموسيقية رواجا وشعبية على مرّ العصور. انه حتى أكثر شعبية وانتشارا من السيمفونية الخامسة لـ بيتهوفن أو السيمفونية الأربعين لـ موزارت أو موسيقى الماء لـ هاندل ومن وترية بــاخ ومن كارمن لـ جورج بيزيه ومن كونشيرتو البيانو لـ تشايكوفسكي ومن مارش كلارك ومن تأمّل شومان الصامت ومن شهرزاد كورساكوف .. لكن كيف تحقق ذلك؟ كيف أمكن لبضع نوتات موسيقية كتبت على ورقة صغيرة قبل ثلاثة قرون أن تعيش طوال هذه السنوات بل وأن تصبح برأي بعض النقاد احد أشهر معالم الألفية الماضية دون أن يخفت بريقها أو يخبو سحرها أو يتوقف الناس عن سماعها. قد يكون احد الأسباب – بالإضافة طب...