استهلالات روائية


تُعدّ الجملة الأولى في رواية ما حاسمة، بالنسبة للكتّاب الذين يريدون جذب انتباه وكيل أدبي أو محرّر أو قارئ. وما من كاتب إلا ويرغب في ابتكار شيء يثير الفضول ويشير إلى أسلوبه الفريد في الكتابة.
والعمل على الجمل الافتتاحية أمر مثير للتفكير، وكذلك قراءتها. لكن المشكلة الأكبر تكمن في هذا السؤال: هل سترقى الجمل التالية إلى مستوى الجملة الأولى؟!
ربّما لو كان ديكنز وبرونتي وماركيز وكازانتزاكيس وتولستوي ما يزالون ينشرون أعمالهم الى اليوم، لأسعدوا وكلاءهم وناشريهم. فلطالما اجتذبت كلماتهم الافتتاحية القرّاء وأصابت الهدف بدفعهم لمواصلة القراءة.
لكن كيف يتحقّق ذلك؟ كيف يختار الكاتب، كمُفتَتح لروايته، جملة تدهش القارئ وتثير اهتمامه؟ قراءة عيّنات من الجمل الافتتاحية المشهورة لبعض الروايات المهمّة يمكن أن تقدّم بعض الدروس حول كيفية جذب انتباه القارئ..

❉ ❉ ❉

  • "كان يوما مشرقا باردا في شهر أبريل، وكانت الساعة تدقّ الثالثة عشرة".

  • "بعد سنوات كثيرة، وبينما كان يواجه فرقة الإعدام، عاد الكولونيل أوريليانو بوينديا بالذاكرة إلى تلك الظهيرة البعيدة، عندما أخذه والده لاكتشاف الثلج".

  • "في قرية لامانشا، في مكان لا أرغب في تذكّر حتى اسمه، عاش منذ وقت ليس ببعيد رجل نبيل من أولئك الذين يقتنون رمحا وترسا قديما وحصانا نحيلا وكلبا سلوقيّا للسباق".

  • "صرخة تدوّي في السماء".

  • "كلّ العائلات السعيدة متشابهة. لكن كلّ عائلة تعيسة هي تعيسة بطريقتها الخاصّة".

  • "كانت ليلة مظلمة وعاصفة، هطل المطر بغزارة إلا في فترات متقطّعة، حين كانت تكبحه عاصفة هوجاء تجتاح الشوارع فتحدث دويّا على أسطح المنازل، وتزعزع بشدّة لهب المصابيح الخافتة التي تكافح الظلام".

  • "انقشع البرد عن الأرض على مضض، وكشف الضباب المتلاشي عن جيش ممتدّ يستريح على التلال".

  • "سمعت هذه القصّة من أشخاص مختلفين. وكما يحدث عادة في مثل هذه الحالات، كانت كلّ رواية مختلفة".

  • "ذات مرّة، جرّ رجل غاضب والده على الأرض عبر بستانه. صرخ الرجل العجوز المتأوّه أخيرا: توقّف! توقّف! لم أجرّ والدي إلى أبعد من هذه الشجرة".
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • "صحيح، أنا نزيل في مستشفى للأمراض العقلية، حارسي يراقبني ولا يدعني أغيب عن ناظريه أبدا. هناك ثقب في الباب، وعين حارسي البُنيّة اللون لا تستطيع أبدا أن ترى من خلال عيون زرقاء مثلي".

  • "كان رجل عجوز يصطاد السمك وحيدا في قارب صغير في تيّار الخليج، وقد مضى عليه أربعة وثمانون يوما دون أن يصطاد سمكة".

  • "بعد أن وضعت في فمي ما يكفي من الخبز لمضغه لمدّة ثلاث دقائق، سحبت حواسّي وانزويت في خلوة ذهني، وارتسمت على عينيّ ووجهي نظرة شاردة ومنشغلة".

  • "ولدت عام ١٦٣٢ في مدينة يورك لعائلة كريمة، وإن لم تكن من تلك البلاد. فوالدي كان أجنبيا من بريمن، استقرّ أوّلا في هال. جمع ثروة طائلة من التجارة، وبعد أن تركها، استقرّ في يورك، حيث تزوّج والدتي التي كانت تنتمي لعائلة روبنسون، وهي عائلة مرموقة في تلك البلاد، ومنها سُمّيت روبنسون كرويتزنر. ولكن بسبب تحريف الكلمات الشائع في إنغلترا، أصبحنا نُعرف، بل نسمّي أنفسنا ونكتب اسمنا كروزو، وهكذا كان رفاقي ينادونني دائما".

  • "لا بدّ أن أحدهم قد افترى على يوسف ك.، ففي صباح أحد الأيّام، ودون أن يرتكب أيّ خطأ حقيقي، تمّ القبض عليه".
  • ❉ ❉ ❉

    يبدأ تولستوي روايته "آنا كارينينا" بمقولته الشهيرة عن الفرق بين العائلات السعيدة والتعيسة. لا نعرف كيف يبدو النصّ الروسي الأصلي، لكن لا يوجد شيء مميّز في لغة الترجمة. غير أن الفكرة مثيرة للاهتمام وتحتاج إلى لحظة لفهمها. تخبرنا تلك الجملة الأولى أن الكتاب الذي نقرأه يدور حول الذاكرة والعزلة.
    أما ماركيز فيستغرق وقتا أطول قليلا في روايته الأشهر بحديثه عن فرقة الإعدام والعقيد والثلج. لكن النتيجة شعور عميق بالاغتراب. لماذا يطلقون النار على العقيد؟ كيف يمكن اكتشاف شيء موجود منذ الأزل؟ تشير جملة الكاتب الأولى إلى الطريقة التي تُطوى بها الأزمنة وتُطمس الحدود بين الشخصي والتاريخي في روايته.
    ليست هذه الأنواع الوحيدة من الجمل الافتتاحية الناجحة. فبعضها يزرع بذور الشكّ في الكاتب أو في سياق الأحداث، بينما يقدّم بعضها الآخر عناصر الحبكة مباشرة، وفي بعض الأحيان، تُلقى علينا الجملة الافتتاحية في حوار. ليس من الضروريّ أن تبدأ الرواية الممتازة بداية جذّابة. فرواية زادي سميث "عن الجمال"، مثلا، تبدأ بجملة عاديّة نوعا ما عن سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني.
    وإذا كان بين الاستهلالات الروائية السابقة قاسم مشترك، فهو أنها تُنبئنا بأن شيئا مميّزا يحدث: أن الكاتب يسيطر على زمام الأمور. فالجملة الافتتاحية الجيّدة تضع القارئ في قبضة الكاتب تماما، إما لأن أسلوبه جذّاب أو لأن القصّة تبدو آسرة. وبطريقة أو بأخرى، من خلال النبرة أو الأسلوب أو اللغة أو الحبكة، تجعل البداية الجيّدة القارئ عاجزا عن مقاومة جاذبية الكتاب.

    Credits
    archive.org
    online-literature.com

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    أبو بكر سالم: صورة الفنّان

    الأزرق: تاريخ لون

    لقاء بين امرأة وطائر 1 من 2