المشاركات

عرض المشاركات من يناير 24, 2016

حياتان متشابكتان

صورة
كنّا في فينيسيا في أبريل، وكنت مبهورا بضوء الأكوامارين؛ ذلك الضوء الخفيف الذي يتلاعب بالأسطح المظلمة المتحرّكة للقنوات، ويلمع على الحجر والرخام، ويجمع بينهما بطرق متغيّرة. وفي كلّ مرّة أغمض عينيّ، أرى لونا أخضر إنغليزيّا للغاية، أخضر مصفرّا أكثر، يتكوّن من الضوء المتلألئ على المروج المحروثة، والضوء الأخضر الكثيف في الغابات الإنغليزية، الضوء الذي يتلاشى في جذوع الأشجار المتشابكة، والوميض على الظلال على طبقات الأوراق في الصيف. كنّا هناك لزيارة متاحف المدينة، وكنت مهتمّا جدّا بقصر ماريانو فورتشوني، الفنّان الذي لم أكن أعرف عنه شيئا، سوى أنه الفنّان الوحيد الحيّ الذي ذكر اسمَه مارسيل بروست في كتابه "البحث عن الزمن الضائع". ومع مرور الزمن، أصبحت مهتمّا أكثر فأكثر بالحرفيين: نافخي الزجاج والخزّافين وصنّاع المنسوجات، ربّما لأن اسلافي كانوا من صانعي الفخّار في مدن الفخّار الإنغليزية. في كلّ مرّة أفكّر في فورتشوني، أجد أنني كنت أفكّر أيضا في الإنغليزي ويليام موريس. كنت أستخدم موريس لفهم فورتشوني، وأستخدم فورتشوني لإعادة تخيّل موريس. الفيروز، والأخضر الذهبي. ال...

أصوات

صورة
ورثت حبّ الأصوات عن والدي رحمه الله. كان، كمعظم أبناء جيله، دائم الاستماع إلى الإذاعات، إمّا لمتابعة نشرات الأخبار أو لسماع آي من الذكر الحكيم بأصوات مشاهير المقرئين كمحمّد صدّيق المنشاوي وعبد الباسط عبدالصمد ومحمود خليل الحصري وغيرهم. ومع مرور الأيّام، وبحكم التقليد والاتّباع، انتقلت هذه الصفة إليّ. وحتى الآن أحبّ أن استمع إلى راديو السيّارة؛ المكان الوحيد هذه الأيّام الذي يمكنك فيه سماع المذيعين والمقرئين والمغنّين الذين ألفنا سماع أصواتهم منذ الصغر. وما أزال أحتفظ في ذاكرتي بالكثير من الأصوات الجميلة التي يصعب على المرء عادة أن ينساها. طبعا يستحيل على الإنسان نسيان صوت والده ووالدته وحتى بعض أقاربه مهما تقادم الزمن. لكن يصعب أيضا نسيان أصوات بعض المذيعين والمذيعات، خاصّة إن كان لها ارتباطات سيكولوجية أو ذهنية معيّنة. وهذه الأيّام كثيرا ما نتكلّم عن حوّاس الإبصار والشمّ والذوق واللمس ونُغفل الحديث عن حاسّة لا تقلّ أهمّية كحاسّة السمع. والسبب هو أن ثقافتنا المعاصرة بصرية في الغالب، إذ الصورة هي المهيمنة على كلّ ما عداها من وسائط. وللأسف لا يبدو الصوت مهمّا أمام طغيان و...