المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف ديغا

ديغا والحياة الحديثة

صورة
ما أن يُذكر اسم إدغار ديغا حتى تخطر في الذهن تابلوهاته الفخمة التي تصوّر فتيات صغيرات يتحرّكن كالفراشات وهنّ يتعلّمن فنّ رقص الباليه. كان ديغا محبّا لمظاهر الحياة الحديثة. وقد رسم النساء كثيرا في لوحاته، وخاصّة نساء الطبقة العاملة وهنّ يمارسن الأعمال المنزلية اليومية من غسيل وتنظيف وكوي وخلافه. وهؤلاء النساء لم يكنّ من طبقته هو. إذ كان محسوبا على الطبقة البورجوازية الباريسية آنذاك. ورسوماته عن الطبقات الاجتماعية والمهن والسلوكيات المرتبطة بها تُعتبر من بين أفضل الأعمال التشكيلية التي تؤرّخ لتلك الفترة، أي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. على المستوى الشخصي، كان ديغا شخصا عصبيّا. وكان يعاني من ضعف النظر لدرجة أنه كان يخاف من فقدانه بصره. لكن، وربّما لهذا السبب بالذات، كان متقبّلا للآخرين وذا حساسية عالية، بحسب ما كتبه عنه الكاتب والناقد الفنّي الفرنسي إدمون دو غونكور. كان ديغا يعرف طبيعته الصعبة. وقد اعترف ذات مرّة لزميله الرسّام بيير رينوار بقوله: لديّ عدوّ واحد رهيب لا يمكنني التوافق معه. هذا العدوّ، بطبيعة الحال، هو نفسي". وقد عَرف ديغا من خلال أولئك الذ...

علاقة الأشكال الفنّية بالحواسّ

صورة
منذ القدم، كان يُنظر إلى حاسّة البصر على أنها النموذج في اكتساب المعرفة ومن ثمّ استيعابها من قبل العقل. أرسطو ركّز على هذا وقارن عملية التذكّر بالنظر مرارا إلى لوحة. وسان اوغستين قال إنه لا غنى عن البصر في التأمّل الروحي والفكري. ومع ذلك فالأساطير القديمة حافلة بأمثلة وصور عن القلق المتولّد من حاسّة البصر، مثل قصص نرسيس وميدوسا وأورفيوس. وفي أساطير أخرى، ترتبط حاسّة اللمس غالبا بالقوى الايجابية والواهبة للحياة، كما في أسطورة بيغماليون وبروميثيوس. أما أرسطو فقد حذّر من القوى الخطيرة المرتبطة بالإيهام عند استخدام البصر. بينما أثنى كثيرا على اللمس وقال إن هذه الحاسّة هي أساس المعرفة التي يحصل عليها الإنسان من جميع الحواسّ. وهناك اليوم دراسات عديدة عن دور ووظيفة اللمس في أعمال فنّانين مثل سيزان وكاندنسكي والسورياليين. علماء الانثروبولوجيا وعلم النفس السلوكي والبيولوجيا بدءوا في تثمين حواسّ غير البصر في دراساتهم وتجاربهم. وبعض هؤلاء اقترحوا حاسّة الشمّ كبديل ممكن لما يرون انه مضامين أبوية لظاهرة التركيز على البصر في الثقافة المعاصرة. فولتير وديدرو ولوك قالوا إن اللمس حاسّة أ...

الفنّ في زمن الحرب

صورة
كثيرا ما تقترن باريس في الأذهان بكونها مدينة الهدوء والدّعَة والترف، حيث الموسيقيون الذين يعزفون ألحانهم في الطرقات، وأصوات نغمات الكمان والأكورديون التي تصدح في الليل، وأزهار الربيع التي تنشر شذاها في أجواء أمسيات المدينة الحالمة. لكن هذا لم يكن حال باريس في عام 1870. فقد قرّر الفرنسيّون آنذاك، بزعامة نابليون الثالث، شنّ حرب على بروسيا. ونتيجةً لذلك، انفتحت بوّابات الجحيم على مصاريعها في باريس خلال خريف وشتاء ذلك العام. وكما يحدث عادة عندما يشتبك بَلَدان في حرب، فقد فرّ السكان -أو على الأقلّ أولئك الذين لم يتحمّلوا الحرب- محاولين البحث عن ملاذ آمن خارج مناطق القتال. ولم تكن توقّعات الإمبراطورية الفرنسية المترهّلة بإحراز نصر سريع وحاسم متطابقة مع إمكانيات آلة الحرب البروسية الضاربة وإصرار البروسيين على إحباط الهجوم الفرنسيّ. وبعد هزيمة الفرنسيين في سبتمبر من ذلك العام، تدهورت الحياة على نحو خطير في باريس. وواجه الفنّانون تحدّي الحرب بوسائل مختلفة. بعضهم هرب إلى لندن أو بروكسل، كما فعل كلّ من كلود مونيه وأوجين بُودان وشارل دوبينييه. أما كميل بيسارو، فرغم أنه كان يعيش بأمان ...

مثالية وليام بوغرو

صورة
تنظر إلى لوحات هذا الرسّام فيدهشك أن لا ترى فيها غير صورٍ لحوريّات وعذراوات يتنزّهن في مناظر بهيّة ومشذّبة، وأمّهات يداعبن أطفالهنّ بحنوّ ومحبّة، وأطفال يشبهون الملائكة يحتضن بعضهم بعضها ببراءة وألفة. تلك هي نظرة وليام بوغرو السامية للجنس البشري. وهي نظرة مشحونة بالجمال والطلاوة والمثالية والخيال، إلى الحدّ الذي يجعلنا نتوق إلى رؤية الواقع وملامسة الأرض مرّة أخرى. كان بوغرو ينظر إلى الفنّ على انه ضرب من الجمال المثالي. وكان يبدي انزعاجه من كلّ محاولات التجريب والخروج عن المألوف. وبذا حبس الرسّام نفسه في قفص ذهبي عندما اعتقد أن الرسم يجب أن يكون عن الجمال والفرح في مقابل الواقع. وبحلول نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت لوحاته، مع لوحات معاصريه الأكاديميين مثل جان ليون جيروم و لورانس الما تاديما و الكسندر كابانيل ، قد انصرفت عنها أذواق الناس واهتمام النقّاد واستقرّ بها المقام أخيرا في أقبية المتاحف. لكن الجنود القدامى لا يموتون إلى الأبد. فمؤخّرا، ومع تجدّد الاهتمام بالأعمال الفنّية الكلاسيكية، انتعشت واقعية بوغرو ورفاقه الاكاديميين من جديد. من الصعب تصوّر الشعبية الكبيرة التي كا...

جماليّات الحزن

صورة
أحد الملامح القديمة في الفنّ الغربي هو تحويل الحزن والكآبة إلى فرح وطاقة للانطلاق والإبداع. والهيئة الأكثر شيوعا في الحالات التي تتناول موضوع الكآبة والحزن هي صورة إنسان، رجل أو امرأة، يضع يده على خدّه وهو مستغرق في التفكير والتأمّل الحزين. الفلاسفة والأدباء منذ القدم ينظرون إلى الحزن على انه دعوة خلاقة للإنسان كي يرتفع فوق ذاته ويستغلّ إمكانياته. وهناك من يعتقد أن الحزن يجعل الشخص أكثر إنسانية وشفافية وأكثر إحساسا بإيقاعات الحياة المختلفة من فرح وترح ورجاء ويأس وحياة وموت.. إلى آخره. وهناك أيضا من يرى أن الإنسان لا يصبح مكتمل الإنسانية إلا من خلال المعاناة والحزن. الحزن يمكن أن يلهم الإنسان ويقوّي مخيّلته ويجعله أكثر ارتباطا بالعالم من حوله. الشاعر البريطاني جون كيتس تحدّث كثيرا عن فائدة الألم. قال ذات مرّة: الحزن لا يمكن تجنّبه، وهو ليس ضعف إرادة ولا مرضا نفسيا بحاجة إلى علاج". كيتس اكتشف أيضا أن الحزن يلهم الأفكار العظيمة. "ما يجعلنا نحزن هو معرفتنا بأن كلّ شيء مصيره إلى زوال. لكن عندما نحسّ بدنوّ الموت فإننا ندرك كم هو جميل هذا العالم". الموسيقي الألماني فريدريك...

كورو: الانطباعية في طورها الأوّل

صورة
"كلّ شيء يبدو باهتا بينما الطبيعة تقاوم النعاس. الهواء المسائي العليل يتأوّه بين أوراق الشجر والطيور والأزهار تؤدي صلاتها الأخيرة قبل هبوط الظلام". - جان باتيست كميل كورو من المدهش أن نقرأ كثيرا من كلمات المديح عن كميل كورو من قبل جيل الرسّامين الذين بلغوا بالكاد مرحلة النضج عند وفاته. والغريب أن هؤلاء، وعلى رأسهم كلود مونيه وديلاكروا، كانوا يوقّرون كورو كثيرا رغم انه كان يتظاهر بأنه بعيد عن التطوّرات الفنّية التي حدثت بالقرب من نهاية حياته ومن بينها أعمال مونيه وزملائه الانطباعيين. أسلوب كورو في الرسم لا تخطئه العين. وبإمكانك أن تتعرّف بسرعة على طبيعته "الريشية" من قرى بلّلورية وأنهار وبحيرات موشّاة بالضباب والتي كانت تناسب ذوق الطبقة الفرنسية الوسطى في أواخر القرن التاسع عشر. إن مفهوم الحداثة الذي تبنّاه مونيه، ومناظر الحياة الحضرية التي تخصّص فيها ادغار ديغا، والتجريب المتواصل الذي ميّز هذين الفنانين وغيرهما، كلّ هذا كان يبدو متناقضا مع رؤية كورو التأمّلية عن "أركاديا" مثالية وخالدة. وعند القراءة أكثر، يتعلّم المرء انه في نهاية عشرينات القرن الما...

جدلية العلاقة بين الرسم والموسيقى

صورة
الهارموني "أو التناغم" والريثم "أو الإيقاع" هما مصطلحان موسيقيّان في الأساس. لكننا نستخدمهما عادةً عند الحديث عن خصائص لوحة ما أو عمل تشكيلي معيّن. هذا الاستهلال قد يكون أفضل دليل يوضّح ما بين الرسم والموسيقى من أواصر قربى. الناقد جيم لين يفصّل ذلك بقوله: العلاقة بين الرسم والموسيقى والنحت والأدب والشعر وثيقة بل وقديمة جدّا. إذ يمكن القول، مثلا، أن أيّ عمل نحتي ما هو في الواقع سوى لوحة ثلاثية الأبعاد. وهناك أمثلة كثيرة عن نحّاتين رسموا تماثيلهم ورسّامين نحتوا لوحاتهم. وكثيرا ما يقارَن الأدب، والشعر خاصّة، بالرسم من حيث أن الرسم له خصائص غنائية. واللوحات التي تصوّر الحياة اليومية غالبا ما يكون لها طبيعة سردية. وأحيانا يلجأ الكثير من كتّاب القصص إلى الاستعانة برسومات توضيحية من اجل تعزيز العنصر السردي في أعمالهم. الرقص والدراما، وحتى المعمار، لها نظيراتها في الرسم. وكثيرا ما يرتبط الرسم بذلك النوع من الملاحم والقصص التي تتحدّث عن الأبطال الشعبيّين. لكن لا توجد علاقة أقوى من تلك التي تربط الرسم بالموسيقى. وهي علاقة تعود إلى عصور قديمة. زخرفة الخزف اليونان...

دورا مار

صورة
قبل أن آتي إلى بريطانيا منذ أكثر من ثلاثين عاما، تخلّصت من معظم ما كنّا نحتفظ به في منزلنا من لوحات فنّية، وذلك إمّا بإهدائها إلى بعض معارفنا أو وضعها في عهدة آخرين لحفظها. وبعد سنوات، ندمت كثيرا على تفريطي في تلك اللوحات. إحداها ظلّت تؤرّقني دائما. كان قد أهداها لنا فنّان شابّ من غويانا. أتذكّر هدوء تلك اللوحة الغامض وألوان خلفيّتها الدافئة. الشخصيّة فيها ترتفع مثل أبي الهول من بين الأنقاض الزرقاء لجدار. وعندما عدت لأرض الوطن بعد سنوات، بحثت عن اللوحة إلى أن وجدتها في بيت عائلتنا القديم. فأعدتها معي إلى انجلترا. وأصبحت اللوحة شاهدا على قوّة الفنّ الذي يلاحقنا ويلتصق بنا ويغذّي أرواحنا. إن قدرة الفنان على تحويل ألوانه إلى أشكال ومشاعر كانت دائما تحيّرني وتدهشني. ولا يقلّ عن ذلك فتنةً ذلك التفاعل والعلاقة المتبادلة بين أشكال الفنّ المختلفة من شعر ونحت وموسيقى ورسم. غير أن العلاقة بين الرسم والشعر، على وجه الخصوص، تتسم بالعمق والقوّة. فالاثنان محصّلة لرغبتنا في أن نصنع من الاعتيادي والمألوف شيئا جديدا، وأن نلتقط تجربة أو خبرة معيّنة بطريقة حيّة ومركّزة. وكلا الاثنين، أي الشعر والرس...