خواطر في الأدب والفن


  • شكّلت بعض الأحلام والرؤى نقاط تحوّل مهمّة في تاريخ أوروبّا. تذكر أسطورة قديمة أنه عندما أطاح الإمبراطور الروماني قسطنطين بمنافسه ليسينوس، حلمَ ذات ليلة بأن الإمبراطورية الرومانية على وشك الانهيار.
    فقرّر التوجّه إلى إيليون (طروادة اليوم)، مسقط رأس مؤسّس روما القديمة، وبناءَ عاصمة جديدة هناك. وبفضل هذه المدينة الرومانية، سيتمّ منع انهيار الإمبراطورية.
    وبدأ قسطنطين برسم حدود العاصمة الجديدة، وكان من المقرّر أن يكون ضريح أياكس مركزها. وبدأ بناء الأسوار وإقامة بوّابات المدينة. وفي تلك اللحظة، رأى الإمبراطور حلماً آخر ظهرت فيه سيّدة ترتدي ملابس رثّة تتوسّل إليه أن يعطيها ثياباً.
    وأخبره مفسّرو الأحلام أنه بحاجة إلى إحياء مدينة أخرى من الخراب. وتذكّر قسطنطين انتصاره العسكري الأخير في كاديكوي، فبدأ بقياس أسوار وأبراج طروادة، تاركاً إيّاها غير مكتملة. لكن نسرا مهيبا هبط من السماء وانتزع حبل القياس من يد الإمبراطور. وبعد عبور الطائر للبحر، ترك الحبل عند أبواب مدينة بيزنطة القديمة.
    وأدرك قسطنطين على الفور أن تلك "رسالة من الله"، وبدأ عمله من جديد عند أسوار المدينة، حيث أسقط النسر حبل القياس، راسما حدود روما الجديدة. وسار قسطنطين ببطء على طول حدود العاصمة الجديدة وفي يده رمح.
    واستغرب المرافقون له من سير امبراطورهم على تلك الحدود الشاسعة، من بحر إلى بحر، عبر الحقول الشاسعة بين القرن الذهبي وبحر مرمرة. وعندما سألوه: يا جلالة الملك، هل نمضي قدما؟"، أجابهم: سنمضي حتى يتوقف الذي أمامي"!
    ولم يكن الذي أمامه سوى "ملاك" قال إنه يراه وأنه يحمل صليباً من نور ويقودهم في الطريق. لكن رجاله لم يستطيعوا رؤية شيء. وأخيرا، توقّف الملاك عند ساحل مرمرة، وحدّد الإمبراطور حدود المدينة بغرز رمحه في الأرض. وهكذا، رُسمت الحدود الأولى للقسطنطينية بناءً على حلم، وبُنيت أسوار المدينة وفقا لهذه "الرسالة الإلهية".
    رؤية قسطنطين، سواءً كانت تجربة دينية حقيقية أم دعاية بارعة، حوّلت المسيحية من طائفة مضطهدة إلى دين مفضّل. فبنى الامبراطور الكنائس وعقد المجامع الكنسية وتدخّل في الخلافات اللاهوتية. ومع ذلك لم ينل المعمودية إلا على فراش الموت عام 337، ما أبقى معتقداته الشخصية غامضة.
    العلم الحديث يرجّح أن ما رآه قسطنطين ربّما كان ظاهرة بصرية تُعرف باسم "الشمس الكاذبة"، وهي عبارة عن ظهور شمسين توأمين، واحدة على كلّ جانب من الشمس، تأخذان شكل إكليل.
    وأغلب الظنّ أن قسطنطين لم يعتنق المسيحية لأنه آمَن بلاهوت الدين أو قيمه الأخلاقية، بل لأنه اعتقدَ أن هذا الإله أقوى وأشدّ بطشاً من أيّ إله آخر وأنه سيساعده على قتل أعدائه.
    الأباطرة الرومان الذين خلفوا قسطنطين أعلنوا النسر المذكور في القصّة رمزا لامبراطوريّتهم وأكّدوا أن "مشيئة الربّ" هي التي باركت المدينة التي أسّسوها والإمبراطورية التي حكموها.
  • ❉ ❉ ❉

  • من الموسيقيين الموهوبين، لكن الأقل شهرةّ في العالم، المؤلّف النمساويّ فريتز كريسلر الذي كان معروفا خلال العقد الأوّل من القرن العشرين. كان كريسلر على معرفة شخصية بيوهان برامز، وكانت موسيقاه مشبعة بروح فيينا، مع انه كان أيضا مواكبا للموسيقى الحديثة في زمانه.
    ولد كريسلر عام 1875 لعائلة يهودية من الطبقة الوسطى. لكنه كان دائما يقلّل من أهميّة الدين في حياته. وفيما بعد أظهر مقاومة لا تلين للنازيّة الألمانية. درس الموسيقى في معهد فيينا للموسيقى وهو في سنّ السابعة. وكان أصغر تلميذ آنذاك.
    وقد تعلّم الهارموني والتأليف والعزف على البيانو على يد انطون بروكنر الذي كان أشهر موسيقيّ في النمسا وقتها. وفي مرحلة تالية، أسّس مع آخرين فرقة موسيقية للهواة كان من بين المتردّدين على حفلاتها طالب طبّ وعازف كمان يُدعى سيغموند فرويد، الذي سيصبح فيما بعد مؤسّس علم النفس التحليلي.
    ثم تعرّف على عازف البيانو الروسيّ انطون روبنشتاين وعازف الكمان النمساويّ يوسف يواكيم. واعتبر لقاءه بهذين الاثنين أهمّ حدث في حياته وقال انه يَعدِل دراسة خمس سنوات كاملة.
    في عام 1889، زار كريسلر أمريكا وذُهل لرؤيته نيويورك. وقد أقام هناك حفلا بمشاركة عازف البيانو الروسيّ سيرغي رحمانينوف.
    بدأ كريسلر يكتب الموسيقى مستلهما أساليب مؤلّفين من الماضي مثل الفرنسيّ فرانسوا كوبيرين والألمانيّ كارل ديترز. وأفضل مؤلّفاته هي عبارة عن قطع قصيرة لا تتجاوز مدّة الواحدة منها الثلاث دقائق، ويغلب عليها الطابع العاطفيّ. لكنّها أصبحت مشهورة جدّا وما تزال من بين المقطوعات الأكثر شعبية في العالم. وهي بالنسبة للكثيرين تختصر كلّ تراث آلة الكمان.
    من بين تلك المعزوفات مجموعة من ثلاث قطع صغيرة أسماها "نزوات من فيينا". القطعة الأولى بعنوان متعة الحبّ، والثانية احزان الحب، أما الثالثة، وهي أشهرها (فوق)، فقد اختار لها اسم "روزماري الجميلة".
    نُشرت هذه المجموعة عام 1905 وعُزفت بآلات شتّى، كما عُزفت بمصاحبة الاوركسترا مع كمان، وأحيانا مع بيانو.
    عاش فريتز كريسلر حياة طويلة ومنتجة. وخدم في الجيش الألمانيّ مرّتين. ورفض أن يعزف في ألمانيا بعد تولّي النازيين السلطة فيها عام 1933. ثم غادر النمسا نهائيا إلى فرنسا بعد أن تعرّض للتهديد رغم تقدّمه في السنّ وقتها.
    وفي باريس، حصل على الجنسية الفرنسية، لكنه فضّل الذهاب إلى أمريكا. وفي أحد شوارع نيويورك، صدمته حافلة وقضى أسابيع عديدة في غيبوبة. لكنّه شُفي من إصابته ثم حصل على الجنسية الأمريكية عام 1943.
    واستمرّ يقيم حفلات موسيقية هناك كان آخرها في قاعة كارنيغي عام 1947. وتوفّي في يناير من عام 1962 عن 86 عاما.
  • ❉ ❉ ❉

  • اقتباسات...

    ○ الخط نزهة العيون وريحانة القلوب. حكمة عربية

    ○ ألقِ بالخشب بعيداً! إجعل قارب حياتك خفيفا، وخاليا إلا ممّا تحتاجه: منزل مريح ومتع بسيطة، وصديق أو اثنان جديران بالثقة، وشخص تحبّه ويحبّك، وقطّة وكلب وغليون، وما يكفي من الطعام وما يكفي من الملابس، وأكثر بقليل ممّا يكفي من الماء لأن العطش شيء خطير. ك. جيروم

    ○ لا تضِق ذرعاً بالموت، بل رحّب به لأنه جزء ممّا تريده الطبيعة. فمثلما نشبّ ونشيخ، ومثلما نكبر وننضج، ومثلما تنمو أسناننا ولحانا ويصبح شعرنا أبيض، ومثلما نتزوّج وننجب، كذلك نموت ونتحلّل.
    فمن ألفَ التفكير والتعقّل لا يجزع من الموت ولا يتشاءم أو ينفر منه، بل ينتظره كما ينتظر عملا من أعمال الطبيعة. وكما تنتظر ولادة طفل حملت به زوجتك في رحمها، كذلك ينبغي لك أن تنتظر اللحظة التي تنسلّ فيها روحك من غلافها. م. اوريليوس

    ○ شكرا على الورود، وشكرا على الأشواك. الحياة ليست حفلة دائمة، بل هي وادٍ من الدموع. لكنها أيضا وادٍ من الورود. إذا تحدّثتَ عن الدموع، فلا تنسَ الورود، وإذا تحدّثتَ عن الورود، فلا تنسَ الدموع. ج. دوريسون

    ○ لم يسبق لسكّان أغنى الدول أن كانوا بهذا الثراء، ولم يسبق لهم أن كانوا بهذا السخط على أوضاعهم. فهم يتظاهرون، وغالبا ما يلجئون إلى العنف، ويصوّتون لأحزاب متطرّفة ذات أيديولوجيات قاتلة، ويفقدون ثقتهم بمؤسّساتهم، ويرفضون عن جهل ولامبالاة أساس العقد الاجتماعي الذي مكّنهم من العيش بسلام وحريّة حوالي مائة عام. ك. كلافيه

  • Credits
    archive.org
    classicfm.com