نصوص مترجمة


○ زرت شلالات فولينغ ووتر "المياه المتساقطة" وغيرها من مباني المعماري لويد رايت. كما زرت برشلونة ورأيت بعض أعمال المعماري الكاتالوني أنطونيو غاودي. ومع أنني أميل إلى الطابع الأمريكي في أعمال لويد رايت، وأعتقد أنه أكثر المهندسين المعماريين موهبة وإلهاما في التاريخ الأمريكي، إلا أن غاودي يعدّ ظاهرة فريدة من نوعها. وربّما ليس هناك مهندس معماري قبله أو بعده بمستوى قدرته. وهذا واضح جدّا لو قُدّر لك رؤية كاتدرائية ساغرادا فاميليا "أو العائلة المقدّسة".
ولعلّ من أهم سمات فنّ غاودي قدرته الكبيرة على مزج العديد من الأساليب لصنع شيء جديد تماما. وهو يجمع بين الزخارف العربية والقوطية وفن الآرت نوفو.
قليلون هم المبدعون، من معماريين وفنّانين ومصمّمين وغيرهم، الذين استطاعوا تجاوز الأجيال، ويقال إنهم بنوا حرفيا جزءا من التاريخ، وأصبحوا جزءا لا يتجزّأ من هوية مدينة، بل وربّما هويّة بلد بأكمله. ولا شكّ أن أنطونيو غاودي كان أحد هؤلاء وكان عبقريّا سابقا لعصره.
رؤيته للمستقبل وأفكاره المبتكرة وطريقته الاستثنائية في تجسيد الطبيعة والأشكال العضوية في العمارة والتخطيط العمراني، منحته مكانة راسخة بين الفنّانين والمبدعين الذين ساهموا في تشكيل فهمنا للفنّ والعمارة والتصميم عبر التاريخ.
هو القائل "لا أرغب في تصميم خطوط مستقيمة وزوايا حادّة لأنها غير موجودة في الطبيعة. الطبيعة كلّها منحنيات وأشكال عضوية وخطوط انسيابية. وعمارتي هي انعكاس للعالم الطبيعي، ومحاولة لتجسيد جماله وانسجامه".
تصاميمه تحسّن البيئة المحيطة وتجعل الشارع أكثر حيوية وبهجة. لكن ماذا عن السكن في شقّة ضمن مباني غاودي هذه؟ قد تكمن المشكلة هنا. مباني فرانك لويد رايت، مثلا، تبدو رائعة للغاية، لكن عند دخولك أحدها، تخاطر بالاصطدام بسقفها وأبوابها. أجواؤها رائعةٌ حقّا، لكنها قد لا تكون من أكثر المساحات العملية على الإطلاق.
وبالمثل، فإن ممّا يؤخذ على أسلوب غاودي ضعف الوظائف والراحة فيه. فقد تكون مبانيه غير عملية للاستخدام اليومي. تركيزه على الشكل على حساب الوظيفة أدّى أحيانا إلى مساحات غير مريحة. كما أن تكاليف مبانيه باهظة ووقت إنجازها طويل للغاية. تحفته الفنّية، أي كنيسة العائلة المقدّسة، ما تزال قيد الإنشاء منذ أكثر من قرن، ويعود ذلك إلى هذه التعقيدات.
ويقال إن أعماله هي معالم ووجهات سياحية أكثر منها مساحات عملية للسكن الجماعي. طبعا هناك معجبون كثر بأعماله، لكن بعض النقّاد يصفون أسلوبه أحيانا بأنه "مشوّه" أو "غير مكتمل"، بحجّة أنه يتجاهل البعد الإنساني والسياق الحضري.
في وقت ما، زرت منزل لويد رايت واستوديو عمله في أوك بارك. المنزل يتميّز ببعض العناصر الرائعة وزوايا دافئة جدّا كنت أتمنّى الجلوس فيها والقراءة. ولكن خلال الجولة، أدركت كم سأكره العيش في هذا المنزل لعدم ملاءمة بعض عناصره مع متطلّبات الحياة اليومية.
بعض مباني غاودي ورايت يزيد عمرها اليوم عن مائة عام. وهي لا تُعتبر مريحة للغاية بمعايير اليوم، لكنها كانت تمثّل نقلة نوعية هائلة في الماضي، أي زمن إنشائها. ج. رايت

❉ ❉ ❉

○ كان كينكو يتوق إلى عصر ذهبي، أو عصر "كاميلوت" ياباني، حيث كان كلّ شيء لائقا ورشيقا. كان يقول إن القسوة المتعمّدة هي أسوأ الجرائم البشرية. وكان يعتقد أن "فنّ حكم أيّ بلد يقوم على التراحم والإيثار".
ومن أقواله اللافتة أيضا: لا ينبغي لك أبدا أن تضع قرون الغزلان الجديدة في أنفك وتشمّها. فهي تحتوي على حشرات صغيرة تزحف إلى الأنف وتلتهم الدماغ". ومن الأفضل للبحّار "أن يتمسّك في البحر الهائج بسور السفينة ويركّز نظره على شيء بعيد حتى يستقرّ على قدميه ويتجنّب دوار البحر".
كان كينكو يعيش على كوكب آخر، كوكب الأرض في القرن الرابع عشر. ولكن إذا ما انتقلنا عموديّا من القرن الرابع عشر إلى القرن الحادي والعشرين، فإننا ندرك مدى المرونة الزمنية التي يتردّد فيها صدى إشاراته إلى الانحطاط والانحدار في سلوك البشر.
كان معاصرا لدانتي، وهو شخصية عامّة ورجل بلاط عاش في المنفى في زمن غير مستقر. وكان عقلاهما مختلفين. كتب دانتي بجمال ووضوح وروعة مرعبة، بينما كتب كينكو بسحر عفوي. وتحدّثا عن نهاية العالم بمصطلحات متناقضة. فقد نصب الشاعر الإيطالي نفسه بيروقراطيّا للمعاناة، يدوّن الخطايا ويبتكر العقوبات الرهيبة. بينما كتب كينكو في الغالب عن الأخطاء اللغوية والتصرّفات غير المنطقية، وكان قانون عدم اليقين البوذي هو الذي يحكم عالمه.
إن هناك عزاءً في معرفة أن كينكو كان بحّارا يحدّق في الماء: إن أمتع وسائل التسلية على الإطلاق هي الجلوس بمفردك تحت مصباح، وكتاب مفتوح أمامك، وتكوين صداقات مع أشخاص من الماضي البعيد لم تعرفهم قط". كينكو يشبه الصديق الذي يعود إليك بعد فراق طويل، ويواصل حديثه معك كما لو أنه غادر الغرفة للحظة واحدة فقط. ل. مورو

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

○ قيل إن نيكولا تيسلا اقترب من الزواج ومن حياة عاديّة. وسواءً أكان ذلك صحيحا أم لا، يُروى عنه أنه قال: قلّما اخترع رجال متزوّجون اختراعات عظيمة". ومع اقتراب نهاية حياته، استذكر بحنين فتاة عرفها في شبابه، كانت عيناها ساحرتين. وبينما كان في كوخه الأمريكي، استرجع ذكريات حياته. لم ينظر إليها بندم، إلا ربّما احتراما لأمّه، التي اكتسب منها خبرة في صناعة الأشياء وميلا للابتكار. كتب: أفكاري معك يا أمّي، أتمنّى لو كنت بجانبك الآن لأحضر لك كأسا من الماء".
السنوات التي قضاها تيسلا في خدمة البشرية لم تجلب له سوى الإهانات والإذلال. اختبأ من الصحفيين في كوخه، مستذكرا أيّام طفولته حين كان يسبح ويتجوّل في الغابات. سلكَ درب العظمة، حاملا معه ذكريات طفولته وشغفه بالمسرح والخيال ومعرفته باللغات والأديان والفلسفة، إذ كان عقله الناشئ يمزج بين اليونانية واللاتينية.
كان متناغما مع الطبيعة والماء والحيوانات. طوال حياته، كان تيسلا يطعم الحمام ويرتبط بحمامة السلام البيضاء. مات فقيرا منبوذا. وفي معرض شيكاغو الدولي، أنار الرئيس الأمريكي غروفر كليفلاند، مدينة شيكاغو بمصابيح تعمل بالتيّار المتردّد.
وفي عام 1897، قام تيسلا بتشغيل أول محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية في العالم عند شلالات نياغرا، ليضيء الليل وينير درب البشرية. لو أمكن تحويل الكراهية إلى كهرباء، لكانت الطاقة كافية للعالم أجمع. ج. ليفيت

❉ ❉ ❉

○ هذه الكلمات كانت آخر ما دوّنه الكابتن جيمس كوك في مذكّرات سفينته، وربّما آخر ما كتبه قبل مقتله..
الأحد 17 يناير 1779: طقس لطيف مع نسيم خفيف متقلّب. في المساء، عاد السيد "بلاي" وأبلغ أنه وجد خليجا به مرسى جيّد ومياه عذبة يسهل الوصول إليها. قرّرتُ الذهاب إلى هذا الخليج لإعادة تجهيز السفن وتزويدها بالماء.
ومع اقتراب الليل، توجّه الهنود إلى الشاطئ، لكن الكثير منهم رغبوا في النوم على متن السفينة، ولم يكن الفضول دافعهم الوحيد. ففي صباح اليوم التالي، كانت عدّة أشياء قد فُقدت، مما دفعني إلى عدم استضافة هذا العدد الكبير ليلة أخرى. في الساعة 11 صباحا، رسونا في الخليج.
كان من بين زوّارنا الكثيرين رجل يُدعى "توها"، وسرعان ما اكتشفنا أنه ينتمي إلى الكنيسة. قدّم نفسه بحفاوة بالغة، وقدّم لي خنزيرا صغيرا وجوزتي هند وقطعة قماش حمراء لفّها حولي. وبهذه الطريقة، قدّم جميع الزعماء أو معظمهم أنفسهم، لكن هذا الرجل ذهب أبعد من ذلك، فقد أحضر معه خنزيرا كبيرا وكمّية من الفواكه والجذور.
وفي فترة ما بعد الظهر، نزلت إلى الشاطئ لأرى المكان برفقة "توها"، وما إن وصلنا إلى الشاطئ حتى أمسك "توها" بيدي واصطحبني إلى معبد موراي الكبير، وتبعه السادة الآخرون مع "باريا" وأربعة أو خمسة آخرين من السكّان الأصليين.
فُرض حظر على الخليج بأكمله في الرابع والعشرين من الشهر، وتوقّفت التجارة تماما، وكان السبب المعلن هو قدوم ملك القبيلة الذي وصل في اليوم التالي. قام الملك بزيارة خاصّة، برفقة زوجته وأولاده وعدد من الزعماء المهمّين، جميعهم يرتدون عباءات فاخرة من الريش ومسلّحين برماح وخناجر طويلة، وبقي على متنها لبعض الوقت، وتبيّن أنه نفس الزعيم الذي رأيناه في جزيرة مووي.
كان "كوا" حاضرا أيضا في زورق مع كهنة آخرين وصنمين كبيرين مصنوعين من السلال، ووجهاهما مشوّهان ومزيّنان بعيون من صدف اللؤلؤ وأسنان الكلاب. وكان الكهنة يغنّون بأسلوب مهيب للغاية، ثم عادوا إلى الشاطئ. أخرج الملك الحرس واصطحبني إلى الخيمة، حيث جلس لبضع لحظات، ثم خلع خوذته وعباءته ووضعهما عليّ.
وأمر في الوقت نفسه بوضع خمسة أو ستّة دروع أخرى ذات قيمة كبيرة عند قدميّ. ثم أُحضِرت الخنازير وفاكهة الخبز وغيرها. تبادلت مع الملك الأسماء كعلامة مميّزة على الصداقة، واختُتم الحفل بتقديم حمولتي قارب من المؤن من قِبل وفد من الكهنة. وكان من بين الحاضرين ابن أخ الملك، الذي أطلق عليه الإنغليز اسم "مايها".

Credits
archive.org
franklloydwright.org

gaudi-foundation.org

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبو بكر سالم: صورة الفنّان

الأزرق: تاريخ لون

لقاء بين امرأة وطائر 1 من 2