نصوص مترجمة
واشتهرت بعض الجماعات بمهاراتها، وتفوّقت كتجّار على طريق الحرير، ولا سيما السوغديون الذين اندثروا منذ زمن طويل في موطنهم في آسيا الوسطى. وكانوا حريصين على توريث هذه المهارة لأبنائهم، بإرسالهم إلى طريق الحرير منذ سنّ الخامسة.
وفي الصحارى، كان من الضروري للمسافرين معرفة أماكن وجود الماء لإرواء عطشهم. فقد كان سراب الماء، الذي يوصف بأنه "رمال متلألئة" أو "ماء جاف"، يخدع من تعوزه المعرفة والخبرة.
ولم يكن كلّ الماء صالحا للشرب. كتب مبشّر مسيحي، أثناء سفره في قافلة عبر صحراء غوبي في أوائل القرن العشرين: كان بريق النبع الصافي لا يقاوَم، ولكن عندما ركضت نحوه، حذّرني قائد القافلة قائلا: اشرب أقلّ ما تستطيع من هذا الماء". ولم أُعِر أيّ اهتمام لتحذيراته. كنت أستمتع بالماء إلى أقصى حدّ. وسرعان ما أدركت أنه كلّما شربت من ذلك الماء، ازداد عطشي. كان مالحا لا يروي ظمأً".
لذا أطلقت حكايات الصحراء على الينابيع أسماءً وصفية لتمييز فائدتها من عدمه، مثل نبع الكأس الواحدة ومحطّة البئر المرّ وحفرة الطين الخ. وكان مصّ حصاة علاجا يائسا للمسافر العطشان. ولكن، إذا حالفك الحظ، فقد تصل إلى استراحة النبع الذي لا ينضب. "عندما يتذوّق المسافر هذا الشراب العذب، سيشرب حتى يزول ألم حلقه الجافّ وشفتيه المتشقّقتين".
وكان من بين المخاطر الأخرى التي يواجهها المسافر احتمال مواجهة شياطين الصحراء: أضواء هائمة وأصوات غريبة وعويل غِيلان. كتب الرحّالة ماركو بولو عن هذه الأمور في القرن الثالث عشر وحذّر من يبتعد عن القافلة بأنه قد يسمع اسمه يُنادى به من مسافة ويقاد بعيدا عن الطريق، أو ربّما يسمع ضجيج جيوش أو قوافل متخيّلة تسير في الجوار".
في الصحراء، للصوت سحره الخاص. والقصص التي تُروى عن أرواح الصحراء هذه عجيبة حقّا وتكاد لا تصدَّق، إذ يقال إنها تملأ الجوّ أحيانا بأصوات جميع أنواع الآلات الموسيقية، وكذلك الطبول وصليل السيوف.
كان التيه في الصحراء مرعبا، بل ومميتا. في معابد كهوف دونهوانغ البوذية الواقعة الآن في غرب الصين على أطراف صحراء غوبي، كان من المعتاد أن يقدّم المسافرون القرابين قبل انطلاقهم. ولضمان سلامتهم، كان الميسورون منهم يتبرّعون بالمال لإنشاء المزيد من اللوحات والتماثيل الدينية في هذه السلسلة الاستثنائية من الكهوف، المعروفة أيضا باسم كهوف موغاو.
ولم تكن كلّ المصاعب التي كان يواجهها المسافرون مرتبطة بالصحراء. فالجبال الشاهقة على طول الطريق، مثل جبال البامير أو تيان شان (أو جبال السماء)، قد تسبّب داء المرتفعات، وقد يكون من الضروري أيضا اجتياز ممرّات ثلجية متجمّدة. لذا، كانت كلّ منطقة بحاجة إلى مرشدين محليين من ذوي الخبرة.
وليس من المستغرب أن قلّة قليلة من الناس سافروا من طرف إلى طرف على طول طريق الحرير، حتى عندما لم تُعِقهم الظروف السياسية عن ذلك. وفي الواقع، كان الصينيون يخشون مغادرة الصين، التي اعتبروها حدود العالم المتحضّر، واعتقدوا أن كلّ ما يقع خارج حدودها هو برّية موحشة.
وكان الذين يغادرون الصين عبر "بوّابة التنهّدات"، يَرمون حفنة من الحصى على جدار القلعة لمعرفة حظّهم. قال أحد السكّان المحليين: إذا ارتدّ الحجر فسيعود المسافر سالما معافى، وإن لم يرتدّ فقد لا يعود أبدا.
إن سحر طريق الحرير لا يزال يأسرنا حتى اليوم، وربّما نتوق إلى تلك الأيّام من الرحلات الملحمية، حين كانت تظهر أمام الأعين عجائب مجهولة. كان الحدّ الفاصل بين الأسطورة والواقع رفيعا، فقد كان الصينيون، مثلا، يتوقون إلى الخيول العجيبة التي رأوها في آسيا الوسطى، والتي كانت تختلف اختلافا شاسعا عن المهور الصغيرة القصيرة التي كانت لديهم في ذلك الوقت.
وقد منحوا تلك الخيول في مخيّلتهم صفات سحرية، معتقدين أنها تتعرّق دماً، وأنها تُولد من الماء، وأن بعضها له أجنحة وتستطيع الطيران كالتنانين. وحوالي عام 101 قبل الميلاد، كتب الإمبراطور "وو" ترنيمة لتلك الخيول قال فيها: الخيول السماوية قادمة، خرجت من مياه بركة. ويمكنها أن تتحوّل كالأرواح. إذا اختارت أن تحلّق عاليا، فمن يستطيع مجاراتها! سترفعني وتحملني، لأصلَ إلى أبواب السماء وأرى قصر الإله". ش. غالكرست
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
ثم في مخيّلتي، اتّحدت هذه الشواطئ، المتباينة في طبيعتها وسكّانها، بلمسة البحر الموحّدة. ذات يوم، كان هذا الساحل الصخري تحتي سهلا رمليّا. ثم ارتفع البحر فرسم خطّا ساحليا جديدا. ثم في مستقبل غامض، ستحوّل الأمواج هذه الصخور إلى رمال، وتعيد الساحل إلى حالته السابقة. وهكذا، تندمج هذه الأشكال الساحلية وتختلط في نمط متغيّر باستمرار لا نهاية ثابتة له وتصبح الأرض سائلة مثل البحر نفسه.
وعلى كلّ هذه الشواطئ تمتزج أصداء الماضي والمستقبل: أصداء تدفّق الزمن الذي يمحو كلّ ما سبق ولكنه يحتضنه، وأصداء إيقاعات البحر الأزلية وضربات الأمواج وتدفّقات التيّارات الجارفة التي تشكل وتغيّر مجرى الحياة الذي يتدفّق بثبات كأيّ تيّار محيطي، من الماضي إلى مستقبل مجهول. ريتشل كارسون
❉ ❉ ❉
وعاد جيوفاني، الأكبر بتسع سنوات، إلى ستامبا بعد دراسته، وظلّ هناك بقيّة حياته حيث تزوّج وأنجب النحّات الشهير البيرتو جياكوميتي، بينما سلك أوغوستو الذي لم يتزوّج قط مسارا مختلفا. فبعد سنوات مهمّة في باريس، عمل في فلورنسا حتى الحرب العالمية الأولى، قبل أن يستقرّ في زيوريخ ويمارس الرسم في منزل والديه في ستامبا. كان هذان الفنّانان من الجيل نفسه، ومن القرية نفسها، متنافسين، ولم تكن علاقتهما وديّة على الإطلاق. كانا يتبادلان تحيّة مقتضبة إذا التقيا صدفة في بوفيه محطّة قطار زيوريخ.
أعمال أوغوستو جياكوميتي يكمن جوهرها في أولوية اللون، فقد كان دائما وسيلته الأساسية للتصميم والتعبير. ولذا، يكشف إنتاجه الفنّي المتنوّع عن تناغم لافت، حتى وإن كان هذا التناغم محجوبا بتحوّلات أسلوبية. في البداية برز كفنّان بارع في فنّ الآرت نوفو والرمزية، ثم رائدا في الرسم التجريدي وغير التجسيدي، وأخيرا كرسّام جداريات وفنّان زجاج معشّق بارز، ساهم في تشكيل الفنّ العام لعقود.
قدّم جياكوميتي إسهاما كبيرا في الحداثة من خلال لوحاته للمناظر الطبيعية والبورتريهات، فضلا عن "خيالاته اللونية" التي أنجزها بين عامي 1910 و1920. وبصفته فنّانا منفتحا على الابتكار، حرص على التواصل مع الحركات الطليعية وجماعات الفنّانين في عصره. وأصبح رائدا في الرسم التجريدي بفضل دراسته المعمّقة لقواعد وخصائص اللون.
في السنوات الأخيرة، نُظّم العديد من المعارض الاستعادية لأوغوستو جياكوميتي، جنبا الى جنب مع مشاهير الرسم السويسري الآخرين والمعروفين على مستوى العالم، مثل جيوفاني والبيرتو جياكوميتي وفرديناند هودلر وفيليكس فالوتون وغيرهم. ج. هيلر
Credits
archive.org
archive.org

