نصوص مترجمة


  • كان أوّل كتاب اقتنيته في مكتبتي هو "ديكاميرون" لجيوفاني بوكاتشيو. وأتذكّر بشكل غامض أن قصص الكتاب، وبعضها فاحشة، تُروى على خلفية كارثة جماعية. ولم أكن أعلم حينها أن الفتيات السبع والشبّان الثلاثة الذين يتبادلون هذه القصص قد نجوا من الطاعون الأسود ولجأوا إلى فيللا تقع على التلال المطلّة على مدينتهم المنكوبة. وهكذا، بعد عمر طويل، عزمت أخيرا على قراءة بوكاتشيو مرّة ثانية.
    وكانت مفاجأة! لم يكن كتاب بوكاتشيو تافها أو إباحيّا على الإطلاق، بل قدّم وصفا دقيقا ومفصّلا للوباء الفتّاك؛ الطاعون المميت الذي اجتاح فلورنسا عام 1348. ووصَفَ الكتاب أعراض هذا المرض الوبائي بدقّة متناهية: دمامل في منطقة العانة أو تحت الإبطين، بقع سوداء كبيرة على الذراعين والفخذين وأجزاء أخرى من الجسم.
    ولم يَغفل الكتاب عن وصف رائحة الجثث الكريهة المنتشرة في أرجاء المدينة. كما رُويت ردود فعل إنسانية مروّعة: مواطنون يشعرون بالاشمئزاز من بعضهم البعض، أخ يتخلّى عن أخيه، وزوجة تهجر زوجها. حتى الأطفال هُجروا وتُركوا في العراء. ولم يكن الناس يفكّرون إلا في النجاة بأنفسهم والفرار من المدينة.
    لكن كانت هناك مفاجأة أخرى بانتظاري. في الصفحة الثانية من هذه الرواية، اكتشفت في الهوامش ما بدا بوضوح أنه خطّ يدي الباهت نوعا ما، بالإضافة إلى جمل وعبارات كنت قد وضعت تحتها خطوطا.
    وعندما كنت أعيد قراءة الكتاب، بدا لي جديدا تماما. وأثار هذا الأمر حيرتي. كما شجّعني على قراءة عمل كلاسيكي آخر كنت قد أرجأت قراءته لسنوات، وهو كتاب "التحوّلات" لأوفيد، الذي يضمّ مجموعة من الملاحم الشعرية حول شخصيات أسطورية وتحوّلاتها النهائية.
    كان اسم أوفيد يتردّد على لساني أحيانا في الفصل. لكني لم أكن على دراية بقصيدته. وعندما فتحت الكتاب، بدأت بقصّة حبّ بيراموس وثيسبي التعيسة، اللذين أجبرهما رفض والديهما على أن يتحدّثا لبعضهما البعض من خلال شقّ في الجدار.
    ثم انتقلت إلى قصّة أورفيوس المعروفة وهو ينقذ يوريديسي من العالم السفلي، ليفقدها مرّة أخرى. ودهشت أيضا عندما وجدت ملاحظات مكتوبة بخطّ يدي في الهوامش. لكن هذه المرّة تساءلت: لماذا وضعت خطّا تحت هذه الجملة أو ذلك السطر؟
    كان واضحا أن طريقة قراءتي للنصّ قد تغيّرت، وأنا نفسي تغيّرتُ على مرّ السنين. لم يعد ردّ فعلي على القراءة المتجدّدة مطابقا للتجربة الأصلية، ولم أعد متأكّدا من أنني أتعرّف على نفسي كقارئ كما كنت.
    هذا النوع من التواصل المستعاد مع كتاب ما، يمكن أن يرافقنا طوال حياتنا ويستمرّ في تغذيتنا وتشكيلنا. وقد نردّد على مرّ السنوات قصائد حفظناها عن ظهر قلب منذ زمن بعيد، وأصبحت جزءا من هويّتنا الذاتية.
    القراءة الثانية لكتاب قد تفضي إلى فهم أعمق وأكثر أدبيةً للنص، حين لا يكون التركيز على المضمون، بل على الأسلوب وبراعة الصياغة وجودة اللغة. والتواصل المتجدّد مع رواية أو قصيدة قد يفعّل الفضول والبحث عن معرفة أعمق بالذات. وبمعنى ما، القراءة الجديدة شكل من أشكال المراجعة، تكشف عن التغيير الذي طرأ علينا. والجِدّة ليست في النص، بل فينا نحن الذين تغيّرنا وتطوّرنا. ف. برومبرت
  • ❉ ❉ ❉

  • يقول أحد الكتّاب: لا ينبغي أن تكون الحياة رحلة إلى القبر بهدف الوصول إليه سالما بجسد جميل ومحافَظ عليه، بل ينبغي أن تكون أشبه بالانزلاق في سحابة من الدخان، منهكا تماما ومستنفَدا كليّا ومعلنا بصوت عال: يا لها من رحلة! من الذي عاش الحياة حقّا؟ الذي عاركها وواجه عواصفها، أم ذلك الذي بقي بأمان على الشاطئ واكتفى بالوجود"؟
    جدّي يبلغ من العمر ٨٤ عاما ويتدرّب حاليا ليصبح حلّاقا. يعتقد البعض أنه في مثل هذا العمر، لا يعود من المجدي البدء بشيء جديد. لكني أؤمن أن جدّي يعطينا أحد أجمل دروس الحياة.
    توفّيت جدّتي، زوجته، منذ ما يزيد قليلا عن عام. كانا متزوّجين لما يقارب الستّين عاما. ومنذ رحيلها، تغيّر جدّي كثيرا. كان يترك التلفاز مفتوحا طوال اليوم دون أن يشاهده، ويقضي ساعات جالسا على الشرفة يحدّق في الشارع، وكلّما سألناه عن حاله، كان يجيب دائما بنفس الجواب: أشعر بالملل يا ابنتي. لم أعد أعرف ماذا أفعل".
    كان من المؤلم جدّا رؤيته على تلك الحال، فجدّي كان دائما رجلا نشيطا مجتهدا، لا يعرف الكسل. وقبل شهرين، بينما كنّا نتناول القهوة، قلت له بين المزاح والجِدّ: جدّي، لمَ لا تتدرّب لتصبح حلّاقا؟ سمعت أنها مهنة مربحة"؟
    ظننت أنه سينفجر ضاحكا. لكنه أجابني بجدّية فاجأتني: أتظنّين ذلك؟ ابحثي في الأمر يا عزيزتي". عندها انقلبت الأدوار. أمضى جدّي حياته كلّها يدلّلني ويغطّي على زلّاتي الصغيرة. كان هو من يشتري لي المثلّجات قبل الغداء دون أن تلاحظ أمّي، وكان يقرضني المال سرّا عندما كنت مراهقة.
    لذا أردت أن أردّ له بعضا من كلّ ذلك الحبّ الذي غمرني به. بحثت عن مدرسة، واتصلت لأتأكّد من قبولهم لطلاب في مثل عمره، بل وتحدّثت مع المعلّم لأشرح له الوضع. أخبرته أن جدّي رجل رائع، لكنه سيحتاج إلى الكثير من الصبر لأنه لم يعد يتعلّم بالسرعة التي كان عليها.
    أجابني المعلّم بجملة لن أنساها أبدا: الرغبة في التعلّم لا تعرف سنّا. اصطحبيه معك". كنت أنا من عرضت عليه هذا التدريب. في اليوم الأوّل، كان متوتّرا أكثر من طفل يدخل المدرسة لأوّل مرّة.
    ارتدى قميصا جديدا، ومشّط شعره بعناية. ثم سألني: ألا تعتقدين أنني كبير في السنّ على الدراسة؟" عندما وصلنا، كان جميع الطلاب الآخرين في العشرينات من عمرهم. ظننت أنه سيغادر. كان الأمر عكس ذلك تماما.
    اليوم، يذهب إلى كلّ حصّة بابتسامة. يرسل لي صورا له وهو يحمل المقصّ بفخر وكأنه فاز بجائزة. يتصل بي ليخبرني أنه تعلّم كيفية عمل قصّة الشعر المتدرّجة، وأن المدرّب أشاد بدقّته، وأن الأطفال الآخرين أطلقوا عليه لقب "عميد الحلّاقين". يضحك معهم ويخبرني مجدّدا أنه لم يتخيّل يوما أنه سيشعر بكلّ هذا الحماس لتعلّم شيء جديد.
    وقبل أيّام، قال شيئا أبكاني: ظننت أن حياتي انتهت بوفاة جدّتك. لكن اتضح أن هناك الكثير لأتعلّمه".
    لا أعرف إن كان سيفتح صالون حلاقة خاصّا به يوما ما. ولا أعرف إن كان سيحلق شعر الكثيرين. وبصراحة لم يعد الأمر مهمّا. لأن التغيير الحقيقي لم يكن في تعلّم استخدام ماكينة الحلاقة، بل في رؤيته يستيقظ كلّ صباح متلهّفا للخروج من منزله واستعادة متعة الحياة. (...)
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • "أكون أو لا أكون، ذلك هو السؤال". هذه العبارة ليست مجرّد سطر من مسرحية "هاملت" لشكسبير، بل هي من أعمق تعابير الوجود الإنساني وأكثرها خلوداً. فبعد أن نُطقت منذ قرون على خشبة المسرح، لا يزال مونولوغ هاملت يتردّد صداه في نفوس الناس الى اليوم، لأنه يجسّد أكثر بكثير من مجرّد خيار بين الحياة والموت.
    إنه يعكس المعضلة الأزلية لكيفية التصرّف، وكيفية الحفاظ على الذّات، وكيفية التعامل مع عالم يتحدّى باستمرار أخلاق الإنسان ومعتقداته وقدرته على التحمّل.
    وعلى الرغم من اختلاف عالمنا اليوم اختلافا شاسعا عن دانمارك هاملت، إلا أنه يحمل في طيّاته شكوكا وأعباءً وجودية مماثلة. فنحن نعيش في عصر يتّسم بالتغيّر السريع والإرهاق الانفعالي وعدم الاستقرار السياسي والتوتّرات الاجتماعية العميقة.
    وفي هذا السياق، يتحوّل سؤال هاملت إلى سلسلة من التأمّلات المعاصرة: هل أقاتل أم أستسلم؟ هل أتكلّم أم أصمت؟ هل أتصرّف وفقا لقيمي، حتى لو كان ذلك يعني العزلة، أم أذعن لما هو متوقّع منّي؟
    علاوة على ذلك، تحمل هذه العبارة دلالات تتجاوز المستوى الفردي. ففي عالم يعاني من ويلات الحروب والنزوح وعدم المساواة والانهيار البيئي، تواجه البشرية جمعاء هذا السؤال: هل نتحرّك أم نبقى سلبيين؟ هل نتحمّل المسؤولية أم نتجاهلها؟ لم يعد سؤال "أكون أو لا أكون" مجرّد سؤال هاملت فحسب، بل أصبح سؤال العالم أجمع.
    وهذا السؤال ليس سؤالا جامدا في الزمن، بل يتردّد صداه في حياتنا، لأنه يمسّ جوهر إنسانيّتنا: الرغبة في عيش حياة ذات معنى في مواجهة المجهول. إنه يدعونا إلى التفكير مليّا في معنى الوجود الحقيقي، ليس فقط من الناحية البيولوجية، بل أيضا من الناحية الأخلاقية والعاطفية والروحية.
    ولهذا السبب، يبقى صوت هاملت يتردّد بيننا، يهمس بالسؤال نفسه الذي علينا نحن أن نجيب عنه مرارا وتكرارا. ن. كوجكيسن
  • ❉ ❉ ❉

  • أنا كائن شغوف للغاية. يحرّكني الشعور والعاطفة. لديّ عيوبي. أكره الأشياء العادية، ولا أعرف كيف أحبّ بنصف قلب ولا أمنح نفسي بنصف قلب. إن كنت تبحث عن شخص متماسك وعاقل وملتزم بالصوابية السياسية ومنطقي فانسَ أمري!
    أما إن كنت تعرف كيف تعيش مع أشخاص مندفعين، عاطفيين، حسّاسين، ومحبّين يفيضون بالمشاعر، فأهلا بك. أنا شغوفة بالكلمات والموسيقى والناس بكلّ جوانبهم. لا يهمّني اسم عائلتك أو مكان ميلادك أو مقدار المال الذي تملكه. الأشخاص الفارغون مملّون ويجعلونني أشعر بالنعاس. فيرناندا ميلو
  • ❉ ❉ ❉

  • دائما ما يكون المنتصرون هم الأكثر وحشية وتكتّما ومكراً. هم من ينتصرون على الأكثر صدقا وتواضعا. إن كانت هذه هي الحياة حقّا، فهي صعبة للغاية. لذا من الأفضل أن نحلم بوجودٍ آخر. جان دورميسون

  • Credits
    archive.org

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    أبو بكر سالم: صورة الفنّان

    الأزرق: تاريخ لون

    لقاء بين امرأة وطائر 1 من 2