نصوص مترجمة
كما يدعو القارئ للغوص معه في أعماق الوادي، أي إلى أعماق الزمن نفسه، إلى الوراء حوالي 14 بليون سنة، إلى بداية الكون مع الانفجار العظيم. إنها رحلة طويلة في كتاب طويل يطلب منا مؤلّفه التركيز على رؤية آثار الدهور واستشعارها.
ويذكّرنا الكاتب بديفيد ثورو قائلا: لقد منحَنا أداة قويّة لاستكشاف علاقتنا بالطبيعة. وكان سعيداً باكتشاف الجمال الظاهري للطبيعة على طول الطريق، لكنه كان يبحث عن جمال أعمق".
ويضيف: عاش ثورو في زمن مبكّر جدّا لذا لم يُعرف عنه الكثير، وكذلك فعل السكّان الأصليون الذين سكنوا غراند كانيون منذ آلاف السنين. لم تبدأ قصصهم عن الخلق بانفجار، بل في رحم الأرض الأم. ظهر البشر في الوادي واتخذوا مكانهم فيه وحوّلوه إلى قصص ربطت بين الناس والصخور والنباتات والحيوانات والنجوم ومنحت الحياة والموت معنى أعمق، وجعلتهم يشعرون بمزيد من الانتماء إلى الوادي والكون.
قبل ثلاثة آلاف عام، كانت تغطّي حوافّ ومنحدرات الوادي نفس أنواع الغابات الصحراوية والنباتات والحيوانات البرّية التي تتأقلم مع مناخ جنوب غرب أمريكا، مع تدفّق مستمر لنهر كولورادو في القاع بنفس المسار. وكان النهر قد أكمل معظم عمليات نحت الأخدود الحالي الرئيسية عبر ملايين السنين.
وكانت تسكن المنطقة بعض قبائل الشعوب الأصلية مثل أسلاف ثقافة بويبلو والنافاهو والهوبي. وقد ترك هؤلاء السكّان في الكهوف آثاراً مثل التماثيل الخشبية الصغيرة، على شكل غزلان أو كباش جبلية، لأغراض طقوس الصيد.
وفي أطول قسم من الكتاب، بعنوان "الهاوية"، يكتب لاغو عن الأشخاص الذين يأتون الى الغراند كانيون لإنهاء حياتهم. كان يعرف العديد منهم شخصيّا. وتتكرّر روايته عن أحدهم تحديدا. "كان ديل حارسا للمتنزّهات ورجلا يعشق الاستكشاف فكريّا وجغرافيّاً. لكنه كان أيضا يستكشف أعماق نفسه، فسقط في اكتئاب حالَ دون أن يكون القناة التي يتحدّث من خلالها الوادي إلى الزوّار".
وبدلا من ذلك، ربّما يكون الوادي قد نطق بالموت لـ ديل، كما يظنّ لاغو، "الطبيعة نفسها تخبره أنه من الأفضل له أن يموت". وإذا كان الأمر كذلك، فقد سعى لاغو للوقوف بين ديل والطبيعة. "طلبت منه أن يعدني بأنه إذا شعر يوما ما برغبة في الانتحار فسيتّصل بي، وقد وفى بوعده".
ويضيف: بإمكان غراند كانيون أن يغيّر إدراكك عن الواقع والهويّة". لكنه لا يقدّم لك إجابات عن أيّ منهما. فلا صخرة ولا نهر ولا غراب قادر على كشف أسرار وجودنا البشري، فضلاً عن معناه. الخلق لغز، ومقدّر له أن يظلّ خفيّا". غ. نوبلز
❉ ❉ ❉
لا أتذكّر عنوان الكتاب الذي ناولني إيّاه، ولا أستطيع أن أصفه الآن. لكن القصائد كانت بمثابة كشف لي. لم أُدرك أنها تعود إلى قرون مضت. ما أتذكّره جيّدا هو عفويتها والوضوح الذي استحضرت به تفاصيل الزمان والمكان، عالما لم أره من قبل، ومع ذلك شعرتُ بألفة قوية معه، كما لو أن كلّ قصيدة تجسّد لحظةً من "الديجا فو"، كما لو أن هذه الأنهار وهذه المدن وهذه الجبال المذكورة بالاسم، كانت معروفةً لي من قبل.
كانت القصائد واضحة بفضل تصويرها القويّ لأشياء مألوفة وأساسية ودائمة: الطبيعة والطقس والفصول وملذّات الإنسان البسيطة ومشاعره وتأمّلاته في الأسئلة الأزلية. وبدت القصائد وكأنها تخاطبني مباشرةً.
معظم تلك القصائد يزيد عمرها الآن عن ألف ومائتي عام، لكن الغريب أنها لا تزال تبدو جديدة، وكأنها تنتظرنا لنكتشفها من جديد. هذا الكتاب كان بالنسبة لي بمثابة "تميمة مبكّرة" في رحلة طويلة. ر. سارا
❉ ❉ ❉
كان هناك نهر اسمه ريو ديامانتي، يفيض بالذهب والأحجار الكريمة. تطلّب الأمر يومين لعبور المدينة، وكان لها مدخل واحد محميّ بجسر متحرّك. كانت المباني من الحجر المصقول، والأبواب مرصّعة بالجواهر؛ وكانت المحاريث من الفضّة، وأثاث أبسط المساكن من الفضّة والذهب.
لم يكن هناك مرض، كان كبار السنّ يموتون كما لو أن النوم قد غلبهم. وكان الرجال يرتدون قبّعات ثلاثية الزوايا ومعاطف زرقاء وعباءات صفراء "في الأساطير الهندية، ألوان الكائن الأسمى". كانوا يزرعون الفلفل، وكانت أوراق الفجل كبيرة جدّا لدرجة أنه يمكنك ربط حصان بها. (...)
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
وعاش هذا الرجل مع الخيول، يوليها عناية فائقة ويهتمّ بكلّ شئونها. وبعد بضعة أيّام، حاول لمسها لكنها تمنّعت. فعاد أدراجه ولم يحاول ثانية.
كان يضع الطعام يوميّا بالقرب منها، دون أن يحاول الاقتراب منها كثيرا أو فعل أيّ شيء تجاهها. وبدأ تدريجيا بوضع الطعام على مسافة أقرب فأقرب، الى أن اعتادت الخيول على وجوده وبدأت تثق به.
وبعد فترة، حاول مجدّدا وضع يده برفق على الخيول. لم يعجبها الأمر في البداية، لكنها سمحت له أخيرا. ثم حاول وضع السرُج عليها، فلم يعجبها ذلك أيضا، لكنها اعتادت عليه في النهاية. وأخيرا، حاول اعتلاء ظهورها، فأصدرت بعض الأصوات احتجاجا، لكنها لم تمنعه. وبعد فترة، اعتادت على ذلك أيضا. وفي النهاية، تمكّن من ركوبها واستمتعت هي بذلك.
وبهذه الطريقة كسب الرجل ثقة الخيول تدريجيا. وتعرّفت عليه كشخص يهتمّ بها، ويتعامل معها بإخلاص ويركبها باحترام.
الدرس: إكسب ثقة الغير بإظهار اهتمامك بمصلحتهم، عندها سيدَعُونك تقودهم وسيكون الجميع سعداء.
❉ ❉ ❉
وكتب وردزورث أنه يستخدم ساقيه كأداة للفلسفة. وقال نيتشه إن الأفكار التي لها قيمة تأتي فقط من المشي. وقال والاس ستيفنز إن الحقيقة تعتمد على نزهة حول البحيرة. وفي كلّ هذه الروايات، لا يُعدّ المشي هو الفعل الذي يصل به المرء إلى المعرفة، بل هو بحدّ ذاته وسيلة للمعرفة.
قبل مجيئي إلى الغابة السوداء، كنت قد قرأت على نطاق واسع قدر الإمكان في مجال تراث الأشجار. فإلى جانب الروايات العديدة التي صادفتها عن الأضرار التي لحقت بالأشجار والغابات، صادفت أيضا قصصا عن الدهشة من الغابات والأشجار، ودوّنتها.
ومن ضمنها قصص عن كيف كان الحطّابون الصينيون في عهد أسرتي تانغ وسونغ، وامتثالا للفلسفة الطاوية التي تؤمن باستمرارية الطبيعة بين البشر والكائنات الأخرى، ينحنون أمام الأشجار التي يقطعونها، ويعِدون بأنها ستُستخدم استخداما جيّدا، في مبانٍ تُعلي من شأن الشجر بعد أن يصبح خشبا.
وقصّة زركسيس، الملك الفارسي الذي أحبّ أشجار الجمّيز، لدرجة أنه عندما كان يزحف نحو بلاد الإغريق أوقف جيشه المكوّن من آلاف الرجال ليتأمّلوا ويُعجبوا بإحدى الأشجار الضخمة المعمّرة.
وقصّة تعلُّق ديفيد ثورو الشديد بالأشجار في الغابات المحيطة بمسقط رأسه، لدرجة أنه كان يزورها بانتظام، قاطعاً مسافات طويلة تصل إلى ثمانية أو عشرة أميال في أعماق الثلج، ليلتقي بشجرة زان أو بتولا صفراء أو بصديق قديم بين أشجار الصنوبر.
Credits
archive.org
archive.org

