قراءات


  • لجزر الملوك اسم آخر هو جزر التوابل. وعلى مدى قرنين من الزمان، لم يفكّر بها إلا من تتبّعوا وجرّبوا بحارها العظيمة. كانت التوابل هي ما سعى إليه كولومبوس عندما أبحر غربا عام ١٤٩٢. وكان الطريق الشرقي إلى مناطق التوابل هو ما استقطب جهود البرتغاليين وقاد سفن دي غاما إلى المحيط الهندي عام ١٤٩٧.
    أما الطريق الغربي إلى جزر التوابل، فقد سعى إليه ماجلان في رحلته حول العالم بعد ذلك بعشرين عاما. كانت المنحة الملكية لديل كانو، الذي عاد بسفينة واحدة من تلك الرحلة، مشروطة بدفع عودين من القرفة وثلاث جوزات طيب واثنتي عشرة حبّة قرنفل سنويا. وكان شعار مرتبة النبيل التي مُنحت له تحمل صورتين لملكين من الملايو يحملان أغصان التوابل.
    كانت اسبانيا تعتبر أن الإبحار حول العالم أقلّ شأنا من اكتشاف طريق إلى هذه الجزر. وكان الوصول إليها هو الهدف من محاولات فتح ممرّ شمالي شرقي حول آسيا وممرّ شمالي غربي حول أمريكا. وكان تحديد ملكيتها موضوعا لرسالتين بابويتين واتفاقية بين سلالتي إسبانيا والبرتغال الملكيتين، وسقطت في النهاية كغنيمة حرب في يد هولندا.
    في عصر الاكتشافات، كانت الهند والصين مجرّد أسماء ضئيلة مقارنةً بجزر التوابل. وإذا كانت تجارة العالم في العصور القديمة تتمحور أساسا حول البخور، فإن تجارة العالم في العصور الوسطى كانت تتمحور أساسا حول التوابل.
    وعندما أدّى استيلاء تركيا على مصر عام ١٥٢١ إلى إغلاق الطريق البرّي الجنوبي المؤدّي إلى الشرق، في نفس العام الذي وصل فيه البرتغاليون والإسبان إلى جزر الملوك، تهيّأت الظروف لازدهار تجارة التوابل. فقد وصلت التوابل، التي كانت تنتقل من مصادر مجهولة عبر أياد مختلفة، إلى الغرب بسعر يفوق سعرها بعشرة أضعاف. وهنا سنحت الفرصة للتجارة المباشرة بما كانت أوروبا بأكملها تتوق إليه.
    وكان من المعروف أن هذه لم تكن الأراضي الوحيدة الغنيّة بالتوابل. فقد كان نبات القرفة الصينية ينمو في أرض الصومال، والقرفة في سيلان، وكلاهما كان يُستخدم في الطعام والبخور. وقد وصف ابن بطّوطة وأودوريك غابات الفلفل في مالابار، وروى مارينيولي قصصا عن حروب الفلفل بين اليهود والمسيحيين.
    لكن جزر الملوك، التي يُستخرج منها القرنفل وجوز الطيب وقشوره، بدت وكأنها مملكة التوابل. وقد نالت هذا التميّز قبل قرون من دخول أوّل سفينة غربية لتلك البحار. ورغم أن مساحة الجزر لا تتجاوز خمسة وعشرين ألف ميل مربّع، فقد حقّقت سيادة تشبه تلك التي حقّقتها جمهوريات البندقية وجنوا وبيزا الإيطالية، التي كانت توازيها في القوّة، واعتمد الطرفان على تجارة التوابل.
    وامتدّت الإمبراطورية الاستعمارية لجزر الملوك على الأرخبيلات المجاورة، وتوغّلت في القارّة وانتشرت مستوطناتها التجارية في أرجاء ماليزيا الشاسعة. وكانت جاوة سوقا لصادراتها، وهناك رأى ماركو بولو دلائل قوّة جزر الملوك في تجارة التوابل وبدت له مسئولة عن الجزء الأكبر من إمدادات العالم من الموادّ النباتية العطرية والنفّاذة.
    وقد بذل البرتغاليون قصارى جهدهم لمنع الآخرين من الوصول إلى هذا المصدر. وكانت سياستهم في تجارة التوابل تشبه سياسة العرب في تجارة البخور، أي إبقاء مصادر الإمداد مجهولة.
    في عام 1527، ذكرت رسالة صادرة من البلاط الإسباني أن جزر الملوك "لا تزخر فقط بالقرنفل وجوز الطيب والقشرة والقرفة، بل أيضا بالذهب والياقوت والألماس والأحجار الثمينة والياقوت الأحمر والأصفر وغيرها من الأحجار واللآلئ". وأشارت الرسالة الى أن السكّان الأصليين البسطاء يمكن أن يبيعوا هذه السلع الثمينة مقابل الرصاص والقصدير والحديد من الشمال، بل وأن يبادلوا توابلهم بالذرة وألماسهم بقطع الزجاج.
    وهناك فصل آخر غريب من هذه القصّة بدأت كتابته عندما خلفَ الهولنديون البرتغاليين، ويحكي عن احتكار السوق ويمتدّ إلى القرن التاسع عشر. كانت سفن هولندا تجوب البحار المحيطة وتقطع بساتين التوابل أينما وجدتها. وكانت جميع جوزات الطيب وحبّات القرنفل تعالَج بالنار والجير قبل تصديرها، حتى لا تُزرع في أيّ مكان آخر. لكن الحمام كان ينقلها إلى جزر أخرى، ما أدّى الى تضاعف إنتاج البساتين المحلية.
    لذا، قلّصت شركة الهند الشرقية الهولندية الإمدادات سعيا منها للحفاظ على الأسعار. وأصبحت الروائح العطرية التي كانت تفوح في البحار المحيطة بجزيرة العرب الأسطورية، في بعض الأوقات، واقعا ملموسا في جزر الملوك. ولم تكن تلك الروائح بخورا طبيعيّا ولا دينيّا، بل بخورا لتجارة كانت موشكةً على الأفول.
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • في الماضي، كان يُنظر إلى المنزل في المقام الأوّل على أنه ملاذ. كان مكانا للحماية والغذاء والطقوس ورواية القصص واستمرارية الأجيال. صحيح أن العمل كان يُمارس فيه، لكنه لم يكن منفصلا عن الحياة. لم يُنظر إلى إعداد الخبز ورعاية الحديقة وإصلاح الأدوات ورعاية الأطفال على أنها "مهام" منفصلة، بل كانت تعبيرا عن الانتماء. وكانت إيقاعات الحياة المنزلية طبيعية وليست مصمّمة أو مخطّطا لها.
    ومع حلول الثورة الصناعية، انتقل الإنتاج إلى المصانع. وأصبح العمل يقاس ويقيّم ويُجزّأ. وحتى الوقت نفسه أصبح خاضعا لنظام الورديات والحصص. ومن المفارقات، أنه على الرغم من أن الإنتاج انتقل فعليّا من المنزل، إلا أن عقلية المصنع عادت تدريجيا. وبدأت الكفاءة والإنتاجية وتحليل التكلفة والعائد في تشكيل نظرة الناس حتى إلى حياتهم الخاصّة.
    أصبح الزوجان في زماننا يشبهان بشكل متزايد شريكين في العمل يديران مشروعا مشتركا. وصارت الجداول الزمنية تُنسّق كما لو أنها خدمات لوجستية. ووُزّعت المهامّ كما لو كانت أدوارا. وأصبحت الحياة المنزلية "شيئا يجب إدارته". وبهدوء تحوّل الملاذ الى منظومة.
  • ❉ ❉ ❉

  • تُشبه هذه السلسلة الجبلية الشاهقة المغطّاة بالثلوج على الدوام، ساعة رملية محصورة بين البحر الأسود وبحر قزوين، مع سهوب أوراسيا شمالاً وأراضي البحر المتوسّط غرباً وإيران شرقاً. وقد حَدّد شكلَ هذه المنطقة تاريخها منذ القدم وحتى يومنا هذا. لطالما واجه سكّان القوقاز الأصليون جيرانا أقوى منهم: من السهوب ومن البحر المتوسّط ومن إيران. وهذا ما يجعل حتى التاريخ القديم يبدو ذا صلة بواقعنا اليوم.
    والعديد من التطوّرات الثقافية والعرقية المبكّرة يمكن عزوها إلى عوامل بيئية. فقد غيّرت موجات متتالية من الطقس الرطب أو الجافّ الخيارات المتاحة للأنشطة البشرية. وأجبر انحسار العصر الجليديّ إنسان نياندرتال المعروف بقوّته، على التنازل عن الأرض للإنسان العاقل الأكثر تنوّعا. وهُجرت القرى القديمة عندما نفدت المياه. وغزا السكيثيون القوقاز عندما أصبحت السهوب شديدة الجفاف.
    إنه درس مفاده ألا نمط حياة يدوم. فإذا نفد النفط أو تسبّبنا في ارتفاع درجة حرارة الكوكب بسبب الوقود الأحفوري، فمن غير المرجّح أن يكون وضعنا أسوأ من وضع مزارعي العصر الحجري الحديث في جورجيا. العيب الوحيد في هذا النهج التاريخي هو الشعور المتبقّي بالتفكير بعد وقوع الحدث، وانعدام القدرة على التأثير من جانب الإنسان العاقل الذي يُفترض أنه ذكي.

  • Credits
    archive.org

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    أشهر عشر نساء خلّدهن الرسم

    فنجان قهوة