خواطر في الأدب والفن


  • حتى لو كنتَ رسّاما متميّزا ومشهورا في نوعية معيّنة من الرسم وتكسب من وراء ذلك المال الوفير، قد يأتي يوم تشعر فيه بالملل على الرغم من أن شعبيتك كرسّام متخصّص في ذلك النوع تتطلّب منك الاستمرار في العمل.
    هذا هو المأزق الذي وجد جون سينغر سارجنت نفسه فيه بعد وقت قصير من بداية القرن الماضي، عندما كانت الأرامل الأوربّيات الثريّات مع بناتهنّ يتقاطرن على منزله كي يرسمهنّ.
    كان هذا الفنّان يُعتبر من بين الرسّامين الأكثر نجاحا في التاريخ. لكنه كان قد بدأ يأنف من البورتريهات التي كان يرسمها ويجني من ورائها مبالغ طائلة. ولم تكن هذه هي الصعوبة الوحيدة التي كانت تواجهه. فبالإضافة إلى حقيقة أنه لم يعد يرى في البورتريه فنّا عظيما، كانت قد بدأت تلوح في الأفق نذر العاصفة الكاسحة التي اصطُلح على تسميتها في ما بعد بـ "الفنّ الحديث".
    أسلوب سارجنت وموضوعاته أصبحت تبدو قديمة الطراز مقارنة بأعمال بيكاسو وماتيس، بل وحتى مقارنة برسّام من جيله هو، أي كلود مونيه. وبعض النقّاد كانوا يلمّحون إلى أن أعماله أصبحت عتيقة الطراز. وقال آخرون إنها تبدو كما لو أنها تنتمي إلى زمن آخر.
    ووجد سارجنت ملاذا له في الجداريات الضخمة. وعلى الرغم من أنه رسم معظمها في انغلترا، إلا انه يمكن العثور عليها اليوم في عدد من المباني العامّة في الولايات المتحدة. كان في الكثير من الأحيان يسافر إلى بوسطن للإشراف على تركيب جدارياته بنفسه. وكانت شهرته كبيرة في هذا المجال. كما كان معروفا باشتراطه إجراء تغييرات في معمار المباني يتناسب مع طبيعة رسوماته.
    توفّي سارجنت فجأة عام 1925 وهو يستعدّ مرّة أخرى لمغادرة لندن إلى أمريكا، للإشراف على تركيب سلسلة من الجداريات في متحف بوسطن للفنون الجميلة. وأضيفت هذه السلسلة إلى 113 من لوحاته، من بينها صورته المشهورة لسيّدة المجتمع الباريسي الأمريكية المولد فيرجيني غوترو. وكانت هذه الصورة الجريئة لامرأة ترتدي ملابس جريئة هي التي دفعت سارجنت لمغادرة باريس نهائيا إلى لندن عام 1884م.
    وقد باع اللوحة في النهاية إلى متحف الفنّ الحديث في نيويورك، وأصرّ على أن يكون اسمها مدام إكس. ووُصفت السيّدة بأن لها بشرة من اللافندر أو الخزامى، وقيل إنها كانت تتناول بانتظام كمّيات صغيرة من الزرنيخ لكي تحافظ على ذلك المظهر.
    كما تردّد أن والدة المرأة قالت للرسّام بعد أن راجت اللوحة وانتشرت على نطاق واسع: لقد أصبحت ابنتي تائهة. الجميع في باريس يسخرون منها. وزوجها عازم على منازلتك في مبارزة". وقيل إن سارجنت ضحك ممّا سمعه وقال عبارة أصبحت أشبه ما تكون بالنكتة: في كلّ مرّة ارسم فيها بورتريها أصنع لنفسي عدوّا واحدا على الأقلّ".
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • ما أن تُذكر آلة الكمان حتى يأتي إلى الذهن اسم الايطاليّ نيكولو باغانيني (1782-1840) الذي يعتبره الكثيرون أشهر عازف كمان في تاريخ الموسيقى. ترك باغانيني بصمته كأحد أعمدة موسيقى الكمان في العالم. لكن ما لا يعرفه الكثيرون أنه كان أيضا مؤلّفا موسيقيّا موهوبا وعازفا بارعا على آلة وترية أخرى هي الغيتار.
    وعندما زار ألمانيا، كانت شهرته كمؤلّف موسيقيّ وعازف لامع على الكمان قد سبقته إلى هناك. وقد التقى في زيارته تلك شوبيرت، ثم عزف في منزل الشاعر والفيلسوف غوته في فيمار ببرلين. وامتدح الأخير عزفه على الكمان بقوله: لقد سمعت شيئا أشبه ما يكون بلمعان الشهب". كما التقى هناك فرانز ليست الذي وصفه "بالمعجزة".
    ألّف باغانيني العديد من المقطوعات المعروفة. لكن أشهرها هو كونشيرتو الكمان الثاني، وخاصّة الحركة الثالثة منه المسمّاة "لا كامبانيللا"، والتي أصبحت عنصر إلهام للكثير من الموسيقيين حول العالم. و"لا كامبانيللا" معناها بالايطالية "الجرس الصغير"، نسبةً إلى التأثيرات التي تشبه الجرس والتي تُسمع في أجزاء العزف المنفرد وفي الاوركسترا. وقد اقتبس المؤلّف هذه الموسيقى ذات النكهة الغجرية من أغنية شعبية ايطالية بنفس الاسم.
    كتب باغانيني هذا الكونشيرتو عام 1826، وعزفه لأوّل مرّة في نفس ذلك العام في ميلانو وكان هو نفسه عازف الكمان. "لا كامبانيللا" هي من نوع الروندو، وعزْفُها يعتمد على براعة العازف في استخدام أصابع يديه. كما أن الوقفات المتعدّدة في هذه الموسيقى كانت مثارا لاستمتاع وإعجاب الجمهور، لدرجة أن باغانيني كان غالبا يؤدّيها كقطعة منفردة ومنفصلة عن بقيّة الكونشيرتو.
    الحرفية والمهارة اللتان أظهرهما باغانيني في أداء هذه القطعة أثارت إعجاب العديد من الموسيقيين مثل روسيني وشوبان وروبرت شومان وغيرهم. كما كان "ليست" أيضا معجبا بها كثيرا، وهذا هو السبب في انه أعاد تكييفها مع تأثيراتها الجرسية كي يوظّفها في احد كونشيرتوهاته للبيانو.
    في هذه الأيّام، أصبحت "لا كامبانيللا" قطعة مشهورة جدّا. وكثيرا ما تُعزف بانتظام في حفلات الموسيقى الكلاسيكية، بل وأصبحت تُؤدَّى بآلات غير الكمان مثل الغيتار والساكسفون والفلوت وغيرها.
  • ❉ ❉ ❉

  • المكان يشبه شُطآن بعض الجزر البريطانية. الأفق منخفض والسماء محجوبة بالغيوم الداكنة والثقيلة. قدما المرأة حافيان، على الرغم من أن ذراعيها مغطّيان بالقفّازات. وهي تستدير لتكشف عن ظهرها وثوب حفلة احمر خفيف. وشريكها يرتدي ملابس سهرة. الزوجان المتأنّقان يبدوان كما لو أنهما هربا من حفلة وفضّلا أن يشكّلا ثنائيّا راقصا على هذه البقعة البعيدة من شاطئ البحر.
    وهما ليسا وحدهما هنا. بمعيّتهما خادمة وساقٍ، وكلّ منهما يحمل مظلّة واقية من المطر. انعكاسات الملابس والأقدام تبدو ناعمة على الرمال المبلّلة. ومع ذلك فهذه اللوحة غامضة ببراعة. تنظر إليها فتشعر كما لو أن وراءها قصّة تتكشّف فصولها تباعاً.
    "الساقي المغنّي" صورة زيتية صغيرة نسبيّا رسمها جاك فيتريانو عام 1992، وأصبحت منذ ذلك الحين لوحة معلَميّة في بريطانيا. شيء ما شبيه بهذا حدث في أمريكا من قبل، عندما أصبحت لوحة "القوط الأمريكيّون" لـ غرانت وود صورة أيقونية لا يكاد يخلو منها منزل أمريكيّ.
    عندما أتمّ فيتريانو رسم هذه اللوحة، تلقّى عددا من النصوص لأعمال درامية متخيّلة كتبها أصحابها من وحي اللوحة. كما تلقّى عددا من الرسائل بعثها إليه جنود يحكون له فيها كيف أن الصورة ساعدتهم في الخروج من ذكريات أهوال الحرب على العراق. ثم وصلته رسائل أخرى من عائلات ثكلى تشرح فيها تأثير هذه الصورة وكيف أنها وفّرت لهم نوعا من المواساة والسلوى في لحظات حزنهم.
    معظم الكتّاب والنقّاد مندهشون من الجاذبية الكبيرة لهذه اللوحة ومن انتشارها الغريب. يقول مؤرّخ الفنّ كينيث سيلفر: بصراحة أنا لا أفهم الأمر. لكن يبدو أن الصورة نجحت في استثارة الحنين إلى زمن ماضٍ، يقع على الأرجح ما بين ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين، عندما كان الرجال والنساء يتصرّفون ويلبسون على نحو معيّن".
    الرسّام نفسه يقول انه رسم اللوحة، ببساطة، لسببين: أولّهما أن امرأة أخبرته ذات مرّة انه بارع في رسم الشواطئ. والثاني أن شاطئ البحر هو المكان الذي يقصده العشّاق عادة". ولو افترضنا أن الشاطئ في اللوحة حقيقيّ، فإنه ربّما يكون جزءا من شاطئ ليفين بـ اسكتلندا، والذي كان فيتريانو يتردّد عليه عندما كان صبيّاً.
    صحف التابلويد نادت بـ فيتريانو "رسّاما للشعب"! ووصفته بأنه يسيطر تماما على تهويماته ولا يمانع في أن يُشرك معه العالم فيها". يقول فيتريانو انه يحبّ نموذج ايفا غاردنر الأسمر والصارم والحسّي. كما انه لا يهتمّ كثيرا بالمعايير السائدة للجمال الأنثوي.
    غير أن منتقديه يتّهمونه بالانتحال ويأخذون عليه استنساخه لطريقة ووقوف شخوص لوحاته، بما فيها هذه اللوحة، من مجلات الموضة وكتب الدليل. ويردّ فيتريانو بالقول انه لا يأبه كثيرا بما يقال، مذكّرا بعبارة بيكاسو المشهورة: الآخرون يقتبسون وأنا أسرق". ويضيف: نفس الكتب التي أستخدمها في رسم مناظري كانت موجودة في استديو فرانسيس بيكون عندما توفّي".
    من الواضح أن "الساقي المغنّي" تمثّل خروجا على نسق لوحات جاك فيتريانو. فالرسّام غير مهتمّ بالرومانسية، بل يميل أكثر إلى تصوير أمزجة وحالات أشدّ قتامةً وشخصيّات أكثر إثارةً للريبة.

  • Credits
    archive.org

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً

    أساطير قديمة: العنقاء