خواطر في الأدب والفن


  • قضى الكاتب شتيفان تسفايغ حياته كلّها تقريبا هارباً: من الحرب العالمية الأولى إلى سويسرا، ومن فرقة الإعدام عبر القنال الإنغليزي، ومن لندن المدمّرة إلى أمان مدينة باث الريفية، ومن تهديد هتلر بغزو إنغلترا إلى الولايات المتحدة، ومن دخول روزيفلت الوشيك في الحرب إلى البرازيل. بل لقد هرب أيضا من ريو إلى منتجع جبلي برازيلي، ومن هناك لم يعد ثمّة مجال آخر للهروب، فترك رسالة انتحار تشبه أسلوب كتابته السلسة والمهذّبة والمنمّقة. كانت الرسالة في الواقع أشبه بخطاب قبول جائزة أوسكار منها الى رسالة انتحار.
    تسفايغ يوصف أحيانا بأنه أشبه بمشروب شعبي في عالم الكتابة النمساوية. تحوّلت كتبه إلى أفلام، ثمانية عشر فيلما بالتحديد. وهذا منطقي، فهي أعمال افتراضية خالية من المشاعر ومتكلّفة وأشبه بنصب تذكارية، كُتب أُلّفت للطبقة البرجوازية لتثري بها نفسها أو لتثير الرعب. وقد حوّلتها هوليوود إلى واقع، كي تضفي عليها تعابير ووجوها وأجسادا وحوارات لتجرّدها من بعض طابعها المسرحي المبالغ فيه.
    بحلول نهاية عشرينات القرن الماضي، أصبح تسفايغ من أكثر المؤلّفين ترجمة في العالم، وحظي بشعبية جماهيرية واسعة. يقول ناقد: كانت الكتابة سهلة بالنسبة له، وكثيرا ما حطّمت مبيعات كتبه جميع الأرقام القياسية خلال أسبوع من نشرها، حتى أن ألبيرت آينشتاين وسيغموند فرويد كانا من بين معجبيه.
    وتكمن جاذبية تسفايغ في سهولة أسلوبه. فكتبه مباشِرة للغاية وخالية من التجريب الذي ميّز معاصريه من الحداثيين. وكان أيضا كاتبا جريئا جدّا ومستعدّا لتناول شخصيات غير محبوبة ومواضيع لا تبعث على السرور.
    فرّ تسفايغ من العالم الناطق بالألمانية في منتصف الثلاثينات، هربا من مضايقات النازيين بعد تجريده من جنسيته الألمانية عام ١٩٤٠. واستقرّ أوّلا في لندن، ثم في الولايات المتحدة، وأخيرا في أمريكا اللاتينية. لكنه لم يتأقلم تماما مع حياة المنفى. يتذكّر أحد اصدقائه فيما بعد رؤيته لتسفايغ تائها في شوارع نيويورك، بوجه جامد وذقن غير حليقة وهيئة رثّة.
    كان تسفايغ، وهو داعية سلام طوال حياته، يخشى ألا تعود الثقافة الفكرية العالمية التي دافع عنها طوال مسيرته المهنية. وقد ازداد اكتئابه مع استمرار الحرب، فقطع علاقاته بالعديد من أصدقائه وفقد اهتمامه بجمع الكتب والمخطوطات النادرة، وهو الشغف الذي لازمه طوال حياته.
    وفي عام ١٩٤٢، انتحر هو وزوجته الثانية في منزلهما في بتروبوليس بالبرازيل، بعد وقت قصير من إرسال مخطوطة روايته "قصّة الشطرنج" إلى ناشره. كان تسفايغ من أوائل الكتاب الذين لاحظوا ما كان يفعله فرويد، واستوعب مبكّرا حقيقة أن التعامل المباشر مع الأمور المروّعة ليس بالضرورة الطريقة التي يعمل بها العقل. وقصصه مليئة بشخصيات مسمومة بأمور لم تُقَل أو بمواقف أسيء فهمها.
    كتب شتيفان تسفايغ ونشر مئات الآلاف من الكلمات وترك أعمالا أدبية مهمّة مثل "عالم الأمس" و"اللعبة الملكية و"أربع وعشرون ساعة في حياة امرأة" و"فتاة مكتب البريد" و"احذر من الشفقة" و"الخوف" وغيرها.
    أما كلماته الأخيرة فلم تتجاوز صفحة واحدة. بدأت رسالته بكلمة Declaracao، أي "إعلان"، وهي كلمة كتبها بالبرتغالية لتسهيل فهم الشرطة البرازيلية لمضمونها. ثم انتقل إلى الألمانية، ما اضطرّ الضبّاط المحليين إلى استدعاء طبيب يهودي ألماني للترجمة.
    كتب تسفايغ أنه أنهى حياته "بإرادته الحرّة وبكامل وعيه". وشكر البرازيل على كرم ضيافتها. وأضاف: كلّ يوم كنت أتعلّم أن أحبّ هذا البلد أكثر، ولم أكن لأطلب إعادة بناء حياتي في أيّ مكان آخر بعد أن غرق عالم لغتي وضاع منّي، وبعد أن دَمّرت أوروبّا، موطني الروحي، نفسَها".
    ثم كتب: لكن البدء من جديد بعد بلوغ الإنسان الستّين يتطلّب قدرات خاصّة، وقد استنفدت طاقتي بعد سنوات من التشرّد. لذا، أفضّل أن أنهي حياتي في الوقت المناسب، وأنا على ما يرام، كرجل كان العمل الثقافي بالنسبة له دائما مصدر سعادته الحقيقية، وحرّيته الشخصية أثمن ما يملكه على هذه الأرض."
    وختم كلامه بقوله: أرسلُ تحيّاتي إلى جميع أصدقائي: عسى أن يعيشوا حتى يروا الفجر بعد هذا الليل الطويل. أنا، الأكثر نفادَ صبرٍ، أسبِقهم".
    كان المطاف قد انتهى بتسفايغ وزوجته في البرازيل، أحد أكثر الأماكن غرابة وتنوّعا التي صادفها خلال مسيرته الأدبية الحافلة بالإنجازات. هنا كانت الجنّة. كان فيها أفضل قهوة على وجه الأرض، لكن أين المقاهي والفنّانون والأدباء والموسيقيون وكتّاب المقالات والسياسيون الذين ألِفهم في اوربّا؟ أين "عالم الأمس" الذي ازدهر فيه، ذلك العالم الفخم الذي عرفه؟!
    في ضاحية خضراء دافئة وسط تلال خلّابة فوق ريو، أنهى تسفايغ مذكّراته. وبمعنى ما، كان هذا هو العمل الذي عاش من أجله. وبعد أن أنجز مهمّته ورتّب أموره، تناول هو وزوجته جرعات كبيرة من الفيرونال. وكتب تسفايغ تلميحا إلى أن سبب انتحاره كان سياسيا: الأهوال التي كانت تحيط بعالمه المتلاشي. وقد وجد آخرون في هذا تفسيرا مقنعا، ووضعوه في طليعة قائمة الكتّاب الذين دفعهم النازيون إلى إنهاء حياتهم بشكل مباشر أو غير مباشر.
  • ❉ ❉ ❉


    ❉ ❉ ❉

  • تقول الشاعرة كاسي فيليبس في قصيدتها الملهِمة "دعهم يفعلوا":
    إن أرادوا تفضيل شيء أو شخص عليك، فدعهم يفعلوا. إن أرادوا أن تمرّ أسابيع دون أن يكلّموك، فدعهم يفعلوا. إن كانوا راضين بعدم رؤيتك أبدا، فدعهم يفعلوا. إن كانوا راضين بوضع أنفسهم دائما في المقام الأوّل، فدعهم يفعلوا. إن كانوا يُظهرون لك حقيقتهم لا ما كنت تظنّهم، فدعهم يفعلوا.
    إن أرادوا اتّباع القطيع، فدعهم يفعلوا. إن أرادوا الحكم عليك أو إساءة فهمك، فدعهم يفعلوا. إن تصرّفوا وكأنهم يستطيعون العيش بدونك، فدعهم يفعلوا. إن أرادوا الرحيل عن حياتك، فافتح لهم الباب، ودعهم يفعلوا. دعهم يخسروك. لم تكن يوما ملكا لهم، بل كنت دائما ملكا لنفسك. لذا دعهم يفعلوا".
    من الواضح أن القصيدة هي عبارة عن تأمّل عميق في الحبّ والثقة وجمال ترك الحياة تسير بانسيابية. والشاعرة تتناول فنّ التخلّي عن التحكّم في مواقف وأفعال الآخرين تجاهنا والعثور على السكينة والسلام الداخلي في القبول. كما تدعو القرّاء إلى احتضان الحرّية التي تأتي مع التخلّي، لأنها تحرّرنا وتحرّر الآخرين لننمو ونتغيّر ونزدهر.
    هناك حكمة في التقبّل والتخلّي. إذ نتعلّم من خلالهما أن النموّ واكتشاف الذّات والتحوّل هي رحلات شخصية عميقة، وأن فرض توقّعاتنا على الآخرين لا يؤدّي إلا إلى خلق مقاومة. وفكرة القصيدة تقوم على أنه عندما يختلف معك الآخرون أو يحكمون عليك أو يجرحون مشاعرك أو حتى يؤذونك، فيمكنك أن تسمح لهم بذلك. وبقبولك أنك لا تستطيع التحكّم بما يفكّرون به أو يفعلونه، ستحرّر نفسك من الصراع العاطفي والنفسي ومن محاولة التأثير عليهم وتوسّل قبولهم.
    إن حرّية الناس في أن يكونوا على طبيعتهم تتيح لك رؤية حقيقتهم والتواصل معهم كما هم: دعهم يفعلوا! وهذا يعني بالتالي قبول الواقع كما هو، قبولا تامّا وكاملا، دون مقاومة أو إنكار أو إصدار أحكام، حتى عندما يكون الواقع مؤلما أو صعبا.

  • Credits
    stefanzweig.de/en
    cassie-phillips.com

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    فنجان قهوة

    أشهر عشر نساء خلّدهن الرسم